تابعنا على

سرديار

جميلة سرور عزيز

نشرت

في

نجيب محفوظ:

لم يرَ ميدان بيت القاضي وأشجاره المُثقلة بأزهار “ذقن الباشا” أجمل منها إلَّا تكن مطرية ابنة عمها عمرو، وهبَتْها أمُّها بشرتها العاجية وعينيها الخضراوين النجلاوين، وفاقت أُمَّها بفيها الأنيق كالقرنفلة وجسمها المدمج.

وبخلاف أُمها كانت تموج بالحيوية والخفَة واستمدَت من غرائز أبيها لفحات حارة خضَّبت وجنتيها بماء الورد الأحمر، وسبقت زمنها لا بالتعليم، فلم يُجاوز نصيبها منه محو الأمية كأختها وبنات عمها، ولكنه بالتحرُّر التلقائي المُنطلق بقوة نُضج مُبكر ونداء الأشواق المُبهمة، فتلوح في النافذة لتسقي أصيص الورد، أو تخطر بنصف نقاب فيما بين بيتها وبيت عمها المجاور، أو تُلاقي النظرات الجائعة بدلالٍ مُتمرِّد، في طفولتها كانت تجول في الميدان بصُحبة أخيها الأكبر لبيب، وانضمَّ إليهما بعد سنواتٍ قاسم.

كانت تكبُر قاسمًا بسنواتٍ ولما ناهزت الحلم لم تجد سواه لعبةً لقلبها المُتحفِّز. وكلما خلت به لاعبَتهُ لتُوقِظه من براءته فتبعها في حيرةٍ ثملة مُمتعة كرؤية جمال الفجر لأول مرة، ولمس بأنامله المُتشنجة جواهر حالَ الجهلُ بينه وبين معرفة قيمتها. ولمَّا قارب الثالثة عشرة سقط في الشهد قبل الأوان. وتفتح على راحتها الناعمة المُخضبة بالحناء كالوردة وأخلد بكل عذوبة إلى نفثات صدرها المُضطرم، وبسببٍ من تلك الرعونة تصدَّى لها أخوها أمير، وعنَّفها حتى ضاقت به وبكت. وقالت له أُمُّه: تذكَّر أنك أخوها الصغير.

فقال لها: سُمعتنا!

فقالت زينب بهدوئها الذي لا تخرج عنه: إني أعرف بنتي تمامًا وهي مِثال للأدب.

ولما جاوز أمير حدوده قال له سرور أفندي: دع الأمر لي.

وكان سرور أفندي يميل إلى التسامُح المعتدل، وكان في ذلك الوقت يتساءل عما جعل عامر ابن أخيه عمرو يميل إلى عفَّت بنت عبد العظيم داود دون جميلة بنت عمِّه. ويقول لزوجته: الله يخيبه. أليست بنتنا أجمل؟

فتقول زينب ساخرة: أليس هو ابن راضية المجنونة؟!

ويقول سرور بمرارة: أخي يزعم أنه من أهل الطريق، ولكن رغبته في القرب من أهله الأغنياء تفوق رغبته في القرب من الله!

والحق أن جميلة أخافت الأُسَر المحافظة من الجيران فأحجمت عنها رغم جمالها، حتى قيَّض لها حظها ضابط شرطة جديدًا بقسم الجمالية يُدعى إبراهيم الأسواني. كان ممشوق القوام طويلَهُ غامِق السمرة، رآها فأعجبته، ووجد سُمعة البنت طيبة، فخطبها بلا تردُّد. وما يدري قاسم إلا وفاتنته ومُعلمته تتغيَّر بين يومٍ وليلة كتفَّاحة اجتاحها العطب؛ اختفت وحلَّ بها وقار، لا يحلُّ إلا مع الزمن الطويل، وزُفَّت إلى العريس في مسكنه بدرب الجماميز في حفلٍ أحيته الصرافية والمطرب أنور. وما لبثت الأسرة الجديدة أن غادرت القاهرة بحُكم عمل الزوج، فمضت أعوامٌ وأعوام وهي تُشرق وتغرب دون إنجاب، وبعد أن مات سرور أفندي قبل أن يرى أحفاده من جميلة. وفي أثناء ذلك حصلت لإبراهيم الأسواني أمور، فقد كان وفديًّا، وافتضحت عواطفه في تراخيه بالقيام بواجبه في عهود الديكتاتوريات، حتى انتهى الأمر بفصله. وكان قد ورث عشرين فدَّانًا فرحل بأسرته إلى أسوان، وانضم إلى الوفد جهرًا، وانتُخِب عضوًا بمجلس النواب، وثبت عضوًا دائمًا بالهيئة الوفدية. وأنجبت جميلة بعد العلاج من عُقمها خمسة ذكورٍ عاش منهم سرور ومحمد، وكان الزواج قد حوَّلها من الرعونة إلى رزانةٍ عجيبة وجِدِّية فائقة وأمومةٍ سخية، وكأنها قد تمادت في بدانتها إلى درجةٍ يُضرَب بها المثل. ولم يكن إبراهيم الأسواني يخلو من انفعالات وأحوال، ولكنها كانت كالمحيط الذي يستقبل الأمواج العالية والعواطف الهادرة ثُم يهضمها في صبرٍ وأناة كي يعود إلى هدوئه الشامل وسيادته الكاملة. فهذا يُصدِّق أنها هي التي نصحت أمانة بنت مطرية مرةً فقالت لها: على الزوجة أن تكون مروّضة للوحوش!

ولَمَّا قامت ثورة يوليو أيقن إبراهيم الأسواني أن حياته السياسية قد انتهت، فاعتزل في أرضه وتفرغ للزراعة، وكان ابناه سرور ومحمد قد صارا ضابطين طيَارين، وانقرضت هذه الأسرة بقضاء لا رادَّ له. أما إبراهيم الأسواني فقد قُتل في تصادُمٍ بين قطارَين عام 1955. كان في الخامسة والخمسين وجميلة في الخمسين. وأصيبت طائرة سرور في حرب 1956 ولقِيَ مصرعه، ولحق به أخوه محمد في حرب 1967، وأنقذت جميلة من الوحدة والأحزان عام 1970 فماتت بورم في المعدة وهي في الثالثة والستِّين من عمرها. وكانت حين وفاتها كأنها مقطوعة من شجرةٍ لا أهل لها.

ـ من “حديث الصباح والمساء” ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سرديار

مذكرات مدير سابق (6)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

الخميس 2 مارس2012 : عودة الدروس واستئناف الامتحانات. عائلة أحد المصابين تقرر الاعتصام بالمؤسسة: “ما نروّح الا ما تعطيني ولدي” ولا تقتنع الا بعد جهد جهيد. كان ابنهم الوحيد فقد مات أخوه قبله بسنة. وكانت لوعتهم شديدة وكان القلب يعتصر دما ولكن ما باليد من حيلة.

وعلى هذه الوتيرة مرت باقي أيام الأسبوع، حتى جاء يوم الاثنين 6 مارس 2012 ويلقى احد المصابين حتفه وهو الذي يقيم في مستشفى القيروان رغم أن جروحه من الدرجة الثانية.. وستتناقل بعض الفيديوات بعد ذلك ظروف إقامته وصنوف الإهمال. فقد كان مثلا مغطى بغطاء منتف التصق صوفه بالجروح… ولم يتم نقله إلى سوسة إلا بعد فوات الأوان.

 وننتقل حينها إلى طور آخر من المعاناة وننزل درجة إضافية نحو الجحيم (راك في بوحجلة يا حنين). وتهيج الدنيا على رؤوسنا وتنهار أسرتي وجعا فأعيدها من حيث أتت. 

***

يتجدد إيقاف الدروس وكان يفترض ان نبدأ امتحانات الاسبوع المغلق ولكن .. صرنا كل يوم نستقبل أفواجا من أهل الفقيد وأقاربه: يأتون في شاحنات بأعداد هامة تعاون الأساتذة والقيمون والعملة والإداريون على إقناعهم في كل هجوم بأن حرق المؤسسة لن يرد الفقيد بل يضاعف الخسائر.. كثير من الأساتذة واظبوا على الحضور شأن كل الأسلاك وبما أن العملة من أبناء الجهة فقد كانوا يعرفون العناصر الخطيرة التي قد تتسرب وسط الجموع فكانوا يتلقونهم وخاصة من عملة الحضائر المعينين بعد الثورة .

يوم الخميس 9 مارس 2012 على ما أذكر ازداد الموقف تأزما ذلك أن عنصرا ملتحيا قيل إنه خال الضحية رافق المحتجين بل تقدمهم وبيده وعاء بلاستيكي به بنزين ودخل أقرب قاعة إلى الباب الخارجي، وكنا خصصناها للمسرح ، فسكب بعضه على السبورة وبعض الطاولات واضرم فيها النار ولم يستطع العملة منعه ثم توجه نحو الادارة وكنت بالداخل حين جاءني عامل يجري صارخا : “هام حرقوا قاعة وصبوا الايسونس على محمد” . خرجت مسرعا فاذا بالعامل قد فر هاربا بجلده وشرعت فورا في امتصاص غضبهم: “تحبوا تحرقوا ابداو بيّ أنا “ فقفز أحد الحاضرين إلى الملتحي واختطف منه الوعاء وأجبره آخرون على الابتعاد .. حينها لان خطابي فورا (والحق الحق استعنت بشوية قدرات خطابية امتكتها كي كنت ناشط في الجامعة): “أنا إلي حليتو الدرتوار . على جال اشكون؟ التعب لاشكون؟ ماو كان مسكر وانتم وصغاركم تاعبين…”  وهكذا تدرجت إلى خطاب ميتافيزيقي.. حتى تراخت الجموع وبدأ الانسحاب تدريجيا.. ولكن لم تتوقف الهجومات..

الجديد انه بعد سكب البنزين على الحارس، صار الجميع ينسحب قبيل وصول المحتجين فإذا وصلوا ألتفت فلا أجد أيا كان، صدقا لا أحد غيري بالمؤسسة.. ومع ذلك لم يمسسني منهم سوء ولو لفظيا. كنت أتصل بالأمن فيعتذر لأنه لا يملك سيارة للتنقل الى المؤسسة !! وهذا ربما كان أفضل فقد كانت الأوضاع متوترة في كل مكان.

 ***

المهم لا أذكر كم طال الأمر، وقررنا زيارة المصاب الثاني بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس، انا والأختان وداد ومفيدة مع أستاذ بالمؤسسة لأن سيارتي كانت معطبة. وجدنا بعض أهل المصاب هناك وأثناء الزيارة اتصلت بأحد الأطباء فأخبرني أن حالته لم تتحسن وقد لا ينجو. كتمت الأمر عن مرافقيّ وليسامحوني على ذلك وعدنا والذهن يشتغل على احتمالات أسوأ، فهو من “عرش كبير” وقد يكونون أعنف !!!

عدنا إلى الدراسة وشرعنا في إجراء الامتحانات التأليفية واتفقت مع المندوبية على أن يكون الإصلاح بعد العطلة. كنت أتابع حالة التلميذ باستمرار فموته في تلك الأيام يعني حتما حرق المؤسسة. ولكن تعاطف معنا عزرائيل واختطف روحه نهاية الأسبوع أي بداية العطلة فنجونا.. وهذا لا يعني انهم لم يهاجموا بل جاؤوا وعندما لم يجدوا غيري ولّوا على أعقابهم .. وكان يمكنني بعد ذلك أن أنال قسطا من الراحة ولكن مسألة أخرى لا بد من حلها 

                                                ***

مسألة التحقيقات : رجحت الحماية المدنية أن يكون عطب في الكهرباء هو سبب الحريق، ولعلكم ستجدون هذا السبب نفسه في كل الحرائق تقريبا، الخطير أن المسؤولية حينها تلقى عليّ أساسا باعتبار أن النيابة العمومية ستعتمد تقرير الحماية المدنية في حال انعدمت امكانية اثبات الجناية،  لذلك كان التحقيق الإداري نافذتنا إلى الحقيقة فقد أفاد التلاميذ أن ثلاثة منهم غادروا المؤسسة نهارا ولم يفطن اليهم الحارس وجلبوا قارورة بنزين في محفظة أحدهم وأخفوها حتى ساعة متأخرة بعد مغادرة القيم، وسكبوها على بعض الاسرة الخاوية واضرموا النار التي سرعان ما انتشرت وكان ما كان..

السبت ، منتصف النهار استكملنا التحقيق وعرفنا كل التفاصيل، أحمل كل شيء وألتحق بالمندوبية بعد إعلامها، المندوب يتصل بوكيل الجمهورية الذي يطلب حضوري فورا.. وهكذا أخذت التحقيقات مجرى آخر .

 والان هلا تكهنتم بالمدبر الرئيسي؟ لا ترهقوا اذهانكم لأنه… ذلك التلميذ الذي أثار شفقة ابني. والغريب أنه من ذوي النتائج الحسنة، فمعدله يقارب 15 وسيرته عادية !!!

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (5)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

[نزولا عند رغبة صديق صميم سأكتب ما تبقى بالفصحى]

كنت قد أعلمت المندوب ما إن أخرجنا التلاميذ. سي عبدالجليل صيود يذكره بالخير. وكنت بالمكتب  أهاتف المسؤولين لمتابعة حالة المصابين وكان معي ابني. كانت الدموع تنهمر من عينيه عندما دخل علينا تلميذ في حالة قصوى من الهلع. وجهه ممتقع ولباسه خفيف. قفز ابني الى المنزل وجلب له من ملابسه ما يدفئه. هدأته قليلا. كان يهذي بكلام غير مفهوم …

هبّ الأهالي جميعا للمساعدة وكل يبذل ما استطاع من جهد. منهم من قدِم من بعيد لأن ابنه بالمبيت. تحولت الإعدادية إلى خلية نحل، كلفت العمال بالحرص على مراقبة كل تحرك والتصرف بحكمة فهذا الجمع يصعب التحكم به لذلك لا بد من اللين حفاظا على المؤسسة. وهكذا كان.. وعندما حل ركب الوالي والمسؤولين الجهويين، كانت الحماية المدنية قد سيطرت على الحريق وكان التلاميذ في قاعة محميين وقد تناولوا وجبة الصباح. طفت عليهم ومعي من حضر من القيمين وحاولنا تهدئتهم.

***

مر المسؤولون الى المبيت مباشرة، وهذا مؤشر على صحة ما توقعت من الوالي لأن في الأمر سوابق سأذكرها بإيجاز حتى لا يتم تأويلها أكثر من اللزوم وهي مايلي:

(ذات 6 افريل 2011، مر الباجي قايد السبسي من الترحم على بورقيبة إلى القيروان للاجتماع بالجميع، وكنت ممثلا لحزب ما، وتم توزيع الكلمة واستثنوني فافتككت المصدح وتدخلت عنوة وملخص تدخلي تبرئة اتحاد الشغل من أحداث صفاقس انذاك، والتأكيد على أن القيروان مهمشة منذ عهد بورقيبة لا من عهد الزين فقط، وهو ما ساء الوالي والسبسي وكل المسؤولين الجهويين الحاضرين، لأني قلت عنهم إنكم تعملون بنفس ماكينة الفساد ووو. المهم كان تدخلي مستفزا حتى لممثل اتحاد الشغل حينها ههه).

وأظن، قلت أظن وليس كل الظن إثما،  ان السيد الوالي تذكر الحادثة أو ذكّرته بها الحاشية لذلك دخل إلى المؤسسة دون انتظار المدير، وكنت بالمكتب على الهاتف ولم ألتحق بهم فإذا بالجميع يدخل عليّ، فحييتهم وامتلأ الرواق والمكتب بكل الأصناف ومنهم مواطنون. تنحنح الوالي وبدأ خطابه بالأسف ولم يطل كلامه كثيرا حتى قال :“وهذي مسؤولية المدير” وهنا قاطعه المندوب فورا قائلا حرفيا  :“سيدي الوالي في المؤسسة هذي احكي علّي تحب، إلا عالمدير . أنا جيت بيدي نتفقد دون إعلامه نلقاه فوق طاولة يصلّح في الضوء”. وهذا حدث فعلا، وطبعا الوالي بعد ذلك لن يغفرها له وقد يكون، قلت قد يكون، كلامه ذاك احد أسباب تشغيل الماكينة ضده فتمت إقالته بعد مدة. ومما ساءه أيضا قول أحد الحاضرين بصوت مرتفع:“صحيح سيدي الوالي. المدير ولد حلال”  ثم انصرفوا واعدين بالحرص على إنقاذ المصابين ووو

وأغلقنا المؤسسة لمدة يومين لأننا كنا في بداية الأسبوع المفتوح وليس يسيرا بل ليس ممكنا إلغاء الامتحانات.

***

كان الجميع في حالة من الذهول، كل يحاول الفهم والتفسير وكان لا بد أن يبدأ الحديث عن الأسباب والكيفيات ، وكان لا بد من تعدد الاجتهادات لكن والحق يقال لا أحد اتهمني شخصيا بشيء بل على العكس تماما لم أجد إلا الدعم والمساندة من كل الإطار التربوي والمجتمع المدني والنقابة والأصدقاء، والكل يعرض المساعدة من موقعه وهذا بحد ذاته يرفع المعنويات رغم هول الكارثة. ومر اليوم الأول ثقيلا مشحونا لم نهدأ فيه إلا ليلا. ومن الغد جاءت عائلات المصابين وهم من ضعاف الحال فشرعنا في جمع تبرعات تساعدهم على التنقل لأبنائهم والعناية بهم. وبذلك مر اليوم الثاني بعد أن جاء فريق من الحماية المدنية لمعاينة المكان ومحاولة معرفة أسباب الحريق وفي نفس الوقت محققون جعلوا يفتشون في كل شيء ويسألون الجميع. وانصرفوا مرجحين أن يكون السبب خللا كهربائيا !!! فهذا المبيت كان مغلقا (مالة إلبِسْ يا .مدير )

***

بعد مغادرتهم أسرّ إلي أحدهم أنه يشتبه في أن يكون الأمر مدبّرا وألح على إجراء تحقيق سري في أوساط التلاميذ واخترنا بعض الأسماء الموثوق بها، وهكذا كان على أن نؤجل الأمر قليلا حتى تهدأ الأمور، وخططنا لذلك كأن لا يكون التحقيق مباشرا ولا شفويا بل إجابة كتابية، وكل تلميذ على حدة وعلى فترات متباعدة حتى لا يفطن أحد إلى أن التحقيق يجري. ونجحنا في ذلك فجاءت الشهادات متقاربة بل متطابقة…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (4)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

وقبل ما نوصلو للأهم ذكّرني بعض الأصدقاء بأحداث رأيتها دالة، منها أن أحد الاولياء فرض لباس على زوز بنياتو آك الخيمة أو الڤيطون من اللباس الطائفي فنبهتهم بلطف إلى تلطيفه لأنك ما ترى كان لكموتة،

جاني من غدوة واحد عضروط ڤلص هو بيدو  كشاكشه طالعة، قال اشنوة لباسهم هو الوحيد المحترم ويستر المفاتن ووو… قتلو مالة عندك انت هالبنيات الكل في الكولاج ماهمش محترمات؟ قال لي ايه وربي قال ووو… شديتو مسحت بيه القاعة على تشكيكه في الصغيرات وقتلو مانيش قابلهم واطلع وين تطلع ومشيت. لحقني للبيرو يتمسّح وما نقصدش وانا عندي بطاقة معاق، معاق؟!!! و كرني أبيض. صدقا بهتت.. بعد عرفت انه قريبه مدبرهالو. توة انت مدلس يعني متحيل وعامل هكاكة للبنيات؟!! الحاصيلو من غدوة جاو بحجاب عادي قبلتهم.

لقطة أخرى صارت مع عامل عنده إعاقة في السمع لكن الزور الي فيه يمشّي دولة على حالها، يتحيل على زملاؤه وما يخدمش جملة والفصعة يوميا، يدبر ستوب من قدام الكولاج ويطير لين مرة حصّلته ونبهت عليه وطلبت منه شهادة طبية ومطلب عطلة.. من غدوة اش عمل؟ جاب كوبة متاع باب اليمنيوم من نوع مضخم برشة قال لي جايبهالو نسيبه من المانيا وما يستحقلهاش، وماش يهديها للمدير ، أكيد دارو مضخمة. واحنا باب الادارة الخارجي كوبته عادمة، قتلو باهي ركبها للباب وبعد ايجاني للبيرو، ركّبها فيسع وجاء. مديت له مطلب عطلة معمر بمعطياته وقتلو صحح وبره جيب شهادة طبية بآمس واليوم هههه بعدها ركح مدة باهية . 

                                           ***

نجو توة لردود الأفعال على جرايمي :

كانك من جماعة الصحة بعدما عملو الفيزيتة للتلامذة رجعوا يراقبوا في المطعم ما لقاو حتى مخالفة، قلبوا الدنيا. شي، تعدوا للمبيت الي حليناه يلقوا كل شي متوفر ، ولاو كتبوا تقرير الي المطعم مخالف لشروط الصحة والمبيت غير صالح للاقامة.

أما جماعة البلدية فامتنعوا عن نقل الفضلات وبقات مكدسة يجي عشرة ايام وفي الاخر رصاتلهم نهار كامل ينقلوا فيها وما عادش يجوا يوميا بل مرتين في الاسبوع ..

 الخدامة حرشوا واحد منهم عمل عركة من الحيط على جدول يخدم بيه من اول العام ههه وفي الاخر كمل بيه هكاكة. عملة الحضاير حاول بعضهم خلق مشاكل وبعد ركحوا..

نحنا هكاكة وجاء نهار 28 فيفري2012 الساعة الثانية ليلا، راقد ميت بالتعب تقيمني زوجتي مفجوعة: “العساس يعيطلك طالع اش ثمة؟” والدار فوق مكتب المدير. حليت الشباك قال لي :“اجري، المبيت شعل والتلامذة محصورين” هبطت كيما انا نجري. ملي طليت نلقى النار لاهبة في المبيت والصغار تصيح ومحصورين في الدروج والباب مسكر عليهم من برة ببلوكيس قد كفي ما حبتش تتخلع.

وينو القيم ؟ جاوبني العساس: “سكر عليهم وروّح”، والمفتاح؟ عند القيم العام.. يا والله مصيبة !! نطلبو القيم العام ما يردش. الكوبة كاسحة والسلسلة غليظة والجراري لهبت وبدا الاختناق والمطعم تحت المبيت فيه دبابز الڤاز ونسمعو في لقش من السقف بدات تطيح .. وبدات الناس تهب عاري ولابس وانا والعساس ما خطينا ما عملنا.. المهم خلعنا الكوبة في الاخر وحلينا الباب

                                               ***

الصغيرات خرجناهم للقاعات، ووفرنالهم تغذية. البرد قارس. بقات أكبر مشكلة : ثلاثة تلامذة تحازوا لداخل فيهم الي ما نجمش يقوم.. ويظهر بطل من بين الحضور هو على ما أعتقد القيم سي وسام عاشور . ويندفع ويدخل للمبيت والدخان يعمي.. ويخرّج الاول ويزيد الثاني.. متضررين والنار خذات فيهم شوية. كي رجع للثالث بطى شوية ونسمعو في لطخة متاع لقشة من السقف.. الثالث كان في اخر المبيت ودوّخاته ريحة الجراري وهو راقد.. لحظات لا تردها، بانت دهر .. ويخرج البطل محمل الوليّد.. ما نتفكرش كيفاش بالضبط عشت اللحظة : مزيج من الوجع والغبطة في آن، لا توريهم لمن نحب ولا لمن نكره .

كانت قطع من اللحم تتساقط من يديه وبعض وجهه.. كدنا نشتم رائحة اللحم مشويا .. مشهد مرعب لا يزال محفورا في ذاكرتي وذاكرة أفراد أسرتي الذين التحقوا بي على عين المكان: زوجتي وابني ذو العشر سنوات وصغرونتي ذات الثلاث سنوات ونصف ..

***

 تتوسع العافية وتلهب بفعل الجراري الموس وتلتهم كل شي وتتحطم النوافذ ويتساقط السقف .. واحنا هكاكة مواطن داخل يعيط بصوت جهوري :” إلا المدير ما يمسو حد ، واحد يكلمه ما يلوم الا نفسه ” جاوبوه بعض ناس :” اتهنى من غير ما تقول ” . الموقف كاد يبكيني في تلك اللحظة لكن كان لازم نتماسك .. حلينا الكوجينة وخرجنا دبابز الڤاز .. ونطلب في السبيطار ما يهزش، مرة واثنين وثلاثة وعشرة باش هز ، غالبو النوم

– تفضل ، اش طالب

– خويا معاك مدير الكولاج . عنا حريقة وتلامذة مصابين. يسترك ابعثولنا امبيلانص

– الامبيلانص بلا شيفور . في كونجي .

– بربي تصرّفو

– نكلم المدير ونرجع لك

ونعاود نطلب بعد شوي

– وي خويا . اش عملت ؟

– قال لك اطلب الحماية. مهمتها هي. احنا ما نهزوش الحوادث

وعلق …

ممنوع عليّ نقل تلميذ مهما كانت الاصابة بسيطة. وعملتها. نقلتهم بكرهبتي للسبيطار بالواحد بالواحد وليكن ما يكون… وبديت نتابع بالتلفون باش ينقلوهم للقيروان ولبن عروس ..

الحماية وصلت الاربعة ونص متاع الصباح وبدات تطفي … أطفأت كل النيران الا تلك التي بداخلي ..

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار