تابعنا على

جور نار

خليفة ولد عمّي والانتخابات المحليّة… وحمار سعد زغلول! (1)

نشرت

في

Coloriage âne avec charge - Coloriages Gratuits à Imprimer ...

كنت قد أتممت لتوي ابتلاع آخر لقمة حلال من عشاء الأمس حين دقّ باب المنزل مدفع غير معلوم الهوية، قفزت مسرعا لا شعوريا فزعا من شدّة وقوة صوت الباب الخارجي، وكأني كريستيانو رونالدو حين ينتظر كرة أرض جو من مودريتش ليسكنها شباك أحد خصوم الريال…فتحت الباب وأنا في حالة رعب مما قد أجد خلفه، فلا شيء يُطمئن في عالمنا اليوم وأيامنا هذه…لم أجد أحدا خلف الباب نظرت يمنة لا شيء أيضا نظرت يسرة كذلك، قلت ما الحكاية هل ضربوا الباب فقط لإزعاجي…

محمد الأطرش
محمد الأطرش

فجأة ظهر من بعيد ومن خلف شجرة كبيرة اتخذت من زاوية النهج المحاذي لمنزلي مقرا لجذورها … أقول فجأة ظهر شبح شخص أعرفه جيدا من مشيته العرجاء وصرخت “هو انت خليفة وشبيك فجعتني تحب تكسر الباب والا اشنوة…كي عادتك جلف” ضحك واقترب منّي قائلا “هكّة ترحّب بولد عمّ مرت خالك يا عشيري؟؟” احتضنني خليفة وكأنه لم يرني منذ سنوات…وأعاد الاحتضان حتى خلت انه فقد أحد أفراد عائلته …واحسست بوجع في اضلعي…سألته ما الذي أتى به في هذه الساعة فقال “الانتخابات يا صاحبي الانتخابات” سألته وما دخلك أنت في الانتخابات المحليّة يا أحمق؟؟؟ قال ضاحكا “أنا من رشحوني لأكون خصما للكوني والشعلاء بنت خالة نسيبك الهادي ولد الأزرق…هما يِسَّمُوا براينية على العرش والعيلة” قلت متمتما “اتخذت”…خليفة مترشح محلي يا دين….( كلمة ممنوعة من النشر)…

 نظرت إليه قائلا ” وما الذي كنت تفعله خلف الكلتوسة يا بهيم؟؟” قال ضاحكا…” كنت نربط في عشيري وخوي الغالي في الشجرة” نظرت إليه مستغربا مزبهلا “البهيم…جبت البهيم يا بهيم…؟؟” قال: “أي جيت على البهيم هذاكه هو مستشاري وسندي في الانتخابات يا بهيم” رفعت يدي كنت أريد ضربه فقال “عشيري راك عشيري راني نفدلك…”..سألته “وينها الباشية (نسبة الى المغفور لها الــ404 بيجو التي كان يمتلكها) اللي عندك…ووينها الموبيلات الحمراء…شبيك جيت على البهيم في ها الصڨع؟؟” ضحك وقال :” الباشية غفر الله لها بعتها كي عرست للطفل …والموبيلات بعتها باش نكمل نخلّص ديون عرس الطفل…قعدلي البهيم سخفني ما بعتاش هاني نسركل بيه ونخمم نشريله كرّيطة عائلية على الأقل خير من فلوس التاكسيات والنقل الريفي…” نظرت إليه وقلت:” ربي يطول عشرتكم حتى البهيم بصراحة راجل وسيد الرجال هاك لقيته وقت الحاجة…”

اقترب منّي وقال “هاك دخّل هالقضيات بحذا الحاجة الداخل خير ما يشوفونا الناس يقولوش جايبله رشوة انتخابات؟؟؟” استغربت قوله فقلت: “شنوة القضيات وانا اش ناقصني يا خليفة …تي هاك كي البهيم اللي عندك مسطّك تخمم كان في خرابها لوكان يهدّوا علينا يقولولنا فساد مالي وانتخابي”…ضحك ودخل خلفي إلى المنزل وهو يصيح “وينك يا بنت عمّي هاني طلّيت تمشيش تقولي كبر وولى مسهول معادش يطل…؟؟” خرجت الحاجة (زوجتي طبعا) وهي في الحقيقة لم تزر بيت الله حجّا بل زارته عمرة فقط لكن خليفة وكأني به حفظ عن ظهر قلب مصطلحات الترشح للانتخابات والكذب على ذقون الناخبين وهرسلتهم بالخداع والكلام المعسول…

أقول خرجت الحاجة وأطلقت على خليفة وابلا من الدعاء في شكل قصف عشوائي ورشقات كتلك التي يرسلها الغزاويون إلى بعض مدن الشمال الفلسطيني…”برّة ان شاء الله تولي نائب محلي…برّة ان شاء الله تدڨدڨ الكوني …وتفتفت الشعلاء…برّه انشاء الله تولي رئيس…” هنا قاطعها خليفة بأعلى صوته “لا لا يا حاجة اسحبيها ترصيليش في بوفردة الليلة…لا اوخيتي لا رئيس لا وزير…حدني حدّ الحومة…بربي اسحبيها…” نظرت اليه مستغربة ورفعت صوتها الى السماء وقالت ” يا الله اسحب الدعاء السابق لا تأخذه بعين الاعتبار يا جبّار…ما تقيداش في كتابك يا الله…واعتذر عن الاطالة…اللهم يا رب السماء ابعد عن خليفة الكوني والشعلاء…وخليه نائب محلي على بهيم…ويا ربي اسعد خليفة وبهيم خليفة واعطيهم صحة من حديد لا تتقطع لا تبيد”.

وكأني بالحمار أو البهيم كما نسميه نحن في الجنوب استمع إلى الحاجة واستمتع بوابلها وقصفها العشوائي من الدعاء الناسف، فنهق نهقتين مفاخرا براكبه وعشيره خليفة…التفتت الحاجة إلى القفّة وسألت خليفة :”اش جبت يا خلفون…التحفون…” نظرت اليها ضاحكا مستغربا مما قالته… وتمتمت “التحفون…هههه تحفون الكازي…مغبون يمكن اما خلفون وتحفون يا ذنوبي..” وكأني بخليفة استمع إلى ما تمتمته فقال” اش تقول يا شعب…” قلت: ” شعب ماذا تقصد؟؟” قال : “نعم أنت الشعب الذي سيجعل منّي أول نائب محلّي في دشرة أولاد المحتحت …ما خيرلك أنا والا الكوني والا الشعلاء البايرة ؟؟” نظرت إليه وقلت” “جاوب الحاجة سألاتك على شنوة في الزنبيل اللي جبته…تحكيلي على شعب تي هي العمادة الكل فيها 254 ناخب؟؟” فقال ملتفتا إلى الحاجة” جبتلك من كل زوجين اثنين…ايه شدّ عندك يا حجحوجة…”

قاطعتهم وقلت “اشنوة ولت تربيج يا بهيم…” ضحك وقال” إكراهات الانتخابات يا صاحبي…” قلت: “اوكي …أوكي…” نظرت إليه الحاجة وقالت: “اش تقصد من كل زوجين اثنين يا صاحب الحمار…” ضحك وقال لها: “صاحب الحمار؟…اشنوة يا حاجة بديت بالأسلحة المحرمة عائليا…يا للة جبتلك زوز كيلو سكر…وزوز ايترات زيت زيتونة…وزوز ايترات زيت الحكومة…وزوز كيلو روز….وزوز كيلو فارينة…وزوز باكوات قهوة…وستيكة حليب…” قفزت الحاجة وكأنها بنت العشرين أو نادية كومانتشي في زمانها وقالت “جو باش نقسم مع اختى عندها عام ما ذاقتش زيت الحكومة وستة شهور ما راتش عينها باكو فارينة وشهرين تلوج على باكو قهوة ومن قبل ما يستالد فتحي وهي تستنى في ستيكة حليب من عمّ الصادق الحوانتي…” قلت في خاطري “اش قعد من وديدة خليفة سيدي النائب المحلّي..”…

أخذت الحاجة ما جاد به ظهر حمار خليفة وزنبيله وعادت لتستمع إلى ما سيقوله “خلفون” في أمر الانتخابات وماذا يريد منّا نحن بالذات…بدأ خليفة في تعداد الناخبين حسب قائمة خرج مسرعا إلى البهيم وأخرجها من تحت بردعته المزركشة باللون الانتخابي لخليفة…وبدأ في الحديث: “يا صاحبي نحبك تتلهالي بالرجال والشباب في العمادة هاهي القائمة نقصوا منها 75 حرقوا في الصيف اللي فات…و12 غرقوا في البحر …وانت يا حاجة نحبك تعملي حملة انتخابية في النساء ما تنسيسش النساء اللي حرقت واللي ماتت واللي كبرت معادش تنجم تقوم… ونحبك تقوم بفضّ النزاع بيني وبين أولاد عمّك الصحبي على هاك الزيتونة اللي قيدتها في ملكي هاك العام”

 نظرت الى خليفة نائب المستقبل وقلت بعد قراءة القائمة أظنّ ان عدد الناخبين المسجلين لن يتجاوز المائة ناخب …أمورك فسفس لا باس ما تطلع كان انت تهنى…الشعلاء مستحيل …والكوني صعيب متعارك مع انسابه، وانسابه أغلبية في العمادة ويحبوك انت…ونظن اللي انت هزيتلهم زنبيل باهي كيف اللي جبته لي انا والحاجة” نظر إلي خليفة وقال مبتسما: “طمنتني يطمنك ربي…ونوعدكم هاهو بحذا الحاجة وليلة سبت اللي انا باش ناقف في وجه الفساد…والاحتكار …ومعادش نقبل الحكم مدى الحياة…باش نفرض التداول على السلطة…ونرسخ أسس الديمقراطية…وتولي الفارينة موجودة…والسكر في كل دار…والقهوة في كل كوجينة…والزيت عشرة ايترات كل مواطن في العمادة…ونوعدكم باش نساند القضية الفلسطينية وباش نعمّل عليك في بيان للراي العام ولشعبنا في العمادة ..وموش ناسي يلزم ندعموا كل برنامج اممي للحدّ من انبعاث الغازات حفاظا على طبقة الأوزون …وزادة الحدّ من أسلحة الدُمَّار الشامل…”

قلت ضاحكا: “الدَمَار الشامل الدال بالفتحة يا حمار…بيان شنهو اللي تحكي عليه؟؟؟” قال:” بيان استنكار واستهجان واحتجاج وتنديد” ضحكت وقلت “زيد قلي تحرك حاملات الطائرات متاعك…يا بهيم…عندك كان ضراطك وضراط البهيم متاعك مع احترامي للبهيم…” نظر إلي وقال: “حرام عليك الاحترام كان للبهيم…” هنا وصل الى مسمعي نهيق الحمار وكأنه سمع ما قلته عنه فنهق مفاخرا بما سمعه…هنا تدخلت الحاجة وسألت خليفة عن سرّ حملته الانتخابية على ظهر البهيم وتقصد الحمار …نظر إليها خليفة وقال: “الا تعلمين يا حاجة…وسأكلمك بالعربية التي يتميّز بها صاحبي زوجك هذا ويقصدني أنا طبعا…ألا تعلمين ان سعد زغلول رحمه الله الزعيم المصري ورئيس وزراء مصر في بداية القرن الماضي، كان يركب الحمار حين يعود إلى مزرعته في قرية مسجد وصيف…ألا تعلمين يا حاجة…وأضيف ألا تعلمين بالأبيات التي نظمها الشاعر أحمد أبو النجاة يصف فيها الحمار الذي ركبه سعد زغلول:  

حمارُ الزعيم زعيمُ الحميرْ .. على عَرْش مُلْكِ الحميرِ أميرْ
لِـجَـامٌ مـن الـعِـزّ في فَـكِّـهِ .. إِكَـافٌ على ظهره مـن حـريرْ
تَ
ـخِـرُّ الــبِـغَـالُ له سُـجَّـدًا .. وتحـسُـدُه الـخَـيْـلُ عند الـمَسيرْ

وقفت مذهولا في حالة ازبهلال قصوى مما سمعته من خليفة…وقلت له مفاخرا: “أنا اليوم مطمئن على هذا الحي وهذه العمادة …فأنا أمام نائب سيكتب اسمه في تاريخ البلاد وسيخدم العباد كل العباد…وخرجت مسرعا إلى الحمار واحتضنته أريد تهنئته بفوز راكبه “خلفون” بالانتخابات المحلية الأولى …فهنيئا لنا بخليفة…وحمار خليفة…وطلبت من الحاجة “زغروطة يا حاجة…” فأجابت: “للبهيم والا لخليفة؟…” قلت: “للزوز…للزوز…” فقد وعد خليفة أن ظهر حماره على ذمة كل سكان العمادة إن لم يجدوا وسيلة نقل… عاش خليفة ولد عمي…وعاش بهيم خليفة ولد عمّي…ونظرت إلى سيدي النائب وسألته: “بالله عليك كيف علمت بحكاية سعد زغلول وحماره…؟؟” نظر إلي وقال: “في مجلة اللطائف وبالذات في عددها الصادر يوم 21 أفريل عام 1954 التي أخذتها منك منذ شهر لأقرأ بعض ما جاء فيها تطفلا…” فقلت “نعم التطفّل…يا صاحب البهيم..”…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار