ذكّرني موقف بعض المثقفين التونسيين من الإقبال المكثف للقرّاء على كتب ياسمينة خضرا والطوابير الطويلة لتونسيين من كل الأعمار لملاقاته والتحدّث إليه والحصول على توقيع شخصي منه…ذكّرني سخطهم عليه ورميه بكل الألقاب المُشينة والمُقزّمة، بتعبير احتفظت به للمفكّر المصري الشهيد فرج فودة عندما قدِم إلى تونس في نهاية الثمانينات، قال في إحدى محاضراته “كان الشارع المصري مزهوّا بأغنية محمد عبد الوهاب “من غير ليه” التي يقول مطلعُها :
جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين ايه
مشاوير مرسومه لخطاوينا نمشيها في غربة ليالينا…
منصف الخميري
لم يرُقْ للمتزمّتين ومروّجي الأناشيد الباكية الناحبة أن يفرح الشعب المصري بأغنية عذبة فيها سؤال فلسفي طرحته الإنسانية منذ الأزل، فكفّروا صاحبها ومؤلّفها (مرسي جميل عزيز) معتبرين أن كلماتها تُشكّك في إرادة الذات الإلهية العليا وأن الشك ليس أول مراتب اليقين كما يدّعون” ثم أنهى ملاحظته بالمزحة التالية : “من الأجدر بهؤلاء أن يسارعوا إلى تأسيس حزب النّكَدْ والكمَدْ”.
قرأتُ في الآونة الأخيرة تعاليق لأم زياد وآمنة الرميلي وسلوى الشرفي وعصام المرزوقي ورافع الطبيب وعدة أسماء أخرى تشترك في اعتبار أن أدب ياسمينة خضرا ليس فيه ما يبرّر كل الوله والافتتان به لدى قطاع واسع من التونسيين المهتمّين بالكِتاب.
على سبيل المثال، تقول الرميلي على صفحتها: “انا ما قريتش لياسمينة خضرا حتى حرف رغم ولعي المرضي بالقراءة… زعمة ناقصتني حاجة ؟ تجيبها نزيهة رجيبة: “أنا قريت شوية ونهنّيك… ما ناقصك شي”. أما سلوى الشرفي فترد عليها مُثنّية: “ربحت وقتك وأعصابك…”، وهذا السيد رافع الطبيب يقول هو الآخر : “قد يُصدم البعض، لكن المنتحل لتسمية “ياسمينة خضراء” لا يمثل قمة أدبية ولا استثناء عبقريا كما قدمه بعض “صحافيي” المشهد الإعلامي الرديء في تونس… هذا المؤلف من صناعة الآلة الإعلامية الفرنسية…” إلى نهاية معزوفة التنكيد والتغريد.
صُدمت شخصيا بمثل هذه التعليقات الموغلة في السلبيّة لأنها لا فقط تعتدي على قامة أدبية وثقافية عالية بشهادة كل لغات العالم التي تُرجمت نحوها كتبها (أقول هذا في غير ترديد ساذج لما يقوله الناس وإنما بناءً على الانطباعات الشخصية التي حصلت لي بعد قراءة أغلب كُتبه) بل وتعتدي كذلك على عشرات الآلاف من القرّاء التونسيين الذين استعادوا علاقتهم بالكتاب والذين اقتلعهم ياسمينة خضرا اقتلاعا من أمام شاشات هواتفهم الكسولة.
أليس هذا مصدر فخر وفرح واطمئنان على أنه لدينا في تونس جمهور واسع جدا من القرّاء ؟ أليس هذا مصدر اعتزاز أن يكون لدينا أديب من أبناء جِلدتنا وأبناء حدودنا ولغتنا وثقافتنا يُجيد اللغة الفرنسية التي تعلّمها وأتقنها وسط مناخ من العرق والدموع ؟ وهل باستطاعة فرنسا – التي يلقى في مؤسساتها وسياسييها معاداة واستهدافا أعتى من أي مكان آخر في العالم – أن تصنع أدباء لديهم كل هذه القدرة على الإبداع والتخيّل وتطويع اللغة والثقة بالنفس والشغف والثقافة الموسوعية…هكذا بمجرد قرار إداري بغيض ؟ !
وكيف لإنسان يدّعي انه مثقف وله كتب ومؤلفات أن يجرؤ على الاعتراف بأنه لم يقرأ كتابا واحدا لياسمينة خضرا ورغم ذلك يسمح لنفسه بالتنمّر عليه والسعي إلى تحقير إنتاجه والتقليل من شأنه ؟ ألا يذكّركم هذا بالجملة الشهيرة التي قيلت في كتاب الطاهر الحداد “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” (هذه دفعة على الحساب ريثما أقرأ الكتاب) ؟
سأحاول الإجابة عن كل هذه التساؤلات من خلال بعض العناصر التالية :
المطالعة حصن حصين ضد التطرف والانغلاق
أن يُغرم الشباب بالقراءة، مهما كانت مشاربها، هو أمر محمود في حدّ ذاته ويجب التشجيع عليه وسنّ البرامج الوطنية للارتقاء به، لأن الجهل والأمية وتسطيح الوعي ونبذ الكتاب وغياب المسافة النقدية عن السائد سياسيا ودينيا ومجتمعيا هي البذور الممتازة والمنتقاة بعناية التي تزرعها الإيديولوجيات المنغلقة والعنيفة في المجتمعات التي تروم السيطرة عليها وتدجينها، وأن الإنسان لا يتحرر حقيقة إلا متى أفلت من قبضة المشعوذين والمتهوّلين والدجّالين والأدعياء بمختلف صنوفهم.
ياسمينة خضرا لم يسرق مجده ولم تصنعه الآلات الإعلامية المشبوهة كما يدّعون
هذا الرّوائي لمن لا يعرف أو لمن لا يريد أن يعرف وُلد من رحم الفقر والمعاناة وتربّى تحت السّياط العسكرية وهو ما يزال طفلا، سُرقت منه طفولته وكان مُقاوما (بمعنى résilient) شرسا لأنه عرف كيف يتغلّب على كل ما كان سيكسِرُهُ، أو في أحسن الأحوال كل ما كان سيُرديه ضابطا عسكريا يستثمر انخراط والده في المقاومة وبلوغه – هو- أعلى الرّتب العسكرية ليتمعّش ويستكرش وينتعش ماديا. بالإضافة إلى ذلك، الكتابة عمل شاقّ ومُضنٍ وهو “منيتكبّد أرق الليالي ومَوْجات الصُّداع جرّاء التفكير وذُعر الأيام اللاحقة” كما يقول في إحدى تدويناته. فطبيعي جدا، في ظل هذا الشغف الذي يسكنه والذي يجعله يكتب ويفسخ ويُعدّل ويحسّن ويدبّج ويصوّب ويشكّ وتخذله الكلمات… يوميا من الساعة العاشرة صباحا إلى ساعات متأخرة من الليل، أن يجد طريقه إلى التميّز والتألق وترويض ملاك الإبداع الذي حطّ به في أركان الكوكب الأربعة.
اللغة الفرنسية هي لغة إنسانية لا تلينُ لكل من هبّ ودبّ
قرأت لأحدهم يقول “لست أدري ما اللافت في أدب ياسمينة خضرا …الإعلام يُلمّع صورته … وهو فرنكوفوني ) ! هو لا يدري ما اللافت…؟ هذا الحكم يفترض أن صاحبنا هذا اطلع على نصف كتب ياسمينة خضرا على الأقل فلم يجد ما هو لافت حقا في مؤلفاته والحال أنه لم يقرأ ولو كتابا واحدا لهذا الروائي. ويستشهد هؤلاء بالروائي الجزائري الآخر واسيني الأعرج المختص في اللغة الفرنسية “لكنه تخلى عنها وأصبح أديبا يكتب باللغة العربية” ! فاللغة هنا أضحت هدفا في حدّ ذاتها وكأن الأثر الأدبي والفني يُقيّم من خلال الرموز التي يُكتب بها لا من خلال جودته وعمق المشاعر التي تؤثّثه ومعانقة أنبل المعاني التي يدافع عنها. وإذا سحبنا هذا المنطق الأقرب إلى “اللّغو” على الرسم والموسيقى والنحت والصورة الفوتوغرافية … هل يكون للألوان عنوان انتماء عِرقي غير تناسقها وعمق الأحاسيس المنبثقة منها ؟ وهل يكون للنوتة الموسيقية هوية غير قدرتها على هزّ مشاعر الناس ؟ وهل يمكن للصورة أن تدّعي انتسابا غير ما تعكسه من نَقْل مرهف للواقع أو صدق نظرات …أو ما تُوثّقه من لحظات فارقة في التاريخ ؟
ياسمينة خضرا في كلمة واحدة: عرف كيف يركب جواد اللغة الفرنسية وغزا بواسطتها العالم كأديب جزائري عربي لحما ودما وقلبا وفؤادا ومُهجة ومبادئ. واللغة – مهما كانت- لا تُذعن إلا لمن يُجلّها ويدلّلها ويُلاعبها ويبني مع مفرداتها علاقة مؤسّسة على حسن المعاشرة وعمق الإصغاء.
الباكالوريا التونسية أسهمت في انتشار ياسمينة خضرا
إن برمجة نصوص لياسمينة خضرا في مناسبتين أو ثلاث ضمن امتحان الباكالوريا التونسية (ويصحّ الأمر كذلك مع الكاتب اللبناني أمين معلوف) جعل عددا كبيرا من التلاميذ والأساتذة يطّلعون على قيمة هذا الأثر الانساني ومستلذّات اللغة التي كُتب فيها. وأثير هذه المسألة لأن لجان اختيار مواضيع الباكالوريا ومراجعتها وتثبيتها تُدرك جيدا تبِعات أي اختيار غير مدروس كأن يكون صاحب النص له ميولات عنصرية أو يكون ما يروّج له يتعارض مع القيم الانسانية عموما. وتكفيني شخصيا هذه الضمانة لأقول ان ياسمينة خضرا فوق الشبهات الزائفة وأرفع من المهاترات والمعارك التي تمتنع بجُبن عن قول حقيقة محرّكاتها.
أقول في النهاية أنني أخشى من أن هؤلاء “المُنكّدين” كما قال فرج فودة لا يزعجهم في الواقع مستوى أدب ياسمينة خضرا، بل يزعجهم نجاحه وعالميّته ووصوله إلى قلوب الملايين عبر كل أنحاء العالم. كما أخشى أن يكون وراء اعتراضهم هذا حقيقة أن الكتب التي ألّفوها لا تتجاوز مبيعاتها بعض العشرات من النسخ… وهو وضع لا يتحمّل فيه كاتبنا أية مسؤولية.
قال خضرا مؤخرا وهو يغادر بلادنا “في تونس، التقيتُ بأساتذة مُخلصين وتلاميذ وطلبة يُعلنون بعدُ ملامح تونس العظيمة التي سيُشرق فجرها غدا” (بتصرف).
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.