تنبيه أوّلي: من تُرهقه القراءة، بإمكانه المرور مباشرة إلى مشاهدة الحوار كاملا على الفيديو آخر النص، ففيه متعة وامتلاء.
سأحاول في هذه الورقة تلخيص حوار شيّق وبنّاء ومؤثّر أُجري السنة الماضية مع البروفيسّور الجزائري لطفي بُوبْلاطة المختص في جراحة قاعدة المخ والأعصاب (رئيس قسم جراحة الأعصاب بقسنطينة) بثّته قناة البلاد الجزائريّة ويدوم حوالي ساعة كاملة أتى فيها على منشئه والعوامل الحاسمة في مسيرته وعلاقته بالمرضى وبالوطن وبهجرة الأدمغة.
منصف الخميري
وإن التنويه بكفاءة طبية جزائرية شقيقة لا يُنقِص شيئا من قيمة جرّاحين تونسيين على مستوى عال وعالمي من الكفاءة أمثال الدكاترة الأجلاّء عبد الكريم بالطيّب ومنصف الخالدي (رحمهما الله) ومنذر يدعس وحافظ الجمل (لهما موفور السعادة وطول العمر)… وعديدون آخرون لا أعرف أسماءهم، لكن تقصير الإعلام التونسي في حقّ هؤلاء والتعتيم على مُنجزاتهم وعدم إتاحة الفرصة أمامهم للتحدّث إلى ملايين المشاهدين من ناحية، وطبيعة الحوار الذي دار مع بوبْلاطة وتشديده على البعد الوطني والإنساني في عمله من ناحية أخرى جعلاني أتأثّر كمشاهد بهذا الرجل وأحاول أن أسهم في التعريف به واستخلاص الدروس من تجربته.
أهم لحظات الحوار
أنا من مدينة سوق أهراس، القاعدة الشرقية للمقاومة الجزائرية ومدينة القدّيس أغسطس، مدينة أعطت الكثير من المجاهدين والشهداء، بلاد رجل المسرح مصطفى كاتب (إبن عم كاتب ياسين) ووردة الجزائرية ومحمد الشريف مساعدية (إضافتي: مدينة سوق أهراس لا تبعد أكثر من 100 كلم عن مدينتي الكاف وجندوبة على الحدود الغربية، لذلك يقول أثناء الحوار “جيت مالحدود متاع تونس”)، لي 7 إخوة ووالدي كان معلّما وساعدنا كثيرا هو ووالدتي المقرّبة منا جدا كأنها صديقة لا أمّ فحسب، على النجاح في دراستنا. والدي “دارْ الخير” في أولاد الناس، لذلك ربّي دارْ الخير في أولادو !
نعم، كنت من المتفوّقين في دراستي إلى غاية الباكالوريا ولم أفكر يوما في حياتي أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة الطبّ… كنت أحلم دائما بأن أصبح طيّارا حربيّا. معدلي الحسابي بين الفيزياء والرياضيات والعلوم الطبيعية كان حوالي 18 لكنني لم أرغب مطلقا في دراسة الطب. ذهبتُ إلى عنّابة مع مجموعة من الأقران وأعلمونا هناك بأن كل الذين تحصلوا على معدّلات أرفع من 16/20 يُمكَّنون آليا من اختيارهم الأول. واكتشفت حينها أن طريق الوصول إلى مهنة الطيار الحربي عملية معقّدة جدا وتستوجب المرور بالمؤسسة العسكرية… وبحكم أن أغلب أصدقائي قاموا بتعمير شعبة الطب، فقد اخترت الطب…هكذا بدون اقتناع كبير…ومن هنا بدأت المغامرة.
درست السنوات السبع الأولى في عنّابة، وأذكر أنني تحصلت في الثلاثي الأول على معدل 10.58، وهو أدنى معدّل تحصلت عليه في حياتي. صُدمت كثيرا فحزمت حقيبتي وعدت إلى عائلتي مُعلنا أنني قررت التخلي عن دراسة الطب التي لم أحلم بها يوما بل بدراسة الطيران. في هذه اللحظة الفاصلة من حياتي، يتدخّل أستاذي “سي العوّادي” الذي كان يدرّسنا مادة الفيزياء سنة الباكالوريا، طلب منّي أن أرافقه إلى بيته وأدخلني مكتبته التي وجدتُ بها كل الكتب والمراجع التي كنت أسمع بها في سنتي الأولى طب ولم أعثر عليها، حملتها معي واستثمرت وقتا طويلا في مراجعتها وعدت إلى عنابة لأتحصل على معدل 15 ثم 16 في الثلاثي الثاني والثالث.
أولا : في السنة الرابعة طب عندما بدأنا دراسة “الوحدات”، أول وحدة كانت الجراحة. ذات يوم كنت مُبكِّرا كعادتي، اعترضني مدير الوحدة وأنا أتمشّى في معبر المستشفى فنهرني صائحا وقال لي “تجوب المعابر، إذن تهيّأ لإعادة هذه الوحدة” (إلهي يا فتّاح يا رزّاق… أية عنجهية هذه ؟). في الأسبوع الموالي كان رئيس القسم بروفيسور شرحاوي يؤدي زيارة إلى القسم الذي أتدرّب به، فقمت بتقديم مريض عارضا حالته، أُعجب بي وقال لي “أنت مُعفى من إجراء الامتحان التطبيقي، عددك سيكون 16/20”. وكأنه بذلك يُحقّق نوعا من العدالة السماوية في تلك اللحظة…لأنني كنت صافيا وصادقا فأنصفني الله.
ثانيا : كان اعتنائي الكبير بالدروس النظرية عائقا أمام تعلّم “العلاجات التطبيقية” مثل الحقن وقيس ضغط الدم … فقصدت ممرضة وعرضت عليها الأمر، فقالت لي “حتى تتعلم ذلك لا بدّ من التّبكير” فسألتها “ماذا تقصدين بذلك” فقالت “أن تأتي على الساعة السادسة صباحا” ! في الغد وعلى تمام الساعة السادسة صباحا كنت بباب القسم الاستشفائي الذي تعمل به هذه الممرضة. وبقيتُ أنتظر هناك إلى غاية الساعة الثامنة. أتت الممرضة وفوجئتْ بوجودي هناك فانهمرت ضحكا وتبنّتني من يومها كأنني واحد من أبنائها لأتعلّم على مدى ثلاثة أشهر كل العمليات العلاجية وخدمات التمريض.
كنت مترددا بين جراحة المخ واختصاص الانعاش الذي أعتبره العمود الفقري للطب
استقبلني في هانوفر بألمانيا البروفيسور الإيراني- الألماني مجيد سميع وهو من القامات العالمية في هذا الاختصاص الطبي الجراحي الدقيق. كان تصوّر هذا الطبيب أن التدرب لديه لا يمكن أن يقلّ عن ستّة أشهر لأنه كانت لديه فكرة أن الجزائر لا تقاليد أو تجربة لها في المجال. سافرت الى هناك، لكنني تعلمت كل شيء في أسبوعين فقط لأن سميع مكّنني من الأرشيف المُصوّر الذي يتضمّن كل العمليات التي قام بها. ساعدني كثيرا هذا التربّص والتقنيات المُستخدمة هناك، حتى أنه ولما عدت إلى الجزائر، أجرينا 260 عملية جراحية مجهريّة على مرضى جزائريين وتوصلنا الى نفس النتائج تماما كما في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
4 أو 5 عمليات جراحية في الأسبوع، 250 عملية في السنة على امتداد 21 سنة أي ما يعدل 5000 تدخل جراحي إلى حدّ الآن.
كنت أكرّر أمام طلبتي ومساعديّ دائما أن جراحة المخ والأعصاب فيها سرّ ما، وهو نفس السرّ الذي تتأسّس عليه علاقتك بالمرأة بصفة عامة إن كانت أمك أو أختك أو زوجتك أو ابنتك، إذا حصل لديها الاقتناع التامّ بأنك تحبّها، فهي تعطيك كل شيء. يجب أن تكون علاقتك بالمرضى خاصة جدا بحيث يحدث أن تجد فريقك يبكي مريضا من شدّة الانفعال والحرص على حالته.
هل يحدث أن تبكي أمام حالة مريض ؟
“نعم، موش مرة موش زوج”. سأقول لك سرّا، لماذا لم نغادر البلاد نحو الخارج ؟ علاقتنا بالمرضى هي علاقة وطن وشعب واحد، عندما يأتيك شخص صحبة ابنه أو زوجته أو حتى هو بورم في المخ، هذا المواطن يكون أمامه أنت والله فقط.
لحظة تأثر قصوى يتوقّف بموجبها الحوار.
أمام هكذا وضع، أنت مضطر للبقاء بالجزائر وما عندك فين تروح. أنا أقول “لن تتميز إلا هنا في الجزائر وأتحدى أيّا كان يقول انه باستطاعته الذهاب الى الخارج ويكون بوسعه أن يفعل ما يريد”.
هل تعرف بأن الكفاءات والخبرات في العالم اليوم لم تعد بحاجة إلى إرسال سيرة ذاتية للحصول على مركز عمل في مؤسسة بحثية أو شغليّة ما، بل يكفي التنصيص على العنوان الالكتروني والاختصاص حتى يعرف العالم مباشرة قيمتك ومكانتك “آش تسْوى”، وذلك بواسطة مؤشر “ه” Le h index sur google scholar الذي يقيس أثر المنشورات العلمية لشخص معين ويأخذ بعين الاعتبار عددها ومدى تكرّر الاستشهاد بها كمراجع. وبناءً على هذا المؤشر، يمكنك أن تفاوض أجرك الذي لا يمكن أن يقلّ (في حالتي أنا على سبيل المثال) عن 25000 ألف يورو شهريا. إذن علاقتنا بالمرضى هي علاقة خاصة جدا كما ذكرت آنفا كأنها علاقتك بأمك أو ابنك.
وما هو موقع فلسطين من كل هذا ؟
أنا أمين عام جمعية جراحي الأعصاب لدول البحر الأبيض المتوسط، وفي هذه التسمية قصة كبيرة، لأننا فرضنا ألآ تكون فيديرالية تضم كل جمعيات المتوسط (بما فيها جمعية فلسطين المحتلة التي اسمها إسرائيل) بل أن تكون التمثيلية للأشخاص الجراحين (بأسمائهم الفرديّة) وليس للجمعيات بمسمّيات دولها. ليست لديّ شخصيا أية مشاكل مع اليهود كديانة ولكن عندما يتعلّق الأمر بإسرائيليين، لا يمكن أن لا نستحضر فلسطين.
لطفي بُوبْلاطة، من بين أفضل 10 جراحين في العالم في اختصاص جراحة قاعدة المخ والأعصاب
معي 4 مساعدين شباب في قسنطينة، لو تضعهم في أكبر مركز لجراحة المخ والأعصاب في العالم سيكونون جاهزين تماما للعمل بدون أية عُقد مقارنة بنظرائهم في دول أخرى.
لكن للأسف ليست لدينا أية محفزات غير الإصرار وهذه العلاقة الخاصة بالمريض. في مستشفياتنا، لا مكان للراحة، لا مكان للاستحمام، وأجرة الطبيب لا تكفي لأن تشتري هاتفا لائقا…
الطبيب حسب اعتقادي بحاجة إلى شيئين أساسيين اثنين : الاعتبار والكرامة. يجب أن يعيش بكرامة وأن يكون له اعتبار…فقط.
آخر سؤال : ماذا علّمت الحياة لطفي بوبلاطة ؟ (وهو عنوان البرنامج)
علّمتني الحياة أننا لا نستطيع العيش خارج الجزائر، نجاحنا هنا في الجزائر، مُحال ننجح خارج الجزائر، نطلب فقط تحسين ظروف العمل ولا نطلب شيئا آخر.
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)
هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”