تابعنا على

جور نار

عندما يتزامن احتفال اللباس التقليدي مع اليوم العالمي للرياضيات… يفوز الكبّوس وينتكس “السّينوس” !

نشرت

في

14 مارس هو اليوم العالمي للرياضيات، و 16 مارس اليوم الوطني للّباس التقليدي التونسي : حدثان مهمّان عشناهما خلال الفترة الأخيرة ولكن ليس بنفس النكهة ولا بنفس الرّوح وذات درجة الإقبال.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

ازدانت جميع ساحات مدارسنا خلال الأسبوع الماضي بجميع أنواع الحُليّ والجبّة والبرنوس والشاشيّة فوق الرؤوس والسّراويل المطرّزة والصدريّات المبرقشة في سياق الاحتفال باليوم الوطني للّباس التقليدي، وهو تقليد محمود لأنه يُعزّز الشعور بالانتماء ويُبرز عناصر بديعة في هويّتنا الوطنية وموروثنا الثقافي، ولكن عندما يتزامن الاحتفال واسع النطاق رسميا وإعلاميا ومدرسيّا بزينة المظهر وزخارف الملبس مع غياب مطلق وصمت مُطبق إزاء حدث جلل خصّص له المجتمع الدولي يوما عالميا وهو اليوم العالمي للرياضيات (وما أدراك ما الرياضيات) … يُصبح الأمر مدعاة للحيرة والتساؤل عمّا يجعل وزارة في حجم ومكانة ورمزيّة وزارة التربية في وجدان جميع التونسيين، لا تعير اهتماما لهذا الحدث الكوني وخاصة في تونس بالذات المُشرفة مدارسها على تطليق الرياضيات بالثلاث.

إن كان الأمر عفويا ومن قبيل السّهو، فعذرا حقا لأن البلدان لا يسيّرها العفويون والمزاجيون والانفعاليون، وإن كان التعتيم مقصودا فتلك مصيبة أكبر وأبشع.

أية قيمة للرياضيات ولماذا اليوم العالمي للرياضيات ؟

لا يمكن الاجتهاد في باب الوقوف على مكانة الرياضيات وأهميتها، لأن فوائدها ودورها في بناء العقل وتطوير جميع مجالات العلوم الأخرى أضحت من المسلّمات والحقائق العلمية البديهية التي أكّدها مسار الانسانية الطويل في اكتشاف ما به، تطوّر الطب والفلك والصناعة والفلاحة والملاحة وصولا إلى الحوْسبة والاتصالات والحروب الالكترونية والقذائف المسيّرة … والقدرة على كتابة نصوص أدبية وشعرية في نفس مستوى ما كتبه المتنبي وبودلير و”إدغار آلان بُو” بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي الجهنّمية الجديدة.

فالرياضيات تُدرّب على التفكير وحلّ المشاكل، والرياضيات تغذّي التفكير النقدي وتصقله أي تنمية القدرة على تطوير شكّ عقلاني يسمح بالتثبّت من أية معلومة، والتمييز بين ما هو خاطئ وما هو صحيح بناءً على برهنة موضوعية وعلمية دقيقة، والتدريب على التصرف في وضعيات مركّبة وإكساب القدرة على إجراء تحليل جيد قبل اتخاذ أي قرار أو القيام بأي ردّ فعل…

والرياضيات تسمح كذلك بتطوير المهارات المنطقية وإضفاء مرونة حيويّة على الخلايا الدماغيّة. كما تُفيد الرياضيات في حلّ عدد لا محدود من مشاكل الحياة اليومية، مثل إجراء الحسابات المالية والعمليات التجارية وتقييم هوامش الربح والخسارة وعمليات القيْس وإعداد الأطعمة حسب مقادير مدروسة، وأشغال الزراعة والنّجارة والحِدادة والبناء والتبليط وقيس الأراضي ومدّ الجسور وتوزيع المواريث…  فكلها أنشطة بشرية تستدعي منطقا وعقلا حاسِبًا وفق قواعد رياضية مضبوطة.

لماذا نبكي واقع الرياضيات في تونس ؟

لا يخفى على أحد اليوم التراجع المأساوي الذي يشهده واقع دراسة الرياضيات وتدريسها في تونس اليوم، خاصة في ضوء المؤشّرات التالية :

___الانكماش المُريع لشعبة الرياضيات كمسلك تخصّصي في التعليم الثانوي في كل المؤسسات التربوية دون استثناء، وبصفة خاصة في الجهات الداخلية التي ترتفع فيها نسبة المدرّسين غير المختصين والمدرّسين النوّاب والمعوّضين، والجهات التي لا تتوفّر فيها ظروفا موضوعية مُشجّعة على استقرار إطار التدريس وبالتالي تشكّل نواة صلبة ضامنة لعناصر جودة التكوين وبهجته (والنواة الصّلبة أو الكُتلة الحاسمة في الاقتصاد هي العتبة أو الحجم الذي معه تتحقق وفرة المردود والإنتاجية).

___المعاناة الحقيقية التي تواجهها مجالس الأقسام في نهاية كل سنة دراسية، من أجل إيجاد الحدّ الأدنى الذي يسمح ببناء قسم أو قسميْ رياضيات على أقصى تقدير في كل معهد، مما يؤدّي حتما إلى ضعف شديد في نسبة التوجيه خصوصا نحو شعبة الرياضيات ونحو الشعب العلميّة بصورة عامة.

___ثبوت العلاقة الطرديّة بين ضعف نسب التوجيه نحو الرياضيات والشعب العلمية بصورة عامة وبين نسب النجاح في الباكالوريا.  فكلما زادت نسبة المُقبلين على التوجيه نحو هذه الشعب زادت نسبة النجاح في الباكالوريا، وكلما تقلّصت (مقابل ارتفاع التوجيه نحو الآداب والاقتصاد) تدنّت نسب النجاح في الباكالوريا. (تذكر الأرقام سنويا في هذا السياق أن الجهات الأعلى ترتيبا في الباكالوريا هي الجهات الحائزة على أعلى نسب التوجيه في الرياضيات والشعب العلمية والعكس بالعكس).

___الالتحاق بالشعب الجامعية المُثمّنة اجتماعيا وشُغليّا مثل الطب والهندسة واختصاصات المحاسبة والمالية والتصرف (في مؤسسات أكاديمية بعينها) والاختصاصات حول الإعلامية وتطوير التطبيقات والبرمجة… أصبح حِكرا على جهات ومؤسسات تربوية معيّنة حيث تزدهر نسبيا شعبة الرياضيات. خاصة أن “سوق الدروس الخصوصية” تنتعش بشكل كبير جدا في الجهات التي يكون فيها مستوى العيش والقدرة على الاستثمار في دراسة الأبناء أكبر، مقارنة مع غير ها من الجهات.

___ترسّخ فكرة “غول الرياضيات المُخيف” في أوساطنا المدرسية لأن مناهج تدريسها مُنفّرة وملمح مدرّسيها بصفة عامة في خصومة أبديّة مع منهج التّيسير وإضفاء أبعاد لعبيّة وتطبيقية من الحياة اليومية… إضافة إلى أن مقياس الرياضيات مُعتمَد في منظومة توجيهنا المدرسي “العتيدة” في كل الشعب باستثناء الاداب… بمعنى أن التلميذ الذي يبلغ السنة الثانية من التعليم الثانوي بمؤهلات محدودة في الرياضيات توصد في وجهه كل الأبواب باستثناء واحد فقط… لا يؤدّي حقيقة إلى آفاق واعدة.  

ماذا كان بوسع وزارة التربية أن تفعل ؟

أقول بدءًا إنني لا أطالب وزارة التربية بأن تُطلق العنان لاحتفالات وفعاليّات فكرية وبحثيّة ودراسية (وترفيهيّة لِم لا ؟!) حول الحِساب والرياضيات تكون موجّهة إلى كل الأعمار وكل الفئات، في محاولة لنزع رداء الوحش عن مادّة من أمتع المواد وأذكاها لو نعرف كيف نقدّمها للناس وكيف نفكّ رموزها وكيف ننزع عنها قِناع الغلظة والقساوة … بل أطالبها فقط بأن تتوقّف ولو قليلا عند هذا الحدث الكوْني، وتُشعرنا بأن للتونسيين دولة تواكب نسق تطور العالم وتولي أهمية لما يحدّد اليوم درجة نموّ المجتمعات وما سيحدد مستقبلا المستوى الذي سيكون عليه رفاه الشعوب.

كان بوسع وزارة التربية :

أن توجّه تحيّة لمعلّمي الحِساب وأساتذة الرياضيات ومتفقّديها تُثني فيها على مجهوداتهم المبذولة في سبيل الذّود عن هذا الجواد المدرسي الأصيل والحفاظ عمّا تبقّى من جذوة مهدّدة بالانطفاء والاضمحلال النهائي، وتُلفت انتباههم فيها كذلك إلى المخاطر التي تتهدّد عرينهم بحكم مناخ النفور العام إزاء الرياضيات وتداعيات صورتها القاتمة على نفسية أبنائنا خاصة خلال فترة الامتحانات.

 وأن تُطلق خطة وطنية من أجل تجويد تدريس الرياضيات وإعادة الاعتبار لشعبة الرياضيات في تونس التي كانت تستوعب إلى حدّ وقت غير بعيد خُمُس الموجّهين في التعليم الثانوي (في حين لا تسجّل اليوم أكثر من ثُمُن أو عُشُر ما يُوجّه نحو الاداب أو الاقتصاد والتصرف في جهات كثيرة).

وأن تدعو متفقدي المادّة وأساتذتها ومُعلّميها إلى تنظيم ورشات جهوية وإقليمية ووطنية لتدارس معضلة الرياضيات، وتشخيص العوامل التي حوّلتها عبر السنين إلى حاجز مُعيق وسببا من أسباب الفشل والانقطاع المدرسيين.

وأن تُطلق شعارا وطنيّا على هذا اليوم العالمي يكون نابعا من خصوصياتنا المحلية ويتم الاشتغال عليه وتقديم المقترحات بخصوصه مثل (الفتيات والرياضيات) أو (الرياضيات والعلوم التجريبية : هل يمكن إدماجهما؟) أو كذلك (الرياضيات في شعبة الاقتصاد أية أهمية؟) أو الرياضيات عند العرب القُدامى، الخ…

وأن يتمّ تنظيم أولمبياد وطنية للرياضيات تُرصد لها جوائز مُحفّزة بشكل حقيقي لا تستهدف التلاميذ “النوابغ” في الرياضيات فحسب، بل خاصة أولئك التلاميذ الذين يُبدون نفورا وتوجّسا وخوفا تجاه هذه المادّة.

ملاحظة أخيرة : يتّفق عديد الدّارسين حول العالم أن دراسة الرياضيات تكون أنفع وذات مساهمة أكبر في بناء شخصية متوازنة ورياديّة للتلميذ والطالب عندما تقترن بدراسة الفنون و/أو الرياضة… لأن ذلك يجعله يكتشف أبعادا أخرى لم يكن ليعرفها لو ظل حبيسا في عالم العلامات والرموز المجرّدة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار