يبدو أن التحوّلات العميقة الحاصلة اليوم في العالم على مستوى مَلْمَح المهن الجديدة ومناخات الرّقمنة المُعمّمة وأنماط العمل المستحدثة وأنواع المهارات المطلوبة، واستفاقة الانسانية على اكتشاف مكوّنات منسيّة من الذكاء المُخلِّصِ من سَطْوة نموذج الذكاء المدرسي التقليدي، والمُحرِّر من النمذجة القاتلة للبراعم والأجِنّة أحيانا … يبدو أن هذه النُّقلة الحديثة الجارية حاليا هي الآن بصدد نحت ملامح تلميذ المستقبل، وخاصة بلورة تعريف جديد لمفهوم التلميذ المتميز والقادر على اقتحام أبواب المستقبل بأكثر يُسرا وبناء مسار واعد بصورة ذاتية.
منصف الخميري
قد تسمح لي بعض التجربة في علاقة بمدرستنا وجامعاتنا التونسية وبالدراسة والعمل بالخارج بالوقوف على بعض الاستنتاجات، وقد تُتيح لي بعض الأمثلة الحية التي عايشتها الوقوف على واقع متفوّقين درسوا في أكبر الجامعات العالمية وعادوا إلى تونس مُنهَكين نفسيا ودراسيا، ومتوسّطين صمدوا وقاوموا وتدبّروا وثابروا وكان لهم ما يريدون وأحيانا أكثر مما يريدون … قد يسمح لي كل ذلك بوضع تصوّر ولو بصفة سريعة وعامة لمن هوّ التلميذ المتميز مستقبلا في ضوء التحولات المذكورة آنفا :
التلميذ الواعد أوّلا هو التلميذ النّاجي من الابتدائي
لم يعُد سرّا أو مجرّد تخمين كون الطفل يتشكل جزء كبير من شخصيته والنواة الصلبة لديه وتنمو بذور ما سيصبح إمكانيات ومهارات وقدرات فيما بعد… خلال المرحلة التحضيرية (إن وُجدت) والمرحلة الابتدائية. والمطلوب اليوم أصبح عبور الطفل لهذه المرحلة بأخف الأضرار والتشوّهات إن لم تتوفّر البيئة التربوية التي نما فيها (مستوى كفاءة المعلّمين ومضامين البرامج والمناهج الدراسية وجودة الحياة المدرسية…) على ما يجعل سبع سنوات بِكْر ، طبقة سميكة من الفِطنة والشّغف والنّباهة.
التلميذ الألمعي ثانيا هو تلميذ ماسك بناصية التكنولوجيا ولكن ليس سجينا لها
اللوحات الرقمية والحواسيب المتطوّرة والهواتف نافذة الذكاء تُستعمل وسط كثير من العائلات كأدوات إلهاء أو كوسائل إشباع عاطفي أو كذلك كمُحفّزات محفوفة بخطر الإدمان الأبله، ونادرا ما يتمّ توظيفها لتعزيز المناعة الذهنية واكتساب القدرة على تخصيب العقل وحسن استعمال مكنوناته الجبّارة.
التلميذ المتميّز ثالثا هو تلميذ يُطالع كما يأكل
هذا النموذج من التلاميذ يُطالع بنهم وشغف كبيرين ليصبح باحثا عن كتابِه بعيدا عن دفع والديْه وإلحاحهما، لأن القراءة كما يؤكده خبراء العلوم العصبية “تساعد على مقاومة تهرّم القدرات الذهنية وتُنمّي الذاكرة وتُعزّز روح التعاطف والغيْريّة” علاوة على أنها ترتقي بالقدرات التخيُّليّة، وتسمح كذلك بتحقيق هُدنة واسترخاء ضروريّين في زحمة يوم كامل من القصف المركّز الذي تمارسه ملايين المواقع الالكترونية والصفحات المتخصصة في قنص انتباه المتفرّج الرّقمي والتطبيقات المُدجّجة بالكمائن المشهديّة المُغرية.
والمطالعة حسب تجربتي الشخصية، خاصة عندما تكون مُركّزة ومنتبهة لتفاصيل ما يُقال (لا فقط صورا وخيالات لتمضية الوقت) ترفع من منسوب اللغة التي يتملّكها الفرد (كمّا ونوعا) وتُدرّبه على أن يكون مزهوّا حدّ الانتشاء تحت تأثير لغة مُطرّزة ونفائس بلاغيّة قُدّت من ذكاء كبار المُفكّرين وعبقريّتهم… وكل ذلك دون منشّطات خارجية مُدمّرة، والمطالعة أيضا كاسِرة لضيق الأفق وكاسحة لجميع أنواع الحدود التي تفرضها اللغة والدّين والثقافة والجمارك.
التلميذ المُستقبلي رابعا هو تلميذ اتصالي
هو تلميذ لا فقط يُتقن العدّ والقراءة والكتابة بل كذلك يُجيد الكلام ويُحسن الحديث. (انتبهوا قليلا إلى انسيابيّة الحديث لدى تلميذ الـ 15 سنة في تونس مع نظيره الألماني، أو السويدي وستكتشفون أن الطفل أو الشاب التونسي يُجيب عادة بمقاطع لغوية مبتورة مثل “لاباس مريقل” أو “سافا سلّكتها” أو “نحب كيف نكبر نعمل مشروع والا حْكاية” … بينما يقدر نظيره على تأليف جُمل واضحة المعنى والتركيب إلى حدّ كبير كأن يقول “أعتقد أن شباب اليوم يقرأ أقل من جيل الآباء والأمهات ولكن خاصة جيلي أنا يقرأ أقل من أجل المتعة الخالصة” (هذه شهادة واقعية لشاب فرنسي عمره 16 سنة). المهارة الاتصالية كتابة وكلاما شفويا جواز ثمين عابر للقارات دون تأشيرات بائدة وسلاح فعّال أثناء حوارات الانتداب التي يُديرها كبار المختصين في صيد الكفاءات وتخيّر أفضل الموارد البشرية.
التلميذ النّاجح خامسا هو تلميذ مستقلّ بعد عتبة عمريّة معيّنة
أذكر أن صاحب أفضل معدل في باكالوريا إعلامية في جهة من جهات بلادي خلال السنة قبل الماضية تحدثت إليه وكم صدمني عندما أكّد لي أن الكوفيد والدراسة بنظام الأفواج وبعض الضّجر من مضامين بعض المواد وطريقة تدريسها، جعلته لا يحضر سوى ثلاث حصص بالمعهد الذي درس به طيلة سنة دراسية كاملة. مستقلّ هنا بمعنى تلميذ مسؤول، يتدبّر أوقات المراجعة دون ضغط أو ملاحقة ويتخلص بتعقّل من سلطة الأستاذ كمصدر أوحد للمعرفة ويتعلم بصورة ذاتية (37 مليون متعلّم بصفة حرّة في منصّة “كورسيرا” الأمريكية بمساهمة 150 جامعة عبر العالم في 2018).
التلميذ الذي لا خوف عليه سادسا هو تلميذ متوازن
هو فرد متصالح مع جسده ومُطمئنّ دون غُلوّ أو تبخيس إلى أصوله العائلية والاجتماعية، حاملٌ لقيم إيجابية يؤثثها حب الناس وتثمين الذات واحترام الآخر ونبذ الغرور وقلة الحياء. وهي طِباع ممكنة تماما مَوْكولة للأولياء والمربّين … حتى يكون الطفل واليافعون عامة متخلصين من مُعيقات التواصل مع الآخر مهما كان، أقول هذا لأن عددا كبيرا جدا من الصعوبات التي يعانيها التلاميذ مردُّها خجل مبالغ فيه وخوف من الكلام وذعر من الإجابة وتهيّب فتّاك إزاء مفاتحة شخص من الجنس الآخر… هو تلميذ واقف جيّدا في حذائه كما يُقال.
التلميذ ذو الشأن أخيرا هو الذي يستحضر كل هذه الآفاق
العالم لا يعرف أين يمضي تحديدا لكنّه لا يكفّ عن محاولة توقّع ما سيحدث مستقبلا. يُقدّر المتخصصون في رصد توجهات سوق الشغل العالمية أن المهن التي ستنتدِب أكثر من غيرها في المستقبل هي :
مهن الصحة ومهن الخدمات الموجهة للأشخاص ومهن البيئة والتكوين والتدريب وفق معايير جديدة coaching وتقنيو الإعلامية وحماية المعطيات والمختصون في الحماية السيبرنية والذكاء الاصطناعي في كل المجالات الاقتصادية والروبوتيك والمؤثرون ومصمّمو المواقع على الواب والمهن القانونية في المجال الرقمي وصانعو المحتوى. هنا لا بد من الإشارة إلى أن المحتوى الأسهل استهلاكا هو الفيديو (حسب مؤسسة سيسكو الشهيرة في الاعلامية والشبكات 80 بالمائة من المحتويات في المستقبل ستكون عبر الفيديو)، وكذلك مطوّرو البرمجيات المحمولة (258 مليار تحميل لتطبيقات مختلفة خلال 2022).
من يضع صوْب عينيْه هذه الآفاق المتنوّعة والمُثيرة سيتدبّر بالتأكيد أمر مستلزماتها ويمضي إلى مستقبل مُشرق هو سيّدُهُ.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟