تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 52

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

وكان لابدّ ان اعود الى تونس العاصمة … الى مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية لأمارس عملي بعد عطلة دامت اسبوعا واحدا بصفاقس ..الى شلّة نهج كندا حيث السكن وحيث حياة المجون واللهو …

عبد الكريم قطاطة

في السنوات التي عشتها في تونس وخاصة في الثلاث الاولى منها تنقّلت في السكنى بعديد الاماكن ومع عديد الاصدقاء فمن قلاتيني الى استوديو ابن خلدون الى نهج المشنقة، صحبة صديق الدراسة الثانوية وصديق العائلة المُقرّب جدّا اليّ المربّي ثمّ متفقد تعليم ورئيس بلدية ساقية الدائر في زمن متقدّم عبدالوهاب الزواري …صحبة صديق ثالث في السكن هو من الساحل عبدالحميد خيوط ..وهذا ليس لقبه بل كنّا نطلق عليه كلمة خيوط لانه لا يعود يوميا الى المنزل الا (ساس يردّ وساس يجيب) بفعل عسل العنب… … الى نهج الراس الاخضر مع الشهير عبدالستار الذي شبع في رؤوسنا وهو يحتسب كل اسبوع تاريخ السنة ليضمّه الى قائمة المصاريف ..لكن وكما اسلفت (خلّصناها ثاني ومثلّث) بتهرئته ونحن نستعمل هاتفه المنزلي في غيابه حتّى نؤكّد له انه (اذا قلت للبير بوّ يقلّك بوّين)…

كذلك وفي السكن دائما وبعد انتقال اختي الصغرى للعمل في تونس كميكانوغراف بديوان الاحصاء قرّرت العائلة الانتقال للإقامة بالعاصمة هي ايضا للمّ شمل العائلة … اذ لا يّعقل ان تقطن الأخت الصغيرة بمفردها في العاصمة (اش يقولو علينا الناس ؟؟؟)… طفلة صبية تسكن وحدها في تونس ..؟؟ وخوها يسكن وحدو زادة ؟؟ اليس من الافضل ان تجتمع الاسرة تحت سقف واحد ..؟؟ الرأي يبدو صائبا مادّيا واجتماعيا اي تقاليديّا ..الاّ ان نقطة الضعف فيه انّ اخي الاصغر الحبيب رحمه الله سيبقى بصفاقس لمواصلة دراسته بالسنة الثالثة ثانويا … وتلك كانت نقطة تحوّل كبيرة في حياته … الحبيب رحمه الله كان متوسط الامكانيات دراسيا لسببين اوّلهما انبهاره المفرط بشخصيّة عبدالكريم …هذا الانبهار جعله لا اراديّا يريد ان يكون نسخة منه فوجّه كل اهتمامه إلى الجانب الادبي .. كان يؤلف قصصا وحكايات مُحاكيا اخاه ومهملا لجلّ المواد الدراسية الاخرى ..ثاني الاسباب انه انهمك في العمل الكشفي بشكل مجنون …هو نجح في حياته الكشفية وتسلّق رتبا هامة فيها ولكنّه فشل بشكل كلّي في الدراسة ..

سنة نقلة العائلة الى تونس والسكنى بنهج الهند اوّلا ونهج الاطلس ثانيا وطريق المرسى ثالثا كانت سنة هامّة جدا في حياة عائلتنا ….ولكن لم تكن خالية من الطرائف … من طرائف السكنى بنهج الاطلس مثلا انه كانت هناك امرأة وهي زوجة لصديق ابي، كانت عينها على عبدالكريم طمعا في تزويج ابنتها منه ..وكانت الامور ماسطة علّلخر ..يعني عيني عينك ما خصّها كان تقول ايّا وقتاش تجيو تخطبو؟؟…وكأني سيدي تاتة … كان اسمها نسيمة وكنّا نقول عنها فوجة ريح … يوما ما دخلتُ الى المنزل انا وصديق عمري رضا وجدتها (مقمّعة) سلّمنا عليها ثم دخلنا الى الكوجينة… وجدت اختي نبيهة تُعدّ لها وبخجل ما تملكه العائلة يومها من غلال (عقاب طرف دلّاع)… قالت اختي: “شيء يحشّم ما عندنا شيء”…اكملت اعداده وهمّت بادخاله للضيفة في تلك اللحظة خامرتني فكرة الانتقام من هذه المرأة ثقيلة الظل حتى لا تعود الى زيارتنا …امرتُ اختي بترك “عقيّب الصحن متاع الدلاّع” بدعوى انّي انا من ساقدّمه لها… اذعنت اختي دون نقاش وخرجت ..وانهمكت انا ورضا في الهجوم عليه بشراسة واتينا عليه في ظرف وجيز وغادرنا المنزل ..عدنا ليلا فاذا بعيادة تنتظر .. هكّة توة خليتوني في الحشومة مع المرا كيف ما جات كيف ما مشات …لا ما يصيرش هذا ..هي صحيح رقعتها صحيحة وباسلة اما احنا ما يشرقش علينا …

اما في منزل طريق المرسى فاتذكّر جيّدا ان صاحب المحل الذي تسوّغناه والقاطن بجانبنا اشترط علينا ان لا سكنى لاطراف اخرى معنا ..قبلنا طبعا بشروطه ولكن كيف العمل مع رضا الذي يُعتبر واحدا من العائلة .؟؟ ..بعد اسبوع من حلولنا بالمكان كانت الساعة تشير الى الثامنة والنصف ليلا وكنت ادردش مع صاحب المحل امام بهو المنزل ..اطلّ سي رضا كعادته بلحيته اللينينية ..سالني صاحب المحل من هذا الذي اراه يتردد على منزلكم؟ قلت له انه اخي طالب جامعي ويقضّي معظم وقته مع زملائه الطلبة في المذاكرة خارج المنزل ..نظرت الى عينيّ الملاّك فلمحت عدم التصديق ..ناديت رضا وقلت له: “موش قلتلك كيف تجي للدار تجي بكري؟” …وطرطاااااااف نشحطو بداودي لا نودّك ولا نشهّيك ..

نظر اليّ رضا باستغراب ولم اتركه يقول نصف كلمة حتى لا ينفضح امرنا واضفت: “انا سيدك وانت يلزمك تسمع كلامي .. ادخل لبيتك اقلب وجهك من قًدّامي”… فهم رضا المقلب الذي ذهب ضحيّته وطأطأ راسه واستجاب لضروريات السيناريو وقال: الله بارك سيدي… وما ان ادار ملاّك المنزل ظهره ذاهبا الى منزله لست ادري أكان مقتنعا ام لا، حتى هاج رضا وماج وتوعدّني و بابشع الالفاظ واخمجها بأن يردّ الصاع صاعين…

لتلك السنة التي انتقلت فيها العائلة الى تونس العاصمة كانت سنة كارثيّة بالنسبة لاخي ..نفسانيا ودراسيا …بقي بصفاقس عند اختنا الكبرى ووجد نفسه بعيدا عن حنان الامّ ورعايتها كما وجد نفسه في طريق مفتوح لممارسة هواياته من كتابة ونشاط كشفي مما جعل اهتمامه بالدراسة منعدما تماما …كانت تلك السنة اخر سنة دراسية في حياته .. وانقطع عن التعليم ..بل والامرّ من ذلك اصبحت له شخصية نرجسية عنادية بشكل مرضي وكم هي مرهقة تلك النوعيّة ….كان يريد ان يثبت لنا وخاصة لي واحيانا بشكل عدواني انّ الدراسة ليست هي الطريق الوحيد للنجاح في الحياة …. وخاصة: “اش تحسايب روحك يا سي عبدالكريم ..؟؟؟ انجمو نكونو خير منّك”… اذكر ذات مرّة ذهبت لاستقباله في محطّة اللواجات بالعاصمة زائرا لنا ..يومها نزل من سيّارة الاجرة وما كاد يلمحني حتّى اخرج سيجارة ووضعها في فمه ..كان ينظر اليّ بنظرة متحدّية يمكن تلخيصها في (حتّى انا ولّيت راجل كيفك ..وكان عجبك زادة)… وهاهو يتقدّم اليّ مترقّبا ثورتي على صنيعه ..

وصل اليّ وجها لوجه عانقته وسلّمت عليه وردّ السلام بتحية هي الصقيع .. لم يكن يهمّه لا عناقي ولا سلامي .كان متحفّزا للمعركة وانا انهاه عن التدخين كأخ اكبر يُبيح لنفسه ما لا يُبيحه لغيره …هكذا كانت الاعراف في زمننا ..ابدا ان يُدخّن الابن امام ابيه .. ابدا ان يُدخّن الاخ الاصغر امام اخيه الذي يفوقه سنّا ابدا ان يُدخّن التلميذ امام استاذه …. هي اعراف كم احترمتها ومازلت ..بل واضحك احيانا من عديد ما يُسمّى بصحفين وهو صحفيو زمن الغلبة وهم يذكرون رئيس الدولة او الحكومة او الوزير باسمه (حاف)… يا والله جهل وتُخُلف… ان تُقدّم هذه الشخصيات باسم السيّد فلان ليس فيه اي نوع من التذلّل لأن الاحترام لم يكن يوما مرادفا للتّذلّل… هكذا تربّيت وهكذا سأبقى ورأسي مرفوع بكل شموخ… نعم تربيتي كانت مع من يكبرني سنّا تعني الاحترام والتقدير…

فالوالد رحمه الله مثلا لم اجرؤ يوما على التدخين امامه حتى وانا اصبح ابا لكرامة وكروان ..ولم افعل ذلك الاّ وهو يترجّاني ان ادخّن في حضرته ولا انزوي في غرفة لوحدي (يا وليدي توة نعرفك تتكيّف علاش تقعد كل مرّة تمشي لبيتك ..؟؟… العمر اش مازال فيه ..نحبّك وقت تجيني تقعد بحذايا نشبع بيك وتشبع بيّ)… وسي محمد رحمه الله لا يريد ان يّفوّت ايّة لحظة وانا بجانبه لاحكي له عن آخر اخبار السي اس اس ..هو مغرم لحدّ النخاع بالجمعية وهو مثل ولده تماما لا يطيق فريقا اسمه الترجّي ايّام شيبوب السوداء …قلت مثل ولده لأني انا من جعلته يعشق الكرة… بكلّ تفاصيلها فيّحب ذاك الفريق ويكره الفرق الشيطانية الاخرى …

وفي عالم السيجارة ايضا اتذكّر جيّدا انه ذات يوم وبعد ان انهيت برنامجي اذاعة بالالوان دعاني زميلي عون الاستقبال هاتفيا للقاء احد الاشخاص الذي ينتظرني ببهو الاستقبال الخارجي للاذاعة …ما ان تجاوزت الحاجز البلّوري لبهو الاذاعة حتّى لمحته ..انّه هو استاذي الفاضل في الاداب العربية سي محسن الحبيّب ..كانت السيجارة في فمي وانا التهم انفاسها الاولى ..ودون وعي منّي وجدتني ارميها تحت رجلي وادوسها ظنا منّي انّي اخفيت اثار الجريمة …وصلت وحتّى قبل ان اسلّم عليه غمرني بنصحه اللطيف والانيق قائلا: ” ايّا وقتاش ماشي ربّي يهديك ..؟؟ انت تعرف انّو انا كنت نرحي زوز باكوات في النهار ونتماطى الثالث … وانا نحّيتو …وانت وقتاش ..؟؟”… عمري انذاك كان فوق الخمسين ولكنّ اعرافي في التدخين جعلتني اخجل حتّى من النّظر اليه والاكتفاء بـ (ان شاء الله يا سي محسن) ..

واذا كان العزيز الرحيم يؤكّد انه يستجيب لمن يدعوه (ادعوني استجب لكم) فانّي اقرّ بانّي لم أُرد يوما انهاء علاقتي بالسيجارة … الله يستجيب لعبده كلّما دعاه وانا دعوته نعم حتى وانا اطوف بالكعبة في عمرتي سنة 2008 ولكن ولأني لا اشكّ في استجابة الخالق فانّي اعيد القول ان رغبتي في انهاء علاقتي بالدخان منعدمة تماما فكيف للربّ أن يستجيب لدعاء تقليدي لا ارادة فيه للفرد ..

عندما اقترب منّي اخي الحبيب وسيجارته في فمه كان يدعوني بشكل غير مباشر لمبارزة .. انها مرحلة اثبات الذات بما فيها من عنطزة وتحدّ لا حدود لهما .. ابتسمت واخرجت ولاّعتي من جيبي واشعلت له السيجارة …لم يفهم ما حدث ..بحلق فيّ وفي عينيه الف سؤال ..نظرت اليه وقلت (الكلّنا كيف كيف … راهو نبداو كيف ما انت توّة ..المهمّ ما تتكيفش برشة) … تلك اللقطة كانت منطلقا لعلافة متينة جدا مع اخي .._كبرت في عينيه… كان قبلها يتحاور مع امّي في شأن كلمة سيدي التي يناديني بها هو واختي الصغرى .. كان يريد ان يرمي بلفظة سيدي الى المزابل ..لماذا هذه سيدي ..؟؟ حتى حد لاهو سيدي … وكانت عيّادة تردّ (احشم نطلعلك بلحوحك لوكان تناديلو باسمو هاكة خوك الكبير ويلزمك تقدّرو وتقللو سيدي) ..وكان وهو يناديني بسيدي يغمغمها …حتى لا يُغضب امّي ويُرضي كبرياءه في آن واحد …

بعد حادثة سيجارو اللواج اصبح يناديني بسيدي بالفم والملا …وكم همست له ..يا حبيب ما تقلقش وقت نكونو وحدنا عيطلي بللي تحبّ اما قدّام امّك قولها هذي سيدي اش نعملولها خوذ بخاطرها …؟؟ الا اني احسست منذ تلك السيجارة التي اشعلتها له بأنه اسّس لعلاقة جيّدة جدا معي واصبح يستشيرني في ابسط امور حياته … امّا انا فكنت اقلق لحدّ الالم وانا افكّر في مستقبل حياته …هو ضعيف البنية (اعظم من همّي) اي لا يقدر على الاعمال اليدوية وهو ذو مستوى تعليمي محدود .. ثالثة ثانوي.. وهو كذلك لم يفهم يوما انّ الهواية (الانخراط في المنظمة الكشفية) تأتي بعد العمل … كان كلّ همّي ان احسّسه بأن العمر يمضي وهو ضايع فيها…

وحتّى عندما عرضت عليّ الوالدة التوسّط له للعمل بالاذاعة كعون رفضت ذلك لامرين ..اوّلهما قناعتي بأن ما انهك الاذاعة في تاريخها هو الوساطات ..العديد من موظّفيها كانوا وما زالوا يعتبرون الاذاعة رزق الوالد ..بل ويعتبرون ادماج ابنائهم واقربائهم حقا مشروعا حتى وان كانوا لا يصلحون وهم لا يصلحون فعلا لذلك الاختصاص لا طولا ولا عرضا ..وثانيهما كنت مؤمنا بانه حتى انتداب اخي كعون بالاذاعة سيورّطني لانّه غير منضبط في اوقاته (وكبّوس هذا على راس هذا)… لذلك الغيت هذه الفكرة من تفكير والديّ ..الا انّي في المقابل وبعد ان تمكّن وبمجهوداته الحصول على شغل قار ببلديّة صفاقس كعون لا يتجاوز مرتّبه المائة وخمسين دينارا، كنت اطرح على نفسي التساؤل المضني: كيف لأخي ان يبني اسرة ؟؟ المنزل ؟؟ الزواج …؟؟؟ الاطفال ؟؟؟ اليس من حقّه ان تكون له اسرة …؟؟ ووجدتها …

ابي لا يملك في الدنيا الا نصيبه في ذلك الحوش وقطعة ارض في الجنان المشترك مع اخوته والتي لا تتجاوز المرجع ..جئت يوما لسي محمد وعيادة وطرحت عليهما فكرة بيع قطعة الارض حتى اتمكّن ويتمكن اخي خاصّة من بناء او شراء ما يُسمّونه قبر الحياة (المنزل) …. استحسن الجميع الفكرة واشترط ابي بعد بيع قطعة الارض ان يمكّنني انا وحدي من المبلغ كلّه لانّه لا يثق في جديّة اخي عند حصوله على نصيبه ..واضافت عيّادة: والله يترتقهم ويفلّقهم في ليلة ونهار … واضاف سي محمد : وانا نعرفك ما تاكلش فلوس خوك… ابتسمت وقلت في نفسي (اه لو تدري) … تنفست الصعداء وطفقت ابحث عن مشتر لقطعة الارض ..

وبيعت قطعة الارض بثمن بخس للغاية ثمّ انزويت باخي واعلمته بمشروعي ..ايّا حبيب اسمعني ..انت راك كبرت ..ويلزمك تفكّر في مرا وعايلة وصغار …بوك باع الجنان ويلزمنا نشوفولك دار وبعد خمّملي في عروسة ..فرح الحبيب واجاب: فكرة وعلاش لا وحتى العروسة موجودة ..مسكت شاربه الظريف باطراف اصابعي وقلت: بتذاكر من ورانا والا ايه..؟؟؟ … وفعلا دخل المشروع حيّز التنفيذ ..اقتنى اخي منزلا متواضعا ورُسّمت العلاقة مع الفتاة التي اختارها وتزوّج ..كان نصيبه من ثمن قطعة الارض الثلثين (وصحّة وفرحة)… اما بقية نصيبي فلقد احتاجته اختي الكبرى عندما تعرّض ابناؤها لصعوبات مالية بعد وفاة زوجها …وكردّ جميل لزوج اختي رحمه الله وهو الذي رعاني طيلة سنواتي في الثانوي ماديا وادبيا، سلّمتها المبلغ كلّيا واسترجعته وكانّي لم استرجعه ..اي كل مرّة بالعشرة والعشرين والخمسين دينارا في احسن الظروف …

ولنننننننننننننننننننننن اندم ابدا على صنيعي وان عاد التاريخ عدت ..اذ كيف لعون بلدي يتقاضى 150 دينارا شهريا ان يضمن تكوين اسرة دون منزل ..كيف له ان يتزوّج حتّى …والحمد لله انه تزوّج وانجب …ورحل يوما ما ليترك غزالة وشبلا نجحا رغم كل الظروف الصعبة في تسلّق مدارج العلم جامعيا ..ثمّ كيف اترك اختا كبرى في ورطة مالية شائكة تهدّد ابناءها بالسجن وانا المدين لزوجها اولا بكل ما وصلت اليه في دراستي ..ثمّ هي اختي والاخت عندي اثمن من كل اموال الدنيا …نعم لم ارث شيئا من ابي ومن ثمن قطعة الارض … ولكن متى كان المال يعنيني يوما …

لست مليونيرا ولن اكون بل الافظع من ذلك انّي من الفصيلة التي يُقال على الواحد منها (منتّف) اي لا يكسب شيئا وينتظر كل 24 من كل شهر ليتنفس اسبوعا الصعداء …ثمّ يعود حليم (مذكّر حليمة) لتعبه القديم …ما اكتبه ليس شكوى ولن يكون … ليس تذمّرا ولن يكون … لأني في مقابل كلّ ذلك وانا ازور اطلال حوشنا القديم الذي يعجّ مدخله بالنباتات التي توحشت وطالت واصبحت تُعيق من يريد الولوج الى منتهاه ..ولكن ابدا ان تُعيقني .. وانا ازوره و باطلاله و نباتاته الوحشية وهي تستقبلني بقبلاتها اللاذعة احيانا بفعل الحُرّيقة … هنالك يكمن جزء كبير من اوكسيجيني في محطّة متقدّمة من قطار العمر .. علّمتني تلك الاطلال وعلّمتني الحياة انّ الاماكن هي التي ترسم هويتنا …علمتني الحياة ان الجذور مهما علت اغصانها، تبقى هي الثبات وهي الاُسّ الاقوى ..علّمتني الحياة انّ الواحد منّا قد يكون مّعوزا مادّيا ولكنّ العوز الحقيقي والمؤلم عندي ان تكون ميليارديرا ويكون بداخلك فراغ في فراغ ..

علمتني الحياة انّه قد يضحك عليك البعض وعلى قناعاتك ..وقد يغضب منك البعض ومن قناعاتك ولكن الاهمّ ان لا تضحك على نفسك وان تكون منسجما معها حتى وانت تتمرّغ على الحشائش الوحشية في زمن الوحوش ..انذاك فقط تصبح تلك الحشائش اشهى من اي غازون وتصبح تلك الاطلال ارقى من كل قصور الدنيا … قد تقسو علينا الحياة قد نُضيع توازننا قد نعُوف احيانا انفسنا قبل حتّى الاخرين … ولكن علّمتني الحياة ايضا انّ الاقدار هي الاقدار وانّه علينا رغم كلّ شيئ ورغم كل ما نبذله من جهود ورغم كل ما نتوهّم في قدرتنا على التحكّم… ان نؤمن بأننا نبقى محدودي الجهد والقدرة امام الاقدار …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار