تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 53

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

لم يطُل مُقامي في تونس … ثلاثة اشهر ووجدتني اُجهّز حقائبي للعودة الى باريس … للمعهد الوطني للعلوم السمعية البصرية وهذه المرّة للحصول على ديبلوم درجة ثالثة في العلوم السمعيّة البصريّة، اختصاص مونتاج، وهو المعادل بفرنسا لستّ سنوات تعليم عال…

عبد الكريم قطاطة

سفرة هذه المرّة لم تكن كسابقاتها … فباريس لم تعد هاجسا بالنسبة لي لأني اصبحت اعرفها (شكلة شكلة) باحيائها الراقية فرساي والشانزيليزيه ..وباحيائها المُريبة … بيغال وسان دينيس … الا انّ ما اختلف كان وجود خطيبتي معي يوم التوديع في المطار… انّها منية ابنة خالي وزوجتي حاليا والتي لها أفضال عديدة عليّ في حياتنا المشتركة وحتما ساعود اليها في قادم الورقات …اذ بعد ان خرجت من دائرة حب مراهق تيقّنت فيما بعد انّ الله حباني واحبّني عندما لم يُكتب له الدوام فخطبت ابنة خالي .. تمّت الخطوبة في 30 جويلية 75 .. وعمرها 15 سنة ….لم تكن انذاك تعي كثيرا ماهية الحب وعمقه بل كانت فقط تتباهى بخطوبتها بعبدالكريم الذي يظهر اسمه احيانا على شاشة التلفزة كمركّب للافلام او كريبورتار في بعض البرامج (الحياة الثقافية لخليفة شاطر او ساعة مع …لخالد التلاتلي او همزة وصل لعبدالقادر الجربي)…

تتساءلون حتما …. عمرها 15 سنة ..؟؟؟… نعم 15 سنة .. الدافع انذاك كان الخوف عليها من ان يختطفها آخر منّي لذلك عجّلت بالخطوبة… هكذا هو تفكير جُلّ ابناء جيلي (قرطس عليها خير مللّي يقفزولك بيها)… الاّ انه وبمرور الايّام كبرت البنيّة وتحرّكت بداخلها المشاعر متدفقة منهمرة واصبحت “مدغرقة” في عبدالكريم …لذلك كانت يوم السفر من مشيّعيّ إلى المطار… هي ليست من المثرثرات… بالكاد يُسمع صوتها … الاّ ان ثقتها فيّ لا حدود لها ..ربّما صدقي في احاسيسي .. واقعيّتي معها …وشفافيّتي تجاهها في كلّ شيء حتى في علاقاتي بالعالم النسائي انذاك، غرست فيها تلك الثقة العميقة … ان تكون واضحا شفّافا مع ذاتك اوّلا ومع الآخر ثانيا فذلك يعني انّك متناغم مع نفسك … ليس مهما جدا ان اختلفت مع الآخر … ليس مهما جدا ان غضب منك الاخر لانّه حتما سيتفهّمك يوما وان طال الزمن او على الاقلّ سيحترم قناعاتك ..الاهمّ ان لا تخسر ذاتك …

بالمعهد بباريس وجدتُني مع مجموعة جديدة من الافارقة… كنت العربيّ الوحيد فيها … ووجدتُني مع مجموعة جديدة ايضا من الاساتذة وعلى رأسهم واحد من اكبر رجال التليفزيون الفرنسي انذاك (كلود اوتزن برجيه) قامة علميّة رهيبة وكاريزما تشبه الى حد كبير الجنرال ديغول كمّا وكيفا …الاّ ان تواضع الاساتذة الفرنسيين رفع كل حاجز بيننا وبينهم… كان الواحد منهم يدعونا لقهوة معه، لعشاء معه، لدردشة معه، دون حواجز … وعلى ذكر القهوة في فرنسا تعلّمت ان شرب القهوة لا يعني قضاء ساعات بالمقهى بل يعني قضاء دقيقة لا اكثر اذ لا معنى عندهم للترشّف .. احتساؤها يعني تقسيمها على “جغمتين” او ثلاث… لذلك بُهتُّ في البداية من هذا السلوك ثمّ اُُجبرتُ على مجاراتهم في اخذ الكابيسان على طريقتهم… جغمتان او ثلاث ونعود الى مقاعد دراستنا سالمين … وهكذا انا لحد اليوم اتّبع نفس الاسلوب .. فهمت ان القهوة لا تعني (ترحريحة) على المقاعد و”خوذ فيّ ناخذ فيك” وحديث في السياسة والكورة والاقتصاد وعلوم الجيولوجيا والبيولوجيا والسوسيولوجيا والانتروبولوجيا والدينولوجيا ..حيث يتحوّل كل واحد من المتدخلين ليصبح السيد غوغل عرّيف زمانه… وتنفضّ الجلسة ولا يخرج الواحد منّا الاّ بالكلامولوجيا … والعنترولوجيا .. ولا حول ولا قوة الا بكلّ مشتقات الّلوجيا …. بما في ذلك التُخُلُوفولوجيا …

في الثلاثة اشهر الاولى بعد عودتي الى الدراسة لاحظت اهتماما متزايدا بي من مدير الدورة السيد اوتزن بيرجيه ..كان كثيرا ما يدعوني لشرب قهوة معه بعد الغداء ويستدرجني للحديث في امور عديدة … احسست باستدراجه نظرا إلى انه كان كل مرّةيطرح موضوعا مختلفا عن سابقه ثم (شلّقت) انه يريد الاستماع اكثر من الحديث ..وكان يحسن جدّا الاستماع ..كانت نظراته لي ثاقبة جدا وكأنه يريد الولوج الى مُخيّخي ليكشف اغواره ..ومعه تحدثنا عن تونس… بكل مفاصلها عن صفاقس مدينتي الحبيبة ..عن فرنسا ..عن تاريخها .. وعن حاضرها … عن افريقيا والافارقة …عن امريكا المتسلطة الصلفة ..عن الصين هذا التنّين المجهول ..عن العرب وعن الاسلام ..عن الكرة ..عن الحرية ..عن العلم ..عن العمل.. عن الفن شعرا وموسيقى ومسرحا وسينما ….عن آفاقي … وعن آفاقي كان يضاعف التركيز ..

وكان يصطحبنا احيانا استاذ اخر شاب عمريّا من مواليد الجزائر ايام الاستعمار الفرنسي يدرّسنا تقنيات الكتابة السينمائية… غاية في البشاشة والروح المرحة… وثالث وهو عجوز رائع يدرّسنا تقنيات الاتصال في السمعي البصري .. كنت احس بافتخار وانا المحظوظ بالجلوس الى هذه القامات الكبيرة علميا وهم يخُصونني بهذا الاهتمام ….وحتى زملائي في الدراسة كانوا يغبطونني على هذه الجلسات الانفرادية ..الا ان علاقتي الجميلة بهم لم تصل يوما الى حد الحسد او التنبير كما هو سائد في جل علاقاتنا هنا …

انتهيت بعد ستة اشهر من الفترة المقررة للتكوين العام في كل تفاصيل العلوم السمعية البصرية وبمعدل سبع ساعات يوميا، خمسة ايام في الاسبوع، وجاء وقت المرور الى التخصص ..اي دراسة المادة المختص فيها كل طالب منّا… بالنسبة إليّ المونتاج… في آخر يوم من تلك الفترة دعاني مدير المعهد الى مكتبه (السيد فرومنتان) وها أنا ادقّ على بابه … فتحت الباب فوجدت معه السيد اوتزن بيرجيه ..دعاني للجلوس والبشر يعلو وجهه.. لم يعترني اي شعور بالخوف او القلق فانا كنت ومازلت لا اخاف من اي شيء ..حتى الله احبه ولا يراودني ابدا الشعور بالخوف منه ..كيف نخاف ممن نحب ..؟؟؟ انا لا افهم معنى ذلك ..فخالقي احبّه اوّلا وأثق في عدله دون ادنى شكّ… اذن هو لن يظلمني يوم الحساب وسأنال ما استحقه فممّ الخوف اذن ..؟؟

ان أكون خائفا معنى ذلك انّي لم اتحمّل مسؤوليّتي في ما افعل ..معنى ذلك انّني جبان ..وما احقر الانسان وهو جبان ..حتما اخطئ كسائر البشر ولكن اتحمّل مسؤوليتي في اخطائي واعتذر دون تردد ..هذا مع سائر عباد الله فكيف لي ان اخاف من رب عادل احبّه واومن به ؟؟؟ كيف ان اخاف ذلك الخوف المرضي من ربّ كريم اختار ان يبدأ كل سور القرآن باستثناء التوبة بـ”بسم الله الرحمان الرحيم”؟… الم يكن ممكنا ان يختار باسم الله المنتقم الجبار … هل يمكن ان يتصوّر الواحد منّا اختيار لفظتي (الرحمن الرحيم) اعتباطيا .. او مجانيا ..؟؟ انا مؤمن بأن الله هو الرحمان الرحيم ..هلاّ عدتم الى سورة النساء والله يُعيد على عباده ثلاث مرّات (ان الله لا يغفر ان يُشرك به ويغفر دون ذلك لمن يشاء ) .. هذه ليست خاصة بايّة فصيلة من البشر، هي للبشرية قاطبة دون استثناء ..نهضاوي جبهاوي ندائي تجمّعي دستوري مستقلّ (مثلي) يساري يميني مسلم يهودي مسيحي..

الاساس ان يكون مُوحّدا… الله يغفر دون ذلك لمن يشاء لا اسثناء في (لمن يشاء)… قد يقول البعض: هل نسيت انّ الله شديد العقاب ..؟؟ لم انس يا من تنظرون الى وجهه الكريم من كوّة السواد والتجهّم والتكشير ..ولكن اقرؤوا القرآن بتمعّن وستكتشفون ان رحمته سبقت غضبه وان كل عبارات العقاب والشدة تأتي في القرآن بمعدل 10 بالمائة مقارنة بعبارات الرحمة والمغفرة (قُل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ـ الزمر آية 53)… وصدقا لست من الذين يعودون الى تأويل وتفسير بعض الآيات فهي واضحة وضوح الشمس ولا احتاج الى المفسرين الذين هم في حد ذاتهم مختلفون… جوجمة زايدة لا اكثر ولا اقلّ …

جلست بكل وثوق واحترام لمدير المعهد ومدير الدورة ..طلب لي قهوة وبادرني بالسؤال ..اه كيف وجدت الدراسة بالدرجة الثالثة ؟؟ اجبته: بخير من جانبي والتقييم هو من مشمولات اساتذتي ومدير الدورة طبعا ..اعجبه منطقي وقال: هذا من لطفك ..المهم بالنسبة لنا في المعهد ان يحسّ الطالب بنجاعة واهميّة ما يدرس حتى يعود لبلده محققا الاضافة …رددت بتهيّب: انا سعيد بكل ما تعلمّت وبكل من عرفت ..نظر بابتسامة خفيفة الى مدير الدورة وقال: وهم سعداء بكريم ايضا ولذلك وبعد تشاوري في امرك مع السيد كلود بيرجيه، رأينا انه عليك ان تحوّل اهتمامك من اختصاص المونتاج الى اختصاص الاخراج لأنك جدير به …اندهشت جدا من المقترح ولم تطُل دهشتي حينما اسعفني السيد كلود بالقول: كريم انا من موقعي وبعد التشاور مع جميع مدرّسيك اجمعنا على انّك ستضيع وقتك في دراسة المونتاج… انت ممتاز جدا في ذلك الاختصاص ولن تكون لك اضافة كبرى فيما تبقى من فترة دراستك… لذلك ارتأينا ان تحوّل اهتمامك الى عالم الاخراج ..انا تحدثت معك طويلا وكثيرا في مواضيع شتّى ومخزونك الفكري والثقافي يؤهلك لتنتقل الى الاخراج ما رأيك ..؟؟

شكرت له ومن خلاله جميع اساتذتي هذه الثقة الموضوعة فيّ وفي امكانياتي وقلت: الامر ليس متعلّقا بي وحدي يجب ان احظى بموافقة ادراتي في تونس ..تدخّل مدير المعهد وقال: “نحن من سيتكفّل بذلك وعبر قنواتنا الرسمية… ننتظر فقط موافقتك حتى نرسل للتو الفاكس لادارتك”… كنت سعيدا جدا بالمقترح بل كانت الارض لا تسعني ..تذكّرت في تلك اللحظة ما دوّنته يوما على صورة من صوري (انا اطمح الى هيمالايا لانّ الشعانبي لا يقنعني( … وتذكّرت طبعا عائلتي خطيبتي اصدقائي في العمل وفي الساقية وحتما عيّادة ..ساعود اليهم بديبلوم عال اختصاص اخراج …

ياااااااااااااه… ما اضيق الاماكن التي لا يمكنها ابدا ان تحتوينا في لحظات سعادة قصوى غامرة ..ما اتعسنا بانفسنا ونحن لا نستطيع حتى تخيّل ماذا علينا ان نصنع او كيف نتصرّف او ماذا نقول عندما تتدفّق شلالات السعادة … خرجت وقتها من مكتب المدير بعد ان تركته يرسل الفاكس لادارتي (مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية) مقترحا عليها الامر… ولم يدم ذلك غير ساعة واحدة حتى جاء الرد ومدير الدورة يزف لي الخبر…بالموافقة ! … اندهشت جدا لا فقط لسرعة الرد بل للموافقة … اذ كيف لادارة مؤسسة أن توافق بهذه السرعة على تحويل وجهة موظّف من قطاع الى قطاع دون اعمال رأي ..؟؟ دون دراسة وتمحيص واشراك الستاف الاداري بحاجيات المؤسسة (ناقصين مخرجين يخخي ؟؟)… اعتقدت يومها ومازلت لحد الان ان الموافقة جاءت بشكل متخلّف جدا ينمّ اساسا على مركّب نقص تجاه الاوروبي ..اذ انه بالنسبة للعديد ما يراه الاوروبي صوابا لا حاجة لنا في نقاشه او التروّي في امره ..استفدت قطعا من قرار الموافقة ولكن حتما لو كنت مكان صاحب القرار في المؤسسة لما كنت اتصرّف مثله ..حتما سابحث في الامر بكل ايجابياته وسلبياته وساتحرّى كثيرا في اخذ القرار … انذاك فقط اُجبر الاوروبي على احترامي لأني بذلك الاسلوب ابرهن له ولنفسي انّي انا ايضا صاحب قرار صاحب موقف ومسؤول بما في كلمة مسؤولية من ثقل …

وبدأت مرحلة دراسية جديدة في حياتي …كنا خمسة طلاب في اختصاص الاخراج: ايفواريان وكونغوليان وتونسي، العبد لله … وكعادتي واصلت اسلوبي في التعامل مع الدراسة لم استطع يوما ان اكون محراث قراية… الله وهبني نعمة التركيز والذاكرة التي هرمت الان …وفقط .. أما خارج المعهد فواصلت حياتي و”عملت بعمايلي” ولكن وفي نفس الوقت لم اكن منافقا في علاقاتي.. لم اكذب .. لم اغشّ .. احترمت قناعاتي وعشت بها …كنت مثلا من الرافضين قطعا لأن احوّل فتاة الى امراة .. ورغم كل الاغراءات والتوسلات …لم افعلها.. رغم انّه امر عادي في المجتمعات الاوروبية …كنت من الرافضين ايضا ان تُنجب منّي ايّة امرأة باستثناء زوجتي ورغم كل الاغراءات والتوسلات ..لم افعلها … هل فهمتم ما معنى ان يكون الانسان متناغما مع ذاته …سعادة قصوى ان تعيش هذا التناغم …واعيد القول قد يغضب منك البعض بل قد يكفر بك ..ليس هاما في نظري ..المهم ان اعيش وانا محلّق الى ما بعد حدود السماء راحة وامانا في كل ما افعل … ما اسعدني بي وانا هكذا مجنّح الى ابعد من حدود السماء …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار