لسائل أن يسأل هل درس مولانا أمر انقلابه جيّدا قبل أن يُقدم عليه؟ من استهدف بالضبط من جمهور الأحزاب والأتباع والأنصار ليدير رقابهم نحوه؟ مولانا جلس طويلا أمام التلفاز …وقرأ جيدا تبعات ما يدور تحت قبّة باردو…كما أنه تابع عن قرب نشاط المشيشي وتحركاته خارج أوقات عمله…
محمد الأطرش
مولانا كان يعلم جيدا أنه لن يكسب ودّ الجميع، ولن يدير رقاب كل قواعد الأحزاب، وعليه أن يكسب البعض منها، حتى يتمكّن في مرحلة أخرى من كسب ولاء البقيّة…والأكيد أن مولانا سأل نفسه “من يا ترى يثير الغثيان من الأحزاب ومن يتحمّل تبعات كل هذا الفشل؟” طبعا مولانا يدرك أنه مُقْدم على عملية “انتقامية” سياسيا من خصومه الذين افتكوا منه كرته …عفوا وزيره الأول “الهشْ”…مولانا لم ولن يغفر للمشيشي ارتماءه في حضن الغنوشي، فقرر أن يعاقبه ومَن احتضنه ومن حوّل وجهته…كيف ذلك؟ وكيف يضرب العديد من العصافير بحجر واحد؟ فهو يبحث عن طريقة يقضي بها على الأحزاب…وعن خطّة يقضي بها على طموح بعض الأحزاب…فتفتيت المشهد الذي عملت عليه النهضة طويلا ونجحت فيه لمدّة قاربت العشر سنوات، هو الأمر الوحيد الذي قد يضمن لمولانا البقاء على العرش، وفي رعاية كل أغلبية الأنصار…والأتباع…
مولانا وضع في كنش حساباته “كره” الدساترة أو أغلبهم للنهضة…وحقد النهضة على الدساترة ومتفرعاتهم…ووضع في حسابه أيضا “كره” الدساترة وبقية الأحزاب الوسطية لائتلاف الكرامة ونوابه…كما لم ينس الثأر الذي بين اليسار والنهضة ومن معها ومن يحوم حولها من ائتلاف وصولا إلى قلب تونس، فاليسار حين يصرخ في خرجاته التنشيطية لشارع بورقيبة يصرخ “الشهيد خلى وصية لا دساترة ولا خوانجية” هكذا إذن قرأ مولانا كل المشهد وكل اسقاطات وتبعات “انقلابه” على بقية المنظومة التي يرأسها بوصفه رئيسا للجمهورية…وللمنظومة الحالية…
فمولانا أدرك أنه بضرب النهضة والشيخ، وبفعل الصدمة سيكسب ودّ الدساترة أولا وهم أغلبية من في المشهد، بمن انضموا إلى بعض الأحزاب، وبمن صعدوا على الربوة وشاهدوا حجم الخراب…كما أن مفعول الصدمة سيجعل أغلب قوى اليسار ينضمون دون تردّد إلى جوقة المصفقين لمولانا…ولم ينس مولانا أنه سيكسب آليا دعم ومساندة كل القوى القومية والعروبية من حركة الشعب إلى بقية الأحزاب الناصرية والعروبية التي تحقد على النهضة ومن معها…دون أن ينسى التيار الديمقراطي الذي سيجد منه مساندة ربما غير مشروطة في بادئ الأمر…لكن مولانا لم يقرأ حسابا لإمكانية انقلاب الدساترة ضدّه لو تفطنوا أنه يريد ضرب عصفورين بحجر واحد، فمن خلال ضرب النهضة وصبيانها سيضرب الدستوري الحر في برنامجه العلني “معاداة النهضة ومن معها” الذي أكسبه كل الدعم والمساندة وجعله يصعد إلى المرتبة الأولى على سلّم الزرقوني…فمولانا ليس بورقيبيا كما يروّج البعض ولا ولم يتفق مع الدساترة أبدا سابقا …ولا أظنه مستعد للبحث عن كسب ودّهم في الوقت الحاضر…كما أنه لم ينس عمود أنصاره الفقري أيام الانتخابات وهم قرابة النصف مليون ناخب ومصفّق منخرط…
هكذا إذن اختار مولانا إعلان الحرب على من افتكوا منه “صَبِيه” وجعل مما وقع يوم 25 جويلية خطرا داهما لينفّذ به مخططه لكنه نسي أمرا مهمّا، وهو أن عامل الصدمة لا يدوم طويلا ويجب أن يكون متبوعا بقرارات صادمة ارتدادية أخرى لا تترك مجالا ووقتا للخصوم لمجرّد التفكير في ردّة فعل أو ما شابه…
مولانا طرب كثيرا لردّة فعل الشارع والجماهير التي تهتف طويلا باسمه…وأعجبته حكاية الدروس التي يلقيها أمام كل من يلتقيهم…ونسي أن من خرجوا إلى الشارع ليباركوا ما أتاه ليسوا من موظفي الدولة ولا من قواعد الكثير من الأحزاب….كما نسي أن من انتخبوه ليسوا من أتباعه ولا من مسانديه بل أغلبهم من الأحزاب التي قررت قطع الطريق أمام نبيل القروي…مولانا أدرك بعد مدّة أن من خرجوا يصرخون باسمه أغلبهم من العاطلين عن العمل، وهم الذين ينتظرون معجزة من السماء تخرجهم مما هم فيه، وتعيدهم إلى الحياة فالعاطل عن العمل كالميت مع تأجيل التنفيذ، فهؤلاء سيخرجون غدا بعد أن ينفد صبرهم ليطالبوا من صفّقوا له طويلا بحلّ لمشكلاتهم…فقد يصفقون طويلا ويصرخون كثيرا وعاليا على كل ما يأتيه مولاهم من إيقاف لشخصية مكروهة…ومن وضع لشخصية أخرى تحت الإقامة الجبرية، ومن درس ألقاه في قرطاج على أحد ضيوفه…لكنهم سيشعرون يوما بأوجاع وألم وجوع واحباط وأرق…وسيصرخون “إلى أين نحن ذاهبون” أين وعود مولانا …
مولانا ومولاهم نسي أيضا أنه استعمل فصلا من الدستور لينقلب على شركائه في المنظومة…وأنه قد يجد معارضة قانونية واسعة للمسّ من الدستور دون تشريك الجميع في الأمر، وقد يصبح ما أتاه انقلابا في نظر الداخل والخارج، حينها قد يتأزم الوضع كاملا وقد يخسر كل ما بناه… ودرءا لما قد يعترض طريقه استنجد مولانا ببعض أساتذة القانون الدستوري من الذين يفوقونه تجربة وعلما ودراية بعمق القانون الدستوري فأفتوا له وأصبحوا من المصفقين…الناطقين باسمه…والرافعين لرايته…
هكذا إذن فشل مولانا في العبور بمشروعه الانقلابي من محطّته الأولى، إلى بقية المحطات…فمولانا تورّط في مسؤولية التسيير الحكومي وغرق في وحل الأجور والميزانية ولم يتقدّم خطوة واحدة نحو الانفراج بل أصبحت البلاد على مشارف إعلان الإفلاس الرسمي…وتورّط في تشكيل حكومة بسبب عقدة الخوف والريبة من كل من سيرشحهم لحقائبه الوزارية، فما أتاه المشيشي أصبح هاجسا تطوّر إلى عقدة عند مولانا، فهذا الأخير يعاني اليوم من “العقدة المشيشية” ولا أظنّ أنه سيثق في أي اسم يعرض عليه لذلك فلا غرابة أن يأتي بتشكيلة حكومية من داخل القصر أو بتزكية من بعض سكان القصر…في انتظار أن يفقد ثقته في بعض من هم حوله داخل القصر…لينقلب على من هم حوله…في القصر…
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بعد فشل مولانا في العبور بمشروعه من محطته الأولى، هو ماذا سيفعل من هرولوا وراء مولانا وهل سيواصلون التصفيق والصراخ…؟؟ أم سيرددون داخلهم ” ويل للمصفقين…الذين كانوا باسم مولاهم عاليا يصرخون”…؟
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.