تابعنا على

جور نار

أفِق صديقي كلود… صديقُك الفلسطيني حنظلة ينتفض ويخرج عن صمته !

نشرت

في

صديقي الفرنسي كلود ألف رحمة على روحه الطاهرة كان كأغلب الفرنسيين الأسوياء نقديّا ومُحترزا تجاه ما تتداوله وسائل الإعلام الغربية بشأن ما يحدث خارج حدودهم وبصفة خاصة على أرض فلسطين ولكن أبدا إلى درجة الإقرار ببشاعة ما حدث في 1947.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

لم يكن عنصريّا مطلقا وكان مؤمنا بقيم إنسانية نبيلة تُمجّد السلام والتحابب بين الشعوب، لكنه كان يعتبر أن توطين اليهود الذين نكّلت بهم النازية وغيرها عبر التاريخ في مكان ما من العالم يمكن أن يكون تصحيحا تاريخيا لأخطاء قصوى مارسها الغرب ضد هذه الفئة من الناس. وكان يردّ عليّ كلّما قلت له “لا ندري من أين جاء هؤلاء، فهم لهم جنسيّات أصلية، فيهم الفرنسي والروسي والبولوني والأثيوبي والتونسي والعراقي الخ…ويتعلمون العبرية (العنصر الأهم في تكوّن هويّة شعب) فقط عندما يهبونهم أرضا ليست لهم في فلسطين…” كان يردّ عليّ مازحًا “حتى أنتم اليساريون لكم أوطان تحتلّونها وتقيمون فيها بسلام مثل الصين والاتحاد السوفياتي وكوبا…”.

وظل الموضوع الفلسطيني منطقة منزوعة التبادل بيننا إلى أن تمّ اغتيال رسّام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي في انكلترا صائفة 1987 (والتي دُفن بها ضدّ رغبته لأنه كان يريد أن يُدفن إلى جانب والده في عين الحلوة)… فلاحظتَ سريعا وأنت المنتبهُ دائما إلى تفاصيل يومي، خاصة أننا كنا متعاهدين على تبادل رسائل مطوّلة ومنتظمة نأتي فيها على تفاصيل الحياة بين الضفّتين، أنني كنت مهموما باستشهاد ناجي العلي لا سيما أمام احتمال استهدافه من قِبل قيادات فلسطينية و/أو عربية بعينها لم تحتمل لهيب النقد والتهكّم الموجه ضدّها بصورة يومية على صفحات أكثر الجرائد اللبنانية انتشارا، وهو سيناريو انتشر في عديد الأوساط آنذاك بالرغم من أن السيناريو الآخر يظل قائما لأن أحفاد بن غوريون اعتادوا لا فقط اغتيال من يحملون البنادق بل من يحملون الأقلام وريشات الرسم أيضا. (كان قاتل ناجي العلي دون ملامح تقريبا باستثناء صورة تقريبية نشرتها الشرطة البريطانية إلى جانب صورة للمسدس الذي استخدمه)

إنشاء نشرية لروح ناجي العلي بعنوان حنظلة

في أواخر ثمانينات القرن الماضي لم يكن التواصل يسيرا كما هو اليوم، ولم تكن الكتابة والنشر متاحين بنفس ما تتيحه مواقع التواصل المختلفة والمتنوعة اليوم، لم أعد أذكر من الذي استحضر فكرة إصدار نشرية سنوية صغيرة باللغة الفرنسية تحتفي بهذه العلامة الفارقة في تاريخ فن الكاريكاتور المقاوم في العالم، وتتبنّى حنظلة (الابن الشرعي لناجي العلي) الذي ظل يتيما بعد اغتيال من أوجده وأعطاه روحا واختزل فيه أرضا وقضية وهوية، ولكن ولدت الفكرة هكذا وكان لها رواج واسع جدا في صفوف التلاميذ والأساتذة آنذاك.

وكان المُبهر في هذه التجربة البسيطة أنها أفسحت المجال أمام أناس كثيرين من الضفّتين ليتعرّفوا عمّا صنع تميّز رسوم ناجي العلي وأبعادها الرمزية، وخاصة نجاح الرسام في التفرّد بتوقيع رسومه على نحو لم يسبقه إليه أحد (أو على الأقل كان من القلائل جدا أن وقّعوا رسومهم كما وقّعها هو) وأن يعبّروا كل بطريقته عن تضامنهم مع شعب هُجّر قسرا وأُبعد قهرا عن زيتونِه وليمونِه وجذورِه في أرض ظلّ يفلحها منذ آلاف السنين.

وكان المُلفت أيضا أن الجميع اجتهد في تفكيك رمزيّة حنظلة والدلالات التي قصدها ناجي (والتي لم يقصدها ربما) من خلال نحت هذه الشخصية السرديّة المرافقة لكل إنتاجاته : فهو صبيّ في العاشرة من عمره تقريبا، أدار ظهره للعالم بعد أن تخلّى عنه الجميع، وشرّعوا باسم الشرعية الدولية تقسيم وطنه وإبعاد أجداده عنه، وهو الضمير الجمعي الشاهد الثابت مكانه على ما تمارسه جحافل القتل القادمة من كل أصقاع الدنيا ضد شعبه الذي لا يمتلك مؤسسات رسمية للتوثيق والتسجيل، وهو الطفل الذي – بلباسه المرقّع وساقيه الحافيتين- يختزل حالة البؤس المادي المدقع الذي يستوطن كامل القرى والمدن والتجمّعات والمخيّمات الفلسطينية. وهو نبتة الحنظل Coloquinte أو ما يعرف بالتفاح المرّ حيث يقول ناجي العلي “وقد أسميته حنظلة كرمز للمرارة“. .. وحنظلة، هوَ كلّ هذا دفعة واحدة !

وكان المُدهش أيضا في هذه التجربة أن الحواسيب مازالت آنذاك في تلعثماتها الأولى، لكن صديقي الفرنسي طوّع لوحة مفاتيحه لكتابة بعض التعاليق باللغة العربية، الشيء الذي كان يُعتبر في تلك السنوات إنجازا خارقا سبق الميكروسوفت وشركات إنتاج تطبيقات الكتابة الالكترونية وبرمجياتها… وكنت متأكدا أن تعاطفه مع حنظلة ومع جميع من يتماهون مع هذه الشخصية التي أسرت قلوب ملايين العرب والمتابعين من العالم هو الذي دفعه إلى “تفجير الحروف العربية” من كهوف الرموز والعلامات.

وكان من ضمن ما كتبت أنت أيضا :

“…يجب أن أعترف بأنني أحبُّ هذا الصبي عندما يتحرّك وربّما هو يشدّني إليه أكثر من “حنظلة الثابت” الذي لا يتحرّك ولا يردّ الفعل. ثمّ – وهنا، الفرنسي هو الذي يتكلم – إن الاحتفاء بحنظلة الذي يرمي حجرا يجب أن يُحمل على أنه دليل أكبر على الالتزام والانحياز لأن ذلك يفترض تفكيرا مسبقا وتمشّيا واختيارا. وإذا أعلنّا أننا نحب حنظلة، فذلك يقتضي أن نُمسك به في كل أبعاده. ويجب الاعتراف أيضا بأن صورة السلام التي يجسّدها يصيبها شيء من الانطفاء ولكننا إذا نظرنا إلى المشهد عن قرب، ندرك سريعا أن السلام هو شيء يُبنى ويُستحق لا مجرد شعار يروّج للاستهلاك العام.”

وكانت البداهات هي من دعتك إلى بناء فهم جديد حول فلسطين :

كانت علاقتك بتونس وبالتونسيين حاسمة في تغيّر نظرتك لما يحدث في فلسطين، لكن الحقائق البديهية التي تتكتّم عليها وسائل الإعلام المتنفذة في العالم هي التي جعلتنا نتبنّى حنظلة معا ونحتضنه ونوزّعه على نطاق واسع لا على معنى “التشريد” كما يفعل الصهاينة بل على معنى “التغريد” الإيجابي بما يُعيد الحقّ التاريخي إلى أصحابه ويُعيد الوافدين الرحّل إلى أوطانهم الأصلية حيث صُلِبوا وأُحرقوا ونُكّل بهم …والله يشهد أن الفلسطيني في حِلّ مما حدث لهم قبل الحرب العالمية الثانية.

من هذه البداهات، ما قالته الجامعية الفلسطينية حنان العشراوي “نحن الشعب الوحيد في العالم الذي يُطالَبُ بالمحافظة على أمن من يحتلّ أرضه، بينما إسرائيل هي الهوية الوحيدة في العالم التي تزعم حماية نفسها من ضحاياها”.

ومن هذه البداهات أيضا : أن المَجَري تيودور هرتزل الأب الروحي للصهيونية السياسية فكّر في توطين اليهود بأوغندا ثم بالأرجنتين قبل أرض فلسطين بما يعني أن مشروع التوطين لا ينبني على معطيات تاريخية وجذور ديموغرافية وجغرافية مزعومة بل هو مشروع سياسي استعماري استيطاني صرف كان من الممكن تنفيذه في التشاد أو في الهونولولو !

والبداهة الثالثة (وليست الأخيرة) أن ذاكرة الأحياء بيننا اليوم (وليس ذاكرة الأرشيف البعيد)  مازالت تحتفظ بأسماء قرى ومدن فلسطينية تحوّلت خلال السنوات القليلة الماضية إلى كيبوتزات ومستعمرات صهيونية بأسماء اجترحوها من حائط مبكاهم الكاذب… فتحولت طولكرم إلى عيناف وبيت لحم إلى بيتار عيليت وبيت جالا إلى هار جيلو …

وكنت أُمازح صديقي الفرنسي دائما بالقول : تصوّر لو تتحول بعد خمسين سنة فقط مدينة روان الفرنسية إلى قطاع نحتلّه ونطلق عليه “إقليم الشراردة” أو نسطو على مدينة غراس (الشهيرة بالعطور المستخلصة) ونطلق عليها  اسم “تل الزعتر” !

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار