تابعنا على

جور نار

التونسي كي يسمع كلمة “مجلسْ” … يستلبسْ !

في المجلس الأعلى للتربية

نشرت

في

شكرا للإعلامي المُشرق صديق الكلمات البهيجة صاحب برنامج “مجرّد سؤال” على الإذاعة الوطنيّة عزالدين بن محمود، الذي مكّنني يوم الجمعة الماضي من بلورة بعض الملاحظات حول ما يدور خلال الأيام الأخيرة من حديث حول المجلس الأعلى للتربية وضرورة إرسائه كآلية إنقاذ للمنظومة التربوية التونسية مما آلت إليه من هُزال وسوء أداء. فكانت المداخلة التالية التي تمحورت على أربع أفكار أساسية :

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

ولكن قبل ذلك، أتاح لي السيد بن محمود فرصة التذكير بأن النخبة التونسية بصورة عامة لا تطرح السؤال على نحو “ماذا ستجْنيه تونس من بعث مجلس نيابي أو هيكل قضائي أو هيئة وطنية ما ؟” بل تطرحه دائما على نحو “ماذا يمكن أن يجنيه الأفراد من الجلوس في المجلس أي التموقع داخل هذه المؤسسات ؟” … لذلك، وبمجرّد أن أعلن رئيس الجمهورية أن أكبر الجرائم التي تُقترف اليوم في حقّ تونس هي ضرب منظومة التربية والتعليم، وأنه لا بدّ من الإسراع ببعث مجلس أعلى للتربية يتولّى مهمة إصلاح وضع المدرسة التونسية، تعالت أصوات أئمّة التربية وفقهاؤها ودهاتها وحكماؤها وعلماؤها وراحوا يخيطون مواصفات من سيشرف على حظوظ هذا المجلس على مقاسهم… وكأني بهم مقاولون يتسابقون بشكل محموم لكسب معركة بتّة عمومية مُربحة جدا. وبرز المترشحون الذين يعتبرون أنفسهم الأجدر بترؤس هذا المجلس بالنظر إلى شهائدهم العرمرم ويافطات الخبرة الدولية (حتى أن  واحدا منهم سمّى نفسه خبيرا استراتيجيا في إصلاح المنظومات التربوية) دون أدنى حديث لا عن مشمولات هذا المجلس ولا عن آليات تسييره أو انتظارات المجتمع من بعثه.

وبالتالي فقد صحّ قول الأستاذ فتحي بوغرارة الذي علّق على المعارك الدائرة رحاها حتى على صفحات الفايسبوك بأن “رهان المناصب أشرس أعداء الإصلاح“.  

الفكرة الأولى : المجلس الأعلى للتربية مؤسسة قديمة جدا في تونس

أول مجلس أعلى للتربية في تونس كان سنة 1888 وكان اسمه المجلس الأعلى للمعارف “يعطي رأيه في الإصلاحات وفي الميزانية وفي التأديب بالنسبة لأعضاء التعليم”. ثم المجلس الأعلى للتربية القومية سنة 1958 الذي “تقع استشارته في المسائل المتعلقة بالتعليم وخاصة في تأسيس المعاهد المدرسية وبرامج الدروس والامتحانات والكتب…” إلى أن جاء القانون التربوي عدد 65 لسنة 1991 الذي “تقع استشارته في المسائل ذات المصلحة الوطنية المتعلقة بالتربية والتعليم…”.

وهكذا يتّضح أن هذه الآليّة ليست بجديدة على مدرستنا التونسية العريقة ولا هي ببِدعة تفتّقت بها قريحة بعضهم، وكان دائما الهاجس الأكبر الذي تتغذّى منه فكرة “هيئة عليا للتربية” هو الإيمان بأن الوزارة والدولة عموما تنفّذ وتفعّل وتطبّق ولكنها لا تبني التصوّرات ولا تقدر على تشخيص واقع المرفق الذي تشرف على تسييره بموضوعية وأنه لا بد من خبرات عالية في المجال تتحلّى بالموضوعية والقدرة على إكساب مدرستنا مزيدا من النجاعة خاصة في ضوء “ابتلاعها” للجزء الأكبر من الميزانية العامة للدولة.

الفكرة الثانية : المجلس الأعلى للتربية منظومي وليس قطاعي

التربية في أغلب بلدان العالم هي قطاع واسع متعدد الروافد والطوابق ولكن تستوعبه وزارة واحدة تُعنى بكل ما له صلة بالتربية والتكوين والتعليم العالي والبحث العلمي (بإدارات عامة قطاعية). أما في تونس فلدينا تعليم ما قبل مدرسي تشرف عليه وزارة المرأة وتعليم أساسي وثانوي تشرف عليه وزارة التربية وتكوين مهني تشرف عليه وزارة التكوين المهني وتعليم جامعي تشرف عليه وزارة التعليم العالي… إلى جانب تكوين مُمَهنن تشرف عليه وزارات أخرى مثل الفلاحة والسياحة والصحة والداخلية والدفاع… تكوين متشظّ يشبه إلى حدّ كبير تشقّق منطق دولتنا وتصدّعه في تسيير أمور البلاد. والغريب في تونس أن المعلم الذي يستقبل أطفال المحاضن ورياض الأطفال لا فكرة لديه مطلقا حول ما درسه هؤلاء قبل وصولهم الى المدرسة وأستاذ الإعدادي والثانوي غير مطالب بالاطلاع على ما يُدرّس أو لا يُدرّس في الابتدائي والأستاذ الجامعي في كوكب آخر لا يهُمّه البتّة ما تتناوله البرامج في الثانوي…

وعليه، فإن مهمة ضرورة تأمين الترابط والتكامل العضويّين بين كل مفاصل التكوين ومحاضنه تقتضي أن يكون “المجلس الأعلى للتربية والتكوين والتعليم العالي” متألّفا ضمن تركيبته من المعلم والأستاذ والمكوّن والجامعي والاقتصادي والمختص في عالم الشغل ورجل القانون…

الفكرة الثالثة : العالم لم يعد يتبنّى مقاربة “الاصلاح التربوي الشامل”

أمام اصطدام أي إصلاح تربوي مهما كان شاملا ومتبصّرا ومتكئا على تصورات أعتى الخبراء والدارسين بإكراهات الواقع الميداني للمدرسة و”حقيقتها المُركّبة” التي يصعب الإمساك بها في علاقة بمحوريتها داخل المجتمع وشساعة الجمهور الذي تتعامل معه ويتعامل فيها (لذلك سمّيت بماموث التربية : نسبة إلى ذلك الفيل الضخم المنقرض الذي كان يعيش في أوروبا الوسطى قبل مليون سنة)… وبات لا يُنفّذ من تجديداته وتوصياته إلا جزء يسير جدا… فضّل عديد الخبراء ووزراء التربية في العالم اعتماد مقاربة جديدة مفادها أنه “بدلا من البحث عن سنّ قانون ضخم بشأن التربية، من الأجدى أن نشتغل على رافعات تغيير أساسية من أجل تحديد جملة من الأولويات البارزة التي لا خلافات جوهرية حولها“… لأن الإصلاح ليس هو الذي يغيّر المدرسة ويؤثّر في مُخرجاتها، وإنما المدرسة هي التي تعدّل هذه الاصلاحات وتُحرّفها وتُحوّل وِجهتها وتختطفها أحيانا.

وفي وضع مدرستنا التونسية، أعتقد أن الأولويات واضحة ولا يختلف فيها اثنان عاقلان  :

  • فصَهْر أضلع منظومة التربية والتكوين والتعليم في كيان واحد… أولوية (ولو في شكل هيكل وطني مؤقت عابر لكل الوزارات والهياكل المعنية بالتربية)
  • ووضع حدّ لتراجع مكانة الرياضيات في مدرستنا …أولوية
  • وإعادة هيكلة الشعب المدرسية…أولوية
  • وجعل مسلك التكوين المهني معبرا أساسيا بمواصفات عالمية متطورة … أولوية
  • وتطويق المصائب التي تحدث في المستوى الإعدادي… أولوية. (في هذا المستوى أي في سنّ 13 – 16 سنة) يتكثف الانقطاع وتنتشر الزطلة ويتصاعد العنف وتتشكل فيه نهائيا الشخصيات المأزومة والأمزجة الملغومة.
  • إلخ….

الفكرة الرابعة والأخيرة : رسالة إلى سيادة رئيس الجمهورية

على رئيس الجمهورية أن يمضي في تصريحاته المتعلقة بالتربية والتعليم إلى مداها الأقصى ويبعث مجلسا مؤقتا للتربية والتكوين والتعليم العالي (لأن الأصل في أن تكون هذه الآلية الاستشارية دستورية وممثلة بشكل ديمقراطي لكل الجهات المحمولة على أن يكون لها رأي في سير هذا المرفق الحيوي) يكون متخفّفا تماما من الانتماءات الحزبية وكذلك بل وخاصة متجرّدا من حسابات أي نوع من الامتيازات والجاه والسلطان ويُعهد إليه بمهمة عاجلة وحيدة :

إنقاذ سفينة التربية والتعليم من الغرق النهائي من خلال حزمة من الإجراءات الآنيّة التي لا يستغرق التداول بشأنها أكثر من شهر أو شهرين وتكون نافذة على سبيل المثال بداية من السنة الدراسية القادمة.

ويتحتّم أيضا في سياق ذلك عدم انتهاج سياسة “الطاولة المُمحاة” أي ضرورة السعي إلى تثمين مكتسبات الماضي ورسملة ما هو إيجابي في منظومتنا التربوية والتكوينية والتعليمية اليوم وكذلك ما أتت به مختلف الإصلاحات المتعاقبة أو محاولات الإصلاح التي جرت في مختلف مراحل تطور المدرسة التونسية.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار