تابعنا على

جور نار

الشعب التونسي هو الشعب الوحيد في العالم …

… الذي يرعى دوْلتَهُ بدلا من أن ترعاه !

نشرت

في

 أمطرونا خلال العقود الأخيرة بأنه انتهى عصر الدّولة الرّاعية والمُرضعة، خاصة بداية من نهاية سبعينات القرن الماضي تحت تأثير الأزمة العالمية الشاملة، والتي كان من مؤشراتها البارزة انكماش النموّ الاقتصادي وتصاعد معدّلات البطالة وتنامي صعوبات تمويل التغطية الاجتماعية، وأنه قد حلّ محلّها نموذج آخر تتخلّى بموجبه الدّولة تدريجيا عن التزاماتها حيال شعبها وخاصة تجاه فئات الهامش الفقيرة، فتراجع الإنفاق العمومي في كل المجالات الحيوية مثل الصحة والتعليم والنقل وباقي المرافق العمومية … حتى كادت تتحوّل الدولة إلى مجرّد جابية للضرائب وجالبة للمتاعب والمصاعب.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

لكن ما يُعتّمون عنه بإصرار هو أن الدول المحسوبة على الليبرالية الموغلة في رأسماليّتها مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا والدول الاسكندينافيّة، مازالت توفّر أفضل الخدمات الاجتماعية المدعومة كليّا أو جزئيّا وتسنّ التشريعات وتُقرّ الإجراءات من أجل أن لا يبقى أحد على قارعة الطريق. وفيها توجد أفضل النظم التعليمية العمومية وأكثر المستشفيات العامة تطورا وأحسن الطرقات وأجود أصناف النقل العمومي… يُخفون هذا الدّور الاجتماعي الأساسي بعناية لمحاولة إيهامنا بأن “جريمة إهْمال الشّعوب” طالت كل شعوب العالم.  

أما في تونس، التي بُليتْ على مرّ التاريخ بقيادات أمْسَكت بالسلطة لفترات طويلة أو قصيرة لكنها عجزت تماما عن التّأسيس لمقوّمات دولة قوية وعادلة ومجتمع متطور لا يضطر أبناؤه للهجرة وشبابه للنَّطْرة وحدود بلاده للكُنْطرة… في تونس، حتى بعض المكتسبات الثّمينة التي حقّقها أبناؤها بكثير من العناء والضّنك والإعياء، يتمّ تبديدها والتفريط فيها بشكل منهجي أمام أعْيُن حكومات رخوة ومؤسّسات طريّة تنام ملء جفونها ليلا وكأنها غير منزعجة مُطلقا ممّا يحدق بالتونسيين من أخطار وأهوال. فالإدارة استباحها بعض أولئك الذين جعلوا منها رُكنا من أرْكان “دَارْ بُوهم”، والطرقات باتت في أغلبها مسالك للصيد العشوائي، وتحوّل النقل العمومي إلى عُلبٍ قصديريّة مُنفّرة تنعدم فيها أبسط شروط الكرامة واحترام الذات البشرية، وأصبحت المدارس العمومية في أغلبها خيار من لا خيار له…

لكن التونسي مثل طائر الفينيق ينبعث دائما من جديد حتى بعد احتراقه تماما … ويظل راعيا لدولته مهما أمعنت في ترذيله

إن الذين يرعون الدولة التونسية حتى لا تسقط ويصونون عورتها حتى لا تتّسخ بقايا صورة التونسيين في مرآة العالم :

هم بنات تونس وأبناؤها الذين يحتلّون المركز الثاني عالميا من حيث نسبة الحاصلين على شهائد في التكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

هي عديد المؤسسات الجامعية التونسية الحاصلة على تأهيل أكاديمي دولي يمكّن خرّيجيها من التناظر بنفس الشروط ونفس الامتيازات مقارنة مع نظرائهم الأجانب في الساحات الأكاديمية والشغليّة العالمية.

 هم بنات وأبناء المعهد التحضيري للدراسات العلمية والتقنيّة بالمرسى IPEST الأفضل ترتيبا مقارنة بــ 122 معهدا فرنسيا يُعِدُّ لمناظرات كبرى المدارس الفرنسية للهندسة حسب المصادر ومقاييس التصنيف الفرنسية.  

هم نواة الجامعيين الذين يتحدّون قلّة ذات اليد وضعف الموارد وتصلّب شرايين إصلاح منظومتنا التعليمية والتكوينية بصورة عامة، ويحققون نتائج تُضاهي ما يتحقق اليوم في أكبر الجامعات من حيث جودة التأطير ومستوى التأهيل.

هم الباحثون الشبّان في مجالات التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي من أمثال الرّيادي كريم بقير (صاحب مقولة “ليس هناك ما هو عظيم ونستطيع إنجازه في يوم واحد“) والمهندسة أمل مخلوف المتوجة بجائزة المعهد العالمي لعلوم الفضاء في هولندا، والمهندس خالد لطيّف المرتّب ضمن قائمة أفضل 30 باحثًا مؤثرًا في مجال الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء على مستوى العالم، ولينا نصيب العالمة التونسية في فيزياء الفضاء…وآلاف التونسيين المهاجرين الذين يساهمون بفعالية نادرة في مسارات البناء والإنشاء والتطوير والتحديث على المستوى الكوني.

هم الرياضيّون أمثال أنس جابر وروعة التليلي والحفناوي والملولي والجندوبي الذين لم يتمتّعوا بدعم يُذكر من الجهات الرياضية والإعلامية والسياسية الرسمية، لكنهم ثابروا وكسروا سلاسل المحلية الخانقة ليجدوا أنفسهم في أشهر الملاعب والحلبات العالمية يُنشدون “سواعد يهتز فوقها العلم… نُباهي به ويُباهي بنا“.

هم الأطباء والممرّضون التونسيون الذين لا يكاد يخلو منهم مستشفى أوروبي، لعبوا دورا حاسما خاصة خلال أزمة الكوفيد عندما كان فعل التطبيب في تلك الظروف الاستثنائية فعلا قتاليا لم تعرف الانسانية مثيلا له على مرّ التاريخ… فأطلقوا عليهم “ميدعات قرطاج المُنقذة“.

هي السّواعد الزّارعة والمُخصّبة والمُنتجة لزيت الزيتون المتقدّم على زيت إسبانيا وإيطاليا واليونان في جلّ المسابقات العالمية.

هم الفلاحون والمستثمرون الذين يكدّون ويزرعون ويعمّرون الصّحراء نخيلا وزيتونا… بصورة فرديّة.

هم الفلاحون الذين لا يتعقّلون جيدا معاني مفهوم “السيادة الوطنية” لكنهم ينذرون حياتهم للمحافظة على بذورنا ومشاتلنا التونسية المُبيّئة وعدم التّعويل على خلايا الإرشاد الفلاحي النائمة.

هم العسكريّون والديوانيّة الذين لم يسلّموا سلاحهم يوما رغم ما طالهم من تصفيات وخيانات والذين يُطيحون يوميا بأكوام من المال المهرّب والسّلاح المُنيّب… ولا يقبلون المساومة.

هم شريحة هامة من المعلمين والأساتذة المرتدّين إلى درجة الصفر على سلّم “الأجور الضّامنة للحدّ الأدنى من الكرامة والعزّة والاعتبار”، لكنّهم يتعبون من أجل الوصول بتلاميذهم إلى مستوى القدرة الدنيا على مواجهة استحقاق الامتحانات الوطنية التي “لا تجامل ولا تعادي”.

هم كل أولئك الذين جعلوا من تونس وإلى حدّ اليوم (رغم تراجع منسوب الاحساس بالأمن على الطرقات وفي الفضاء العام)، بلدا تجوبه من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب دون أن تعترضك نقطة أمنية واحدة ولكن دون أي اعتراض مناوئ أو مهدد لسلامتك في نفس الوقت (وقد حدث معي مثل هذا شخصيا ومع أصدقاء لي خلال كل السنوات الأخيرة).

… وغيرها من المؤشرات الأخرى الدالّة على أن التونسيين يتولّون بأنفسهم ما هو محمول على دولتهم لوعيهم بأن الوهن الذي أصابها ظرفي وزائل لا محالة، وأن التاريخ سيسجّل أنهم شعبٌ رعى نفسه حتى يبقى على قيد الأمل ورعى دولته مانعا إيّاها من التهاوي والتفتّت.

قد يقول بعضكم، نعم ولكن هذه النماذج تبقى معزولة والصامدون قلّة قليلة ولا مستقبل لشعب تخلت عنه دولته و”ما مستقبل المجتمعات التي تُشغّل كل المكابح من اجل الهزيمة الجماعية خوفا من الانتصارات الفردية” ؟ كما تساءل مؤخرا صديقي شهاب الصالحي الكفاءة التونسية المهاجرة هو الآخر والذي يساهم في صنع أمجاد منظومات في بلاد غير بلادنا، لكنه يساهم في صنع صورة ناصعة لبلده تتوفّر بالتأكيد على قيمة مضافة في مستويات أخرى… نعم، فإن دواعي الإحباط أعلى منسوبا من بؤر التفاؤل والثقة بالمستقبل، لكننا سنهزم “السيستام” يوما ونطوّعه لما نُريد، فأغلب السيستامات مهما كان عتوّها هزمتها إرادات فردية وطموحات جيّاشة نمت في رحم اليأس.  

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار