تابعنا على

جور نار

“الهوية الثقافية لموريسكيي تونس” *

نشرت

في

الهوية هويات تتراكم في الزمن و لمَ لا في المكان الواحد … و كما يقول أمين معلوف “هي لا تسنَد دفعة واحدة، بل يتم بناؤها و تحوّلها على طول العمر” … نعم … و نحن في جمهورية تونس عرفنا ذلك و قرأناه و عجبنا من كثرة هذه البناءات التي رفعناها و هدمناها و أعدنا الإنشاء مرارا و تكرارا على مدى ثلاثين قرنا … و ها أن صديقي منذر شريّط يسلّط ضوءه الكشّاف على إحدى هويات هذه البلاد المعمّرة المعمورة، هوية طرأت علينا منذ أربعة قرون و استقرت نهائيا على ما يبدو … اندمجت؟ لم تندمج؟ أضافت؟ لم تضف؟ هذا ما حاول باحثنا الشاب التنقيب عنه، و هذا مما حاولنا مطالعته و مساءلته في كتابه البكر “الهوية الثقافية لموريسكيي تونس” …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

من هم هؤلاء الموريسكيون؟

يقول الكاتب (ص 36): “هم المسلمون بالأندلس بعد سقوط غرناطة سنة 1492 و هم الذين اجبروا على اعتناق المسيحية و تظاهروا بذلك و فقدوا استعمال اللغة العربية، ثم هاجروا خلال القرن السادس عشر و بداية القرن السابع عشر، و كانت ثقافتهم تختلف عن الثقافة العربية الإسلامية لأسلافهم الملقبين بالأندلسيين و الذين هاجروا من الأندلس قبل القرن السادس عشر” … و قد غادر الموريسكيون إسبانيا فتفرقوا بين النواحي و خاصة بالمغرب العربي … و حط منهم ما يزيد عن 80 ألفا الرِّحال بتونس، و هو العدد الأكبر بين دول شمال إفريقيا، حسب معظم المؤرخين (ص: 37) …

جاء الموريسكيون إلى تونس، خاصة بين سنتي 1609 و 1614 … و قد جلبوا معهم إرثا ثقافيا متنوعا في المعمار و الريّ و الملابس و الموسيقى و الأغذية أثرى و أثّر في تراث تونس و ثقافتها … هذا بديهي و شواهد منه ما زالت قائمة إلى اليوم، و سنعود إليه قليلا في ما بعد … و تأسست مدن لهم أو بهم أو لأجلهم ما تزال تنتشر في شمال البلاد خاصة … و انحدرت منهم عائلات عدة بقيت ألقابها متعاقبة إلى زمننا، و شكّل ذلك جزءا حيويا من فسيفسائنا الوطنية الجميلة …

و لكن ما يدهشني في علم التاريخ و متخصصيه، أنهم لا يقعون في ما نسقط فيه نحن عادة من أوهام نتوارثها كما نتوارث السقوط فيها … فكلما دار بيننا حديث عن الأندلس البعيدة و الوافدين منها القريبين، سارعنا إلى جملة من القوالب الرومانسية التي تكاد تضع الأندلس في مقام الجنة الضائعة، و ذوي الأصل الأندلسي من ذوي الكرامات نزلوا على حضارتنا بردا و سلاما … بينما أتت الحقيقة مختلفة قليلا (و حتى كثيرا) عن هذه الصور الحالمة التي كانت إلى وقت قريب من المسلّمات…

فمخطئ من كان يعتقد أنها قصة عرب مسلمين هربوا من “بلاد الكفر” إلى “بلاد الإيمان” أي بلادنا، سعداء بالرسوّ أخيرا على أرض أشقّاء و أجداد، معترفين لها بفضلها، مندمجين بسرعة بين رعاياها، مضيفين إليهم من فنون و علوم أوروبا النهضة الشيء الكثير … إذ أوّلا، و هذا موضوع الكتاب، كانت لهؤلاء “هوية متفرّدة حافظوا عليها بقواعد نقل مختلفة كالتقية و السرية و التمويه” (ص 11) شأنهم شأن “أمة لها لغتها و دينها و حضارتها” (ص: 15) و قد حافظوا مثلا “على لباسهم المختلف عن العرب و البدو (التونسيين) و على اللغة الإسبانية التي يتسامرون بها” (ص: 143) كما أن “نساء تستور بقين يتبادلن الحديث بالإسبانية إلى أوائل القرن الثامن عشر” (ص: 155)

كما أن نسبتهم ـ حصريا ـ إلى مقاطعة الأندلس الإسبانية تستحق تدقيقا، إذ يوجد منهم من وفدوا من كاتالونيا و قشتالة (ص: 146) … و جميعهم خرجوا من شبه الجزيرة الإيبيرية مُكرهين لا راغبين (ص 15)… و بعضهم جاء مطرودا من فرنسا حيث حاولوا الاستقرار، رغم أن فيهم تجارا أثرياء و معارف إفرنج (ص 40) … أي أن هؤلاء لم يكونوا تونسيين من أصل أندلسي، بل هم إسبان وقع تهجيرهم بالقوة عن موطن و قارّة لم يفارقهم الحنين إليهما …

و يجد توافدهم بتلك الضخامة إلى تونس تفسيره في إطار لعبة سياسية قام بها الاحتلال العثماني … فقد كانت ” الجالية الأندلسية غريبة عن البلاد تماما مثل الأتراك … و قد جعل هؤلاء منها فئة محظوظة نسبيا بالمقارنة مع الأهالي المبعدين عن الهياكل السياسية للبلاد … فأدرك الأندلسيين شعور بالتفوق على الأهالي و هو نفس الشعور الذي نجده عند الأتراك” (ص 38) … و مقابل ذلك، كانت الجالية الوافدة تمثل قاعدة متقدمة للسلطة في عدد من الجهات، و تضع نخبها على ذمة الحكم في إدارة شؤون الدولة (ص 145)

و قد ترتبت عن ذلك نتيجتان: خلق طبقة إقطاعية جديدة تم تمتيعها بإعفاءات جبائية (ص 131) و ضيعات شاسعة بأخصب مناطق البلاد … فانتشروا في أربع من هذه المناطق: ريف العاصمة الفلاحي كأريانة و سكرة و طبربة و مرناق و رادس، ولاية نابل كسليمان و قرمبالية و منزل تميم و منزل بوزلفة و دار شعبان، سهول وادي مجردة كتستور و السلوقية، بنزرت و ما جاورها كماطر و رفراف و رأس الجبل و ماتلين و غار الملح. (ص 42) كما أنهم تحوّزوا على أراضي زغوان الثرية و مياهها (ص 132) و النتيجة الثانية، أن أهالي البلاد ضاقوا ذرعا بهذا التمييز فـ “قامت جماعات محلية (أي الشعب الكريم)  بالتمرد في القرن 18 زمن حمودة باشا على الامتيازات التي حصلت عليها الجالية الأندلسية” (ص: 170)

نأتي الآن إلى باقي عناصر الهوية الثقافية لهؤلاء الوافدين … ذكرنا اللغة الإسبانية التي تشبثوا بها قرابة المائة عام، و كذلك الملابس (المختلفة عن عرب تونس و بدوها، للتذكير) و المعمار ممثلا خاصة في الجامع الكبير بتستور (ص: 150)… كما ذكر الكتاب معتقدات خرافية حول السحر و الجن مردها الخوف بسبب ما عانوه من اضطهاد في اسبانيا (ص: 139) … و تمنيت عليه لو ذكر لنا علاقة هذه الجالية بالتراث الغنائي الأندلسي بما فيه من موشحات و أزجال و مالوف … و لو أن بي شكّا في علاقتهم بذلك رغم وجود مهرجان بتستور ينسب إليهم …

ما يلفت النظر أيضا … غياب أية إضافة صناعية متطورة جاء بها الموريسكيون إلينا من أوروبا عصر النهضة، حيث عُرفت بعدُ الطباعة و أول المناظير الفلكية و حتى الميكروسكوب … دون الحديث عن الاكتشافات الكبرى التي وسّعت جغرافيا أوروبا ترابيّا و اقتصاديا و علميّا …  و دون الحديث أيضا عن فنون الرسم و النحت التي شهدت تطورا مذهلا خاصة في إسبانيا (فيلاسكيز، الغريكو …)، و كذلك الأدب (سيرفانتس) و المسرح … و هنا، يقول أحد الموريسكيين المذكورين في الكتاب لصاحبه: “أُصِبنا بهوس المسرح فلا نتخلف عن أي عرض و قد نشاهد المسرحية الواحدة مرتين أو ثلاثا” (ص: 154) و هو يروي أحداثا حصلت سنة  1604 بمدينة طليطلة … فلماذا ـ يقول قائل ـ لم يجلبوا هذا الفن معهم إلى تونس في ذلك الوقت ؟!

غريب حقا … خاصة إذا عرفنا أن كل من جاء من هناك كان إما مواطنا عاديّا  أو مزارعا أو فقيها (على غرار الشريف القسطلّي ـ ص: 145) أو حِرَفيّا … و على ذكر الصناعات التقليدية، فكثيرا ما راجت عندنا حكاية صناعة “الشاشية” و كأنها عملية تخصيب لليورانيوم … حتى هذه، هناك شكوك في أن موريسكيينا أتوا بها إلى تونس، إذ أن “صناعة الشاشية مثلا تنسب عادة إلى الأندلسيين، في حين كانت موجودة في تونس منذ الربع الأخير من القرن 16، أي قبل مجيء الأندلسيين إلى بلادنا” (ص: 36) … كما أن”الازدهار الذي عرفته بلادنا خلال القرن 17 لم يكن بفضل قدوم الأندلسيين و إنما يعود لانتعاشة قطاع القرصنة” (ص: 36)

و قد نفهم هذا التعظيم لفضل الموريسكيين على تونس (لا العكس) حين نجد “الرحالة الأوروبيين الذين زاروا تونس خلال القرن 18 يتحدثون عن الدور الريادي الثوري الذي لعبه الأندلسيون في البلاد التونسية منذ حلولهم بها”، فيما ” لم يعبر المؤرخون التونسيون في تلك الفترة عن انبهارهم بالحضور الأندلسي” (ص: 35) … و هنا يتساءل مؤلف الكتاب: “ألم يكن الحديث عن دور ريادي للأندلسيين مجرد أسطورة ابتكرتها المدرسة الاستعمارية؟” (ص: 35) و يستخلص نقلا عن عبد الحميد هنية: “يبدو أن المبالغة في تثمين نتائج الهجرة الأندلسية مردها تلك النظرة القائمة على الذات الأوروبية المركزية” (ص: 57)

صفوة الاعتبار … هذا كتاب يُقرأ و تُعاد قراءته، لا من الباحثين أو الشغوفين بتواريخ الشعوب فحسب … بل من أغلب التونسيين الجاهلين قدر بلادهم كملجأ لمضطهدي العالم شرقه و غربه … و خاصة أولئك الذين ـ عن حق أو باطل ـ يتبرّجون بألقاب و أنساب يرون فيها علوّا على بني وطنهم … و العار يكبر حين يكون ذلك النسب المجيد أجنبيا بالحتم … طبعا، لا ذنب للأحفاد في ما صنعه الأجداد، و لا فضل لهم أيضا … و لن ألوك شعارا عمّ حتى خمّ، حين أقول إن تونس لكل التونسيين، شرط أن يكونوا لها حصرا لا لغيرها …

لقد أُطرِد مئات ألاف الإسبان من بلدهم زمن حرب الاسترجاع و ما بعدها، و عاملهم المؤرخ الغربي “على أنهم مجموعة تحوم حولها شكوك في ما يخص ولاءها للوطن الإسباني” … فهل كثير على “الوطن التونسي” أن يطالب بولاء مماثل؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* “الهوية الثقافية لموريسكيي تونس” لمنذر شريط ـ نشر مؤسسة مجمع الأطرش للتوزيع ـ 199 صفحة ـ السنة 2021

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار