تابعنا على

جور نار

بلد ناطحات التراب (5)

نشرت

في

بعد حرقه في الثورة، حي هلال دون مركز للأمن منذ 9 سنوات – Nawaat

رجاني بعض القراء الكرام أن أفسر عنوان الجزأين الماضيين من المقال … ولكي أجيب عن ذلك، أعود إلى بضعة عقود خلت حينما كنا على مقعد الدرس في الثانوي …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

المادة كانت جغرافيا والدرس يتعلق بأشكال المدن … وكان أستاذنا المهيب سي منصف بوغزالة، يشرح لنا كيف تصاغ الحواضر معماريا مع تفصيل ذلك بالرسم والصورة … واستعرض لنا نماذج من المدن العصرية المخططة شوارعها بنظام المربعات كنيويورك، أو بنظام الدوائر على غرار لشبونة، أو بنظام الأشعة أو الطائرات المتلاقية في الوسط … مثل ساحة النجمة أو الكونكورد بباريس … وفي الأخير وصل بنا إلى هندسة المدن الفوضوية (العربية) التي تتداخل مسالكها مثل العروق في نبتة مسنّة، ورسم لنا حبّة من ثمرة متكمّشة وقال: هذا يسمّى تصميم البطاطس (Plan patate) … وقد رسخ ذلك في أذهاننا …

مع العلم بأن مدننا العتيقة وعلى عكس ما قد نتصور، فيها هندسة محكمة ووراءها مهندسون لهم فكر… وتلك المدن والأحياء تملك نظاما مرتبطا بحاجات ذلك الوقت… فللأسواق مكانها، وكذلك للدواوين والمدارس ودور العبادة وورشات الحرف وقلاع الجيوش، وصولا إلى المساكن والجنائن … أي نظام المدينة والحظيرة والجامعة … والذي يتجول في بلادنا العربي من العاصمة إلى القيروان إلى صفاقس إلى المهدية إلى الكاف وباجة والمنستير وسوسة وبنزرت وتوزر وتستور وسليمان إلخ … يلاحظ هذا، كما يلاحظ وفرة المرافق العامة التي كان مصمم المدينة يضعها على ذمة المارة، مثل الخانات (الفنادق) وحنفيات الماء الأثرية وأحواضها في الكاف وتبرسق مثلا، والتي ما زال بعضها شغّالا إلى اليوم …

تحدثنا عن فكر؟ نعم … فن العمارة رؤية ومنطق وغايات وأولويات، ومباني الأوطان الحارة الجافة ليست هي نفسها حيث البرودة والرطوبة، كما أن نوافذ المدن كثيرة التعرض للشمس مثلا هي أقل اتساعا من غيرها حيث يشحّ نور الشمس غالب السنة … بنفس المنهج، يتصرف المعماريون والمصممون بحسب مساحات الأرض المتاحة ويراعون ما يبقى للزراعة في بلاد تقل فيها الأراضي الخصبة … أو يحسبون حساب كلفة تلك الأرض في فاتورة العقار النهائية، تحت مبدإ: أكثر ما يمكن من البناء بأقل ما يمكن من الكلفة … لهذا، وبما أن مجلس ولاية (مثل نيويورك) رفض أن يعطي للبناءات أكثر من مساحة معينة على حساب الأراضي الفلاحية والمحميات الطبيعية… وفرض عليك فوق هذا، منتزها حضريا في قلب المدينة لا سبيل إلى المساس به كـ “سنترال بارك”… بما أنه فرض واقعا كهذا، لم يبق لبلدية المدينة وباعثيها العقاريين سوى التصرف في الجزء المتاح لهم كرصيد عقاري … ومن هنا جاء الامتداد العمودي للمدينة بدل التوسع أفقيا … يعني إذا كانت الأرض باهظة الثمن وربما مستحيلة الاستغلال، فإن الهواء في المقابل، لا ثمن له ولا اعتراض على استغلاله …

هذا طبعا علاوة على عناصر أخرى تدخل في التصميم، كاختصار المسافات وقرب المرافق من بعضها البعض، وتجميع الخدمات بدل تشتيتها، وإحكام مخطط المرور والنقل، وتمكين متاجر الجوار من سوق استهلاكية مكثفة من شأنها تحقيق أرباح ضخمة دون رفع مشطّ للأسعار … ودون نسيان سلاسة العمل الأمني وضمان أكثر ما يمكن من السيطرة على الطوارئ الكبرى في مجال يسهل فيه تنقل القوات النظامية وحتى رجال المطافئ والإسعاف … ويقابل هذا الاقتصاد في مساحات الأرض المبنية، تصرف مريح في سعة الشوارع والساحات العامة المحيطة … فإذا بقوانين الطريق العمومي تتيح شوارع فسيحة للجولان، وتمكّن هذه الكثرة من المتساكنين المتجمّعين في مكان واحد، من التحرك بيسر في جميع الاتجاهات … سواء كمترجلين أو كمستعملي وسائل نقل بشتى درجاتها، من الحافلة العملاقة إلى الدراجة الهوائية … لكل مجاله وحظوته والقانون الذي يحميه …

قلبي بدأ يوجعني عند الاقتراب مما حدث ويحدث في بلادنا العزيزة … عندنا يكاد يتم العكس تماما، وبشكل عبثي تتساءل بعده هلى عندنا مهندسون يفكرون في حياتنا، بل هل عندنا مهندسون يفكرون، بل هل هناك مهندسون من الأساس؟ … أولا وكما أسلفنا، تشعر أنه لا يوجد وعي بتاتا بأننا بلد ضئيل المساحة قياسا إلى معظم بلاد العالم … وثانيا هذه المساحة أربعة أخماسها إما صحراء أو مناطق قاحلة أو شبه قاحلة أو جبال صمّاء لا يسكن فيها حتى النسر الحالق، فماذا بقي؟ … مربعات صغيرة أو متوسطة بالشمالين الشرقي والغربي، وحوالي العاصمة والمدن المعمورة، وهي بالكاد تكفي ـ زراعيا ـ لإعالة شعب متوسط العدد يذهب معظم دخله لأجل الطعام … ومائدته تصرّ إصرارا على أن تكون من القمح ومشتقاته … ورمضانه يستهلك من البيض ما تعجز عنه كل طيور العالم … وعيده الكبير يأتي على الصين الشعبية نفسها لو كان سكانها خرفانا لا بشرا …

يعني لا قدرنا على تحقيق مداخيل تضمن لنا احتياجات أكبر من مجرد الأكل، ولا استطعنا تنويع ذلك الأكل نحو أنماط غذائية أرقى من الخبز والمقرونة والكسكسي، ولا ـ كي قدّر ربي ـ وفّرنا منظومة إنتاج تحقق لنا الاكتفاء وعدم مد الأيدي نحو هذه البلاد أو تلك الباخرة أو ذاك الصندوق الدولي … وهكذا ها أننا ندور ندور ونرجع إلى السياسة والكرامة والقرار السيادي … وها أننا نجد مفتاح كل ذلك في تفاصيل تبدو صغيرة ولكنها هي اللبّ لو كانت لنا ألباب … فلو كان لنا إحساس عال بالكرامة، لوضعنا اكتفاءنا الذاتي الغذائي قبل كل الأولويات، ولصار شعارنا “نموت ولا نستدين” بدل “نموت نموت ونحيا الوطن” وهو كلام إنشائي أجوف، فلو متنا جميعا من سيبقى في هذا الوطن؟ كما قال ساخر…

مهندسونا والذين وراءهم من بلديات ووزراء إسكان وراسمي أمثلة عمرانية ومحرري قانون العمران وأعضاء لجان ومعدي مخططات تنموية بلا حصر … هذا الجمع العرمرم لا يضع في حسبانه معطيات بسيطة يعرفها تلاميذ الابتدائي حول تونس جغرافيا وتضاريس وموارد طبيعية … بل يفلّحون وكأن تحت أيديهم الكرة الأرضية بأسرها لا فضاءنا المحدود، ويخترقون الأراضي الزراعية طولا وعرضا وكأنها تختفي هنا لتولد من هناك … فإذا المساحات المبنيّة تمتدّ أفقيا بشكل لا متناه كما قلنا سابقا، وإذا بمدننا تبدو من فوق بالطائرة وكأنها مخيمات لا مدن … وتأكل ولايات بكاملها كانت بالأمس القريب ضيعات وحقولا وغابات خضراء مونقة، كأريانة وبن عروس ومنوبة، فتحولت اليوم إلى ركام رمادي مسطّح مترام كأنقاض مقبرة … وفي المقابل تتقشف في الفضاء العام حيث تضيق الشوارع بشكل لا يصدّق، وتنعدم المساحات الخضراء تماما إلا ما رحم ربك وما ترك المستعمر… حتى المنتزهات الحضرية عملها بن علي ذات مرة ووضع عليها فائزة الكافي، وما إن راح وراحت، حتى أهملت هذه المنتزهات تماما …

مهندسونا ومن وراءهم، لا يقيمون وزنا لقيمة الأرض كما أسلفنا، فإذا هم بدل الاقتصاد فيها يقتصدون في الهواء وكأنه بالفلوس … والله … تماما كما يقتصدون في ما تحت الأرض (وهو مجاني أيضا) كلما تعلق الأمر بمشاريع مترو الأنفاق التي أجهضت جميعا … هل هو الجهل؟ لا أظن ذلك، فأعرف الكثيرين منهم وفيهم أجلاّء وأدمغة ويقدرون على الخوارق، ولكن هناك مشكلة أعمق … أحدهم صديقي وقد سألته يوما عن نفورنا من بناء العمارات الشاهقة أو حفر أنفاق للمترو … ولماذا نحن أوطى عاصمة عربية وأقلها بهجة بعد طرابلس الغرب … فقال لي إننا نتجنب ناطحات السحاب خوفا على مرور الطائرات، ونتفادي الأنفاق لأن العاصمة قريبة من البحر … وقد صدقته فورا ليقيني أنه لا يوجد أي مطار في نيويورك وطوكيو وهونغ كونغ …وأن مجالنا الجوي أكثر ازدحاما من “هيثرو” لندن حيث تحط وتطير رحلة كل ثلاث دقائق … وفي ما يخص الأنفاق والبحر فالناس في باريس والقاهرة حفرت ممرات تحت النيل ونهر السين بالإسمنت المسلح، أما نحن فربما نبني بالشوكوتوم أو البسيسة؟

ضحك صديقي وفهمني وفهمته … كان يستعرض الأسباب “الرسمية” التي ينهي بها مسؤولونا باقتضاب وحسم كل تقرير أو نقاش في الغرض … أما الأسباب الحقيقية فهي عديدة متشعبة وأحيانا ترتبط بمصالح ضيقة لهذه الفئة أو ذلك الشخص … ففي المجلة العمرانية مثلا، يتوجب على كل من يبني عمارة تفوق أربعة طوابق أن يجهزها بمصعد كهربائي، وقد يتطور ذلك إلى ما أكثر من مصعد بحسب عدد الطوابق والشقق … والمصاعد تتكلف ما تتكلف، شراء وتركيبا وصيانة … فيهرب الباعث العقاري من كل هذا ويقول ماذا دهاني؟ بدل عمارة واحدة بعشرين طابقا أشيّد خمسا وأستريح من كلفة مصاعدها … أما عن الأرض فهي من الدولة وبفضل علاقاتي أقتنيها بالدينار الرمزي أو ما يشبه …

وينال مراده واضرب ذلك في مئات وآلاف … و”الله لا يفكّر” في البلاد وفي مصيرها وغذائها وأراضيها …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار