منبـ ... نار
ترشيد وحوكمة الأنشطة الثقافية في المكتبات العمومية
نشرت
قبل 3 سنواتفي

كانت وما زالت المكتبة العمومية من أهم المؤسسات الثقافية التي تلعب دورا هاما في تثقيف المجتمع فهي لم تعد مجرد مستودع للكتب تقوم بإعارتها لمن يطلبها.

اليوم فاق دور المكتبة العمومية الدور التقليدي وأصبحت توفر خدمات إضافية من أجل الترغيب في المطالعة وتسويق رصيدها المعرفي لكل من يحتاجه، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الرهيب الذي فرض على المهنيين تحمل المسؤولية في تطوير أفراد المجتمع من خلال استنباط طرق جديدة لاستقطاب أكثر عدد ممكن من المستفيدين من خدماتها المتنوعة، خاصة أن المكتبة هي بالأساس خادمة لكل فئات المجتمع دون استثناء ،
في هذا السياق عملت إدارة المطالعة العمومية على إعداد إستراتيجية لضمان ديمومة المكتبة والحفاظ على روادها وجلب مشتركين جدد، وذلك من خلال إحداث العديد من التظاهرات الثقافية داخل المكتبات العمومية بدءا بالخطة الوطنية للترغيب في المطالعة وصولا إلى البطولة الوطنية للمطالعة التي انطلقت في دورتها الأولى سنة 2021 بالإضافة إلى الأنشطة التي تقوم بها المكتبات من حين لآخر.
ان تنظيم الأنشطة الثقافية في المكتبات العمومية ساهمت فيه عدة ظروف منها ما هو استراتيجي ويتعلق الأمر بالمنافسة الشرسة التي فرضها عالم التكنولوجيا والانترنت ومنها ما هو تشريعي ومادي من خلال صدور الأمر الحكومي عدد 635 لسنة 2017 المتعلق بالتنظيم الإداري والمالي للمكتبات الجهوية الذي مكن من توفير ميزانية خاصة للمكتبات مما يسّر تنظيم هذه التظاهرات الثقافية بالمكتبات وتبعا لذلك أصبح التنشيط الثقافي من بين الضروريات الأساسية في المكتبات العمومية لمنح الحياة وبعث حركية جديدة من أجل استقطاب أكبر عدد ممكن من المستفيدين والتوعية بأهمية الكتاب والارتقاء بقطاع المطالعة والتنمية الثقافية.
إلا أن نجاح أي نشاط مهما كانت طبيعته يستلزم مجموعة من المتطلبات والإمكانيات المهنية والمادية والبشرية، ويعتبر المكتبي العنصر الأساسي في تفعيل وإنجاح الحركة الثقافية بالمكتبة. ومن هنا سنحاول في هذا المقال طرح موضوع التنشيط الثقافي بالمكتبات العمومية ومدى نجاعته من خلال الإجابة عن بعض التساؤلات: ما هي المهارات الواجب توفرها في المهنيين لإنجاح هذه الأنشطة ؟ ما هي نوعية الأنشطة المنظمة من قبل المكتبات ؟ هل حققت هذه الأنشطة أهدافها ؟
ان المهارة هي القدرة والمعرفة بطريقة وكيفية أداء شيء ما بكل حرفية واقتدار وبمرور الوقت والممارسة تصبح هذه الخاصية جوهرية في العمل، وإذا تطرقنا للحديث عن المهارة الواجب توفرها في أخصائيي المعلومات لإدارة وإنجاح الأنشطة الثقافية بالمكتبة، سنتحدث بالضرورة على عدة صفات أساسية لتعزيز القدرة على النجاح وتحقيق الأهداف باعتبار أن التنشيط الثقافي في المكتبة له طبيعة متنوعة وموجهة لجمهور يضم كافة شرائح المجتمع بمختلف مستوياته الثقافية وعليه لابد للمكتبي أن يتحلى بالصفات التالية:
حب المهنة: على المكتبي أن يحب مهنته أولا وقبل كل شيء حتى يكون له الدافع الرئيسي للقيام بمهامه على أحسن وجه ويفرض وجوده وسط المحيط الذي يتعامل معه باعتباره الوسيط بين خدمات المكتبة بمختلف أشكالها والمستفيدين والتي يهدف من خلالها المساهمة في الارتقاء بالمجتمع .
الثقة بالنفس: تعطي القدرة للمكتبي وتحفيزه على المبادرة والإبداع في اقتراح وتنظيم أنشطة ثقافية هادفة وتمنحه الجرأة على التعامل مع مختلف الهيئات والمؤسسات الرسمية وكافة مكونات المجتمع لضمان دعمهم المادي والمعنوي في سبيل إنجاح كافة الأنشطة التي تقوم بها المكتبة.
التعلم والتكوين المستمر: يتلقى أخصائي المعلومات تكوينا أكاديميا بالجامعة وهذا التكوين يكون عادة نظريا، لهذا علينا كمهنيين ألا نكتفي بما تلقيناه من دروس نظرية بل لابد من مواصلة التكوين من خلال التعلم الذاتي عبر المطالعة والاطلاع على الدراسات التي تهتم بعلوم المكتبات أو حضور الملتقيات والدورات التكوينية وكذلك من خلال تبادل التجارب والخبرات في مجال علم المعلومات وأيضا التواصل مع المؤسسات ذات الصلة خاصة ونحن نعلم أن التنشيط الثقافي لم يكن مدرجا ضمن البرنامج الأكاديمي لهذا علينا أن نطور من معارفنا في هذا المجال والتدريب على تقنياته .
التواصل: هو فن وظاهرة اجتماعية ترتبط بطبيعة الإنسان وضرورة حتمية للتفاهم والتعامل مع الآخرين وهو دعامة أساسية للعمل المكتبي نظرا لما تتطلبه عملية الترغيب في المطالعة من قدرة على التواصل والإقناع، وعليه فإن المكتبي مدعو لإتقان هذه المهارة من خلال الإلمام بتقنياتها سواء كان اتصالا مباشرا أو غير مباشر ، وتعتمد عملية التواصل على الإقناع بأهمية الأنشطة التي تقدمها المكتبة وكيفية التخاطب مع الجمهور المستهدف كل حسب مستواه الثقافي.
العلاقات العامة: من المهم بالنسبة للمكتبي ربط العلاقات مع البيئة المحيطة به من أجل الاستعانة بها عند تنظيم الأنشطة خاصة مكونات المجتمع المدني من جمعيات ومؤسسات باعتبار ان الجمعيات ذات الصلة بالعمل الثقافي تساهم بشكل فعال في إنجاح أنشطة المكتبة من خلال الدعم المادي وجلب الجمهور وتشريكه في الأنشطة. وحتى يتمكن المكتبي من ربط هذه العلاقات عليه أن يتصف باللباقة وحسن التواصل. الثقافة الواسعة ، الجرأة وروح المبادرة لكسب ثقة كافة الأطراف وتمتين هذه العلاقات وتطويرها من أجل توحيد الجهود والتعاون وضمان تكامل النشاطات ونجاحها.
التسويق: في المجال الاقتصادي هو عبارة عن فن البيع وطريقة عرض المنتجات والخدمات بصورة تجذب انتباه المستهلكين وكسب زبائن جدد إلى الإنتاج المُرادُ بيعه ، أما في علم المكتبات فهو وظيفة إدارية تشمل مجموعة الأنشطة المتكاملة التي تسبق تقديم الخدمات والتعريف بالأنشطة المزمع تنظيمها بعد أن يتم تحديد احتياجات المستفيدين، لهذا فعملية التسويق مهمة جدا للمكتبي لإنجاح أي نشاط مهما كان نوعه فقد تكون الاستعدادات مضبوطة والبرامج جيدة والنشاطات متنوعة وممتازة لكن نقص التسويق لها والإعلام بها يسبب غياب المستفيدين مما يؤدي إلى فشل النشاط،
لهذا فالمكتبات اليوم في حاجة لتسويق خدماتها بمختلف أشكالها من أجل جلب أكثر ما يمكن من متلقين الشيء الذي يدعونا كمهنيين إلى معرفة تقنيات التسويق وكيفية الإعلام بأنشطة المكتبة بكفاءة وحرفية اعتمادا على التواصل المستمر مع كافة شرائح المجتمع من خلال الإشهار والدعاية وتوزيع المطويات ووضع اللافتات في كل الأماكن التي تشهد حضورا جماهيريا وأيضا توظيف وسائل التكنولوجيا للتعريف بالأنشطة التي ستقوم بها المكتبة .
إذا توفرت هذه الصفات بالإضافة إلى الإمكانيات المادية يمكن لأخصائي المعلومات أن ينطلق في إعداد البرنامج التنشيطي للمكتبة وفق مخطط هادف يراعي فيه رغبات المستفيدين من خلال إعداد ورقة عمل يحدد فيها مشاريع الأنشطة والمهام والأهداف . فما هي نوعية الأنشطة التي يمكن تنفيذها بالمكتبات العمومية؟
يمكن القول إن التنشيط الثقافي هو عبارة عن مجموعة من العمليات أو التقنيات والمهارات التي يتم من خلالها إقامة وتنظيم نشاطات وأعمال وفعاليات ذات أبعاد ثقافية هادفة موجهة نحو فئة مستهدفة ومحددة بدقة، لذا فعلى المهنيين أن يستوعبوا طبيعة هذا المجال لما له من خصائص يجب على المكتبي مراعاتها عند تنظيم أي نشاط في المكتبة، إذ لابد من الاختيار الجيد والدقيق لنوعية الأنشطة المقترحة على الجمهور من أجل تحقيق الأهداف الثقافية والتربوية التي تم ضبطها مسبقا باعتبار أن أنشطة المكتبة عديدة ومتنوعة يمكن تقسيمها حسب الهدف، حسب الجمهور المستهدف، حسب الفئات العمرية، حسب الفئات الخاصة (تلاميذ، باحثين، ذوي الاحتياجات الخصوصية …) وأيضا حسب الوسائل المستعملة في النشاط.
وتتمثل الأنشطة التي يمكن تنفيذها (بفضاء المكتبة أو خارجه) في عرض دوري لرصيد المكتبة وكل الاقتناءات الجديدة ودعوة المستفيدين للاطلاع عليها من حين لآخر، المسابقات الفكرية ، لقاءات ثقافية وحوارات فكرية، ملتقيات ثقافية وتربوية، ورشات ، تركيز نواد وتشريك المتلقين من أجل اكتشاف مواهبهم والاستفادة من إبداعاتهم.
هذه الأنشطة وغيرها، حتى تنجح وتصبح ذات جدوى وتساهم في تحصيل عدد هام من المشتركين ، على المكتبي أن يتفق مع كل القائمين بالأنشطة بضرورة التركيز على الكتاب وإشعاع صورته لدى الجمهور الحاضر وتشريكه في النشاط حتى يصبح جمهورا منتجا لا مستهلكا فقط وهذا من شأنه أن ينمي لديه الرغبة في متابعة كافة الأنشطة والمساهمة فيها .
ان الحياة بصفة عامة مبنية على المتناقضات والإنسان عنصر من عناصر هذه الحياة، ومهما كان القطاع الذي يشتغل فيه من المستحسن أن يقيّم أعماله حتى يستطيع أن يطور ذاته ويتقدم في مسيرته المهنية. وفي هذا الإطار نحن كمهنيين لابد أن نقيّم أنشطتنا باعتبارنا في مواجهة مستمرة مع كافة شرائح المجتمع ومن الواجب علينا أن نكون في مستوى تطلعاتهم.
ان التقييم بصفة عامة هو لحظة تأمل ومحاسبة للذات وتحديد جملة من الأخطاء التي يمكن أن تبرز خلال أنشطتنا اليومية، لهذا يمكن للمكتبي تقييم الأنشطة الثقافية المُقامة والمُنظمة من عدة جوانب مثل: التغطية العلمية للموضوع المُتطرق له، الظروف التي مر بها النشاط، نوعية الجمهور المستهدف ومدى رضاه عن محتوى النشاط، وكذلك من خلال الإحصائيات والمقارنة بين السنوات من أجل معرفة نسبة الزيادة أو النقص في معدلات الاشتراك…
من خلال هذه الجوانب وغيرها يمكن للمكتبي معرفة نقاط القوة التي ظهرت خلال النشاط والاستئناس بها ودعمها في الأنشطة القادمة كما يمكن معرفة المطبات والسلبيات التي من الواجب تفاديها مستقبلا. وباعتبار أن هدفنا من تنظيم الأنشطة الثقافية بالمكتبات العمومية هو الترغيب في المطالعة وإشعاع صورة المكتبة والكتاب واستقطاب أكبر عدد من المشتركين ، وحتى يكون كلامنا ينبع من الواقع، فقد اخترنا تظاهرة مصيف الكتاب الذي تدور فعالياته خلال شهري جويلية وأوت نظرا لتزامنها مع توفر كم هائل من وقت فراغ لأغلب شرائح المجتمع ،
وحتى تكون معطياتنا دقيقة فقد اتصلنا بالعديد من المكتبات الجهوية للحصول على عدد المشتركين الجدد لكل مكتبة عمومية خلال العطلة المذكورة ومن خلال الإحصائيات التي وردت علينا لاحظنا في أغلب الجهات عددا قليلا من المشتركين الجدد في تلك الفترة ولا تتماشى مع الأنشطة التي أُنجزت .
وفي الختام أقول إذا كان عالم التكنولوجيا والانترنت قد استأصل منا رواد المكتبة وخلق هوة بين القارئ والكتاب فلا يمكن أن نعمق هذه الهوة بين المستفيدين والمطالعة من خلال تنظيم أنشطة لا علاقة لها بالكتاب ، لهذا أدعو كافة المهنيين لدراسة الأنشطة قبل انجازها والنظر في مدى توافق محتواها مع أهداف المكتبة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاهية مدير المطالعة العمومية بالمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بسليانة
تصفح أيضا
منبـ ... نار
لنُشعِلْ شمعة الإنصات: كلنا مسؤولون لتحصين المدرسة من العنف
نشرت
قبل يومينفي
12 فبراير 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي

“خيرٌ لك أن تُشعل شمعة، من أن تلعن الظلام”؛ في هذا السياق، شهدت الأكاديمية الدبلوماسية بالعاصمة تونس، يومي 3 و4 فيفري 2026، انعقاد الندوة الوطنية لإطلاق “الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف”. وهي خطوة استراتيجية انتظمت تحت إشراف وزارة التربية وبمشاركة وازنة لممثلين عن 13 وزارة وهياكل وطنية، وبدعم من منظمة اليونيسيف. ورغم مناخ التذمر العام وحالة “الانتظارية” التي تُخيم على المشهد الاجتماعي العام، يظل الرهان معقوداً على وعينا الجماعي بضرورة الكف عن “لعن الظلام”. إن البديل الحقيقي يكمن في اجتراح “سياسة الانتصارات الصغيرة” عبر مساهمات ميدانية ملموسة، عوض الارتهان لانتظار حلول كبرى قد يطول أمدها.
الهدف هو تجديد تربوي حقيقي، يستند إلى جذور في التاريخ ويتجه نحو التحدّي، مع التزام عملي بالمسؤولية الأخلاقية: «هنا والآن»، كما يعبّر عنه شعار الخطّة: “كلنا مسؤولون”.
ولعل التجلي الأبرز لعمق هذا الرهان هي تلك المشاركة النوعية للتلاميذ؛ وهي سُنّة حميدة يجب تثمينها ومأسستها، فالتلميذ هو صاحب الحق الأول والمعنيّ المباشر بكل مسارات الإصلاح. لقد حضرت تلميذتان من المعهد النموذجي بنابل ثلاث ساعات كاملة من النقاش الحماسي والمتوقد داخل إحدى الورشات التي كنت مُيسّرها. ولم يكن وجودهما مجرد حضورٍ بروتوكولي، بل بلورت إحداهما جوهر المسألة في صرخةٍ مدوية وجّهتها للحاضرين: “أنصِتوا إلينا.. ثم أنصتوا.. ثم أنصتوا…”
فيما حرصت التلميذة الثانية، حين تعذر حضورها في اليوم التالي، على تكرار نفس المطالبة الجوهرية عبر رسالة تضمنت قراءتها لواقع المدرسة والمربين، محمّلةً إياي أمانة تبليغ صوتها إلى المسؤولين وعلى رأسهم السيد وزير التربية.. إن هذا “الإنصات” يبقى هو المقاربة الحقيقية التي تفتقدها مدارسنا؛ فالعنف المدرسي ليس قدراً حتمياً، بل هو نتاج طبيعي لغياب “الاحتضان”. وكما يقول المثل الإفريقي العميق: “الطفل الذي لا يجد من يحتضنه، سيحرق القرية لكي يشعر بالدفء” [1]
أرقام تدق ناقوس الخطر: نحو “أنسنة” الفضاء المدرسي
إن الحاجة لإيقاد شمعة الإنصات تفرضها لغة الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الدراسة الميدانية؛ التي تم عرضها خلال الندوة، فحين يشير التشخيص إلى أن المعدل العام لتعرض التلاميذ للعنف الجسدي بلغ 28.4%، وأن 61.4% منهم يعانون من السخرية أو الإهانة، فنحن أمام حقيقة تؤكد ما وصفته تلميذة السنة الثالثة ثانوي في رسالتها بـ “عصر مادي يفتقر للتعاطف“. إن وقوع 57% من حالات العنف داخل أسوار المؤسسة التربوية، ليس إلا وجهاً من وجوه المدرسة المشحونة بالأجواء المتوترة التي يغيب عنها الدفء الإنساني.
هذه الأرقام تضعنا أمام ضرورة تجاوز الحلول الزجرية نحو “أنسنة الفضاء المدرسي”؛ فالمدرسة التي تتحول إلى فضاء طارد يفتقر للتفهم، تدفع التلميذ للبحث عن كيانه عبر العنف. الرهان اليوم هو الانتقال من منطق “التسلط باسم التربية” إلى “السلطة التربوية” القائمة على الاحتضان والحوار؛ فالمؤسسة لا تحصنها الأسوار، بل يحصنها شعور التلميذ بأنه “أثمن الأشياء“ في قلب العملية التربوية”، وهي القيمة الجوهرية التي دافعت عنها التلميذة في مراسلتها للمسؤولين.
مدرسة خارج الزمن: التقادم البيداغوجي واغتراب المتعلّم في العصر الرقمي تصطدم حاجتنا للإصغاء بمدونة تربوية تعاني “اغتراباً زمنياً” حاداً؛ فأغلب الكتب المدرسية المعتمدة حالياً، والتي صدرت طبعاتها الرسمية بين عامي 2003 و2005، لا تزال رهينة نصوص وتصورات تعود في أصولها إلى حقب أقدم بكثير من تاريخ صدورها. وهنا يبرز تحذير بيان اليونسكو 2023 الذي أشار إلى أن“الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”. [2]
بمنطق لافوازييه: “لا شيء يفنى، ولا شيء يُستحدث، بل كل شيء يتحول”، (Rien ne se perd, rien ne se crée, tout se transforme) فإن طاقة التلميذ لا تتبخر بل تتحول إلى عنف حين تصطدم بوساطة بيداغوجية متقادمة. فمن المفارقات أن نطلب الاحتضان من “مواطن رقمي“، يعيش في عام 2026بينما يقدّم له كتاب الجغرافيا للثامنة أساسي، طبعة 2003المعتمدة حاليا، الصين كدولة نامية، في حين يراها هو عملاقاً يغزو العالم! إن المتعلم اليوم يواجه ‘عتبة تقادم بيداغوجي مزدوجة’ تجمعه بكتاب مدرسي متجاوز ونصوص تعود في أصولها إلى حقب ما قبل الثورة الرقمية. هذا الاغتراب الزمني يطرد المتعلم قسراً من منطقة التعلم النشط ويضعه في قطيعة معرفية ومجتمعية مع مؤسسته. [3]
من “المأسسة الشكلية” إلى “المأسسة الاجتماعية“
لا تكمن المعضلة في غياب الأطر المرجعية؛ فبالعودة إلى “القانون التوجيهي” (2002) و”الأمر المنظم للحياة المدرسية” (2004)، نجد نصوصاً جعلت التلميذ محور العملية التربوية. ورغم وجاهتها، إلا أنها بقيت رهينة “المأسسة الشكلية”، وتعثر تحويلها إلى “مأسسة اجتماعية“ تتغلغل في “الهابيتوس” (Habitus) المهني اليومي. الحاجة اليوم ليست في تشريعات جديدة، بل في تفعيل وتطوير المرجعية لتحرير القوانين من الرفوف البيروقراطية وتحويلها إلى سلوك يومي.
مكاتب الإصغاء والإرشاد: نحو مأسسة العمل التشاركي المتعدد الاختصاصات [4]
كان محور مداخلتنا في الندوة هو العمل التشاركي حول مكاتب الإصغاء والإرشاد، مستنداً إلى تجربتنا المهنية كمستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي (من 1998 إلى 2014 على المستوى الميداني).
لقد عايشنا نجاعة هذه المكاتب في تقديم الدعم المبكر، رغم حيّزها الميداني المحدود وغياب السند التحفيزي الكافي؛ حيث لم يتجاوز عددها 108 مكتباً سنة 1999، ليتطور تدريجياً ويصل إلى 183 مكتباً سنة 2001. ومع ذلك، فقد استطاعت هذه التجربة أن تشكل حجر الزاوية لديناميةٍ متعددة الاختصاصات، صهرت جهود المستشار والطبيب المدرسي والأخصائي الاجتماعي في بوصلة واحدة. وقد تدعمت هذه النواة الهيكلية بتجربة ‘مجموعات الحوار الإقليمية(2001- 2006 ). وبالنسبة إلينا، كانت هذه المحطات مختبراً ميدانياً تعلمنا منه آليات تحليل الممارسات المهنية’ والكتابة حولها؛ مما أتاح لنا تحويل الخبرة اليومية إلى تراكم معرفي يخدم الإصلاح التربوي. لقد مكنت هذه الدينامية من ترسيخ ‘إحالة متبادلة’ ناجعة، حمت الكثير من التلاميذ من الانزلاق نحو العنف أو الفشل الدراسي.
مقترح عملي: مأسسة مبادرات الإصغاء المسبق
تفرضُ الخبرة المتراكمة اليوم ضرورةَ تحويل «الإصغاء المسبق» من ممارسةٍ اختيارية إلى إجراءٍ مؤسساتي قار. والغاية أن يعمل هذا الإجراء صمّامَ أمانٍ تربويًا، فلا يُفتح ملفّ التلميذ أمام مجلس التربية إلا بعد استنفاد مسارات الإسناد النفسي والاجتماعي الموثّقة بتقرير مختص. فالمقصود نقل الإصغاء من «فعلٍ تطوّعي» إلى مسارٍ قانوني منظّم يتيح فهم الدوافع السلوكية قبل ترتيب الجزاءات. غير أنّ ترسيخ ثقافة الإصغاء لا يُلغي الحاجة إلى الانضباط، بل يُعيد تأطيرها على قاعدة الفهم والإنصاف؛ إذ إنّ التحصين الحقيقي لا يتأتّى بالانغلاق أو بالاكتفاء بإجراءات زجرية، ولا بممارسة التسلّط باسم التربية، وإنما بجعل الإصغاء كفايةً مهنية ومؤسساتية تُذيب الجليد بين الأجيال داخل فضاءٍ تربوي يحتاج إلى التفهّم بقدر حاجته إلى قواعد واضحة تضبط السلوك وتضمن مناخًا تعلّميًا آمنًا.
ختاماً، لن يجدي نفعاً الاستمرار في لعن سنوات الخطط المعطلة. المسؤولية اليوم جماعية أفقية وتشاركية. لنبدأْ بإنصات حقيقي لصغارنا، ولنجعلْ من هذه الخطة بداية زمن “الفعل الميداني” الذي يحوّل المؤسسة التربوية إلى حصن منيع بالإنسانية، لا ساحة للانتظار أو التذمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
[1] كانت صرخة التلميذة الأولى ورسالة التلميذة الثانية (من السنة الثالثة ثانوية بالمعهد النموذجي بنابل) هما القادح الأساسي لكتابة هذه السطور؛ حيث يهدف هذا المقال إلى استكمال تبليغ صوتيهما إلى فضاء الرأي العام. كما تناولتُ هذه الرسالة أيضا في الحوار الإذاعي يوم 5 فيفري 2026 والذي يمكن متابعته عبر هذا الرابط:”https://youtu.be/l5nOShz-C4s
[2] اليونسكو(2023): “الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”، تقرير الرصد العالمي للتعليم (GEM)، بيان صحفي صادر بتاريخ 15 ديسمبر 2016 (وآخر تحيين: أفريل 2023). https://www.unesco.org/en/articles/out-date-textbooks-put-sustainable-development-risk?
[3] يتجلّى أثر هذا التقادم بوضوح في تمثيل التكنولوجيا والواقع المهني داخل الكتب المعتمدة؛ كقصيدة الراديو، وجهاز الفاكس (نص ص170 من “مسالك القراءة”، السنة الخامسة، يعود أصله إلى 1993)، ومهن آيلة للاندثار كـ “الساعاتي” (نص ص13 من “مسالك القراءة”، يعود أصله إلى 1983).
[4] إن المراوحة بين مصطلحي الإنصات والإصغاء مقصودة؛ ففي حين نلتزم بلفظ “الإنصات” وفاءً لخطاب التلميذتين، نعتمد “الإصغاء” باعتباره المصطلح التقني المرجعي في الممارسة الميدانية والمؤسساتية.

منبـ ... نار
الهامش والمقاومة الاقتصادية
هل نُطبِّع مع الهشاشة باسم “الواقعية”؟ أم أن صمود الفئات المنسية يفرض بديلاً؟
نشرت
قبل شهر واحدفي
7 يناير 2026
“تعاظمت التفاوتات الاجتماعية حتى انحسرت المراتب وتفكك السُلّم الاجتماعي؛ فـَعِلْيَة القوم لم يعودوا في قمّته بل يحلّقون فوقه، والمهمّشون لم يعودوا في أسفله، بل سقطوا دونه، معلّقين في فراغ اجتماعي. ” ألان توران
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د . مصطفى الشيخ الزوالي:

حضرتُ، يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025، إطلاق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمؤلَّفه الجماعي “الهامش، المقاومة الاقتصادية، والديناميكيات غير المرئية على تخوم التنمية…”[1]. غير أنّ هذه المتابعة لا تكتفي بتوثيق الحدث، بل تتوقف عند لحظات الإرباك التي ميزت النقاش، خاصة في الحوار الذي تلا عرض نتائج البحوث الميدانية، حيث انكشفت فجوة واضحة بين التحليل النقدي الميداني الذي قدّمه الفريق البحثي، وبين تصوّرات راسخة في الفضاء العام ما تزال تُسوَّق باعتبارها “واقعية اقتصادية” أو “حلولاً جاهزة”.
وقد كشف النقاش عن رؤيتين متناقضتين عجزتا عن استيعاب نتائج البحث الميداني:
- الأولى: تقنوية-ليبرالية تشرعن الوضع القائم باسم “الواقعية” و”التوازنات الاقتصادية”؛ كما بدا في الدفاع عن “إجبارية الوسيط”، والاكتفاء بالدعوة إلى “تقنين دوره”، وهو توجه يحمي في جوهره مصالح أصحاب الأعمال ويحوّل المطالب العمالية إلى تهديد لاستقرار المنظومة.
- والثانية أيديولوجية-شعبوية: تعتمد حلولاً جاهزة وشعارات قطعية، كشعار “الإسلام هو الحل” الذي لمّح إليه أحد المتدخلين، مما يجعله خطاباً عاجزًا عن تقديم بدائل ملموسة تعالج تعقيدات الواقع الميداني وتحدياته.
إن هذا التقابلَ بين خطابٍ يشرعنُ السوقَ وآخرَ يرفضه بلغةٍ شعاراتية، دون مساءلةٍ جدّية لشروط إنتاج الهشاشة وآلياتِ اشتغالها، هو بالتحديد أهمُّ ما استدعى فتحَ هذا النقاش وصياغةَ هذا النص.
في تقديري، تكمن قيمة بحوث الندوة، الموثّقة في الكتاب الموزّع على الحاضرين، في اختياراتها المنهجية بالأساس. فقد اعتمدت هذه البحوث المنهج الكيفي والمقاربة الإثنوميثودولوجية ضمن دراسة طولية امتدت على ثلاث سنوات، ما أتاح فهم الهشاشة من داخل الواقع المعيش لا من خلال الخطابات الجاهزة.
وقد قام هذا التمشي المنهجي على الجمع بين السرديات الحياتية، والملاحظة الميدانية، والمجموعات البؤرية، قبل الاستعانة بالاستبيانات المنظمة، وهو ما مكّن الباحثين من تفكيك آليات التهميش كما تُعاش يوميًا، لا كما تُوصَف في التقارير الرسمية. فبعد “الفصل التمهيدي” لريم الشتيوي، تضعنا سمية المعمري أمام إشكالية مفصلية في بحثها “بين التمثلات المؤسّسية والوقائع المعيشة: إعادة التفكير في الاقتصاد انطلاقا من الواقع الاجتماعي“، وهو ما يكسر القوالب الجاهزة حول مفهوم “الواقعية”.
كما يغوص العمل في مناطق ظلّ اقتصادية وبيئية عبر بحث إلياس شعبان حول “الهشاشة الخفية في الوسط الغابي بتونس“، وبحث أيوب منزلي “بين القيمة المهمّشة والقيمة المضافة: إعادة اكتشاف دور البرباشة البيئي في اقتصاد تونس“. وتكتمل هذه الرؤية الميدانية بتحليل سمية المعمري لـ “تقاطع ديناميات التهميش الاجتماعي والاقتصادي والتغير المناخي واستراتيجيات الصمود“، لتختم أمل الجماعي ببحثها حول “الفرص المتاحة للتحسين في إطار التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية: قراءة استراتيجية للديناميكيات الاقتصادية في الحضر، الريف والساحل“، وصولاً إلى “الفصل الختامي” لريم الشتيوي.
لم تقتصر الندوة على عرض نتائج البحوث، بل أتاحت فضاءً نادرًا لسماع شهادات حية لنماذج من نساء الريف العاملات في القطاع الغابي كشفن عن معاناة يومية مركّبة: استغلال مزدوج، غياب للحماية الاجتماعية، يوم عمل شاق يبدأ من الثالثة فجرًا وينتهي بعد العصر، مقابل أجر لا يتجاوز عشرين دينارًا، في ظل مخاطر النقل، والتغير المناخي، وشحّ المياه، وهيمنة الوسطاء. كما عرضت الندوة شهادات مصوّرة لبحارة من المهدية والمنستير، ونماذج من شهادات البرباشة المشاركين في البحث، لتؤكد أن الهشاشة ليست رقمًا إحصائيًا، بل تجربة معيشة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف المسافة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس.
هذه الأصوات لا تطلب صدقة، بل تطالب بـ عدالة سوسيو-إيكولوجية وبحقها في تثمين مواردها خارج منطق الاحتكار والوساطة. وبهذا المعنى، يُعاد تعريف الهامش لا كمجال ضعف أو عجز، بل كـ فضاء مقاومة وصمود، قادر على مساءلة النموذج الاقتصادي القائم والمطالبة بالحق.
من هنا، يكتسب التقابل بين التمثلات المؤسسية والوقائع المعيشة، الذي يشكل أحد محاور المؤلف الجماعي، بعدًا يتجاوز الإشكال الاقتصادي المحلي. فنحن إزاء واقع لم تعد الأدوات النظرية التقليدية قادرة على الإحاطة به، بعد أن شهد السلم الاجتماعي تفككًا بنيويًا حوّل التفاوتات إلى انقسامات عميقة. ففي الوقت الذي اندمجت فيه النخب في فضاءات معولمة، ظلّت فئات واسعة خارج دوائر الاعتراف والحماية، لتصبح “غير مرئية” في ما يسميه آلان توران “التعليق في الفراغ“. لذلك، لا يمكن لأي تحليل جاد للهشاشة أن يكتفي بالأرقام أو المؤشرات، بل يقتضي استحضار سياقات إنتاج التهميش، وتمثلات أصحاب الحق لمعاني العمل والكرامة والعدالة، والتفاعلات غير المتكافئة التي تنظّم السوق خارج الخطاب الرسمي. وفي هذا الإطار، يظهر دور الوسطاء لا كحلقة تقنية محايدة، بل كآلية بنيوية لإعادة إنتاج الهشاشة وحرمان المجتمع والدولة من عدالة التوزيع.
إن إعادة التفكير في الاقتصاد انطلاقًا من الواقع الاجتماعي لا يقتصر على تعديل المصطلحات، بل يعني استرجاع الإنسان من تحت ركام الأرقام، وإعادة الاعتبار لوجوده وواقعه اليومي الذي لا يمكن اختزاله في مؤشرات وجداول: أن نرى في البرباشة فاعلين في التدوير البيئي، لا هامشًا غير منظّم، وأن نفهم أن أية سياسة لا تنطلق من معاناة الهامش وقدرته على المقاومة، محكوم عليها بالبقاء معلّقة في الفراغ.
ورغم أنّ الاعتراف بالهشاشة في الخطاب الرسمي التونسي بلغ اليوم مستوى غير مسبوق من حيث الحضور والتسمية، فإن هذا الاعتراف لا يوازيه تفكيك فعلي للشروط البنيوية التي أنتجت الهشاشة ورسّختها. فالهشاشة في تونس ليست طارئة ولا ظرفية، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل رافق تراجع الدور الاجتماعي للدولة، وانتقالها التدريجي منذ منتصف سبعينات القرن العشرين من دولة الرعاية الاجتماعية التي تبلورت ملامحها في ستينات القرن الماضي، إلى دولة فئوية أعادت توجيه السياسات العمومية لخدمة مصالح محدودة.
وقد أظهرت عديد الدراسات، أنّ هذا التحوّل تجسّد في اختلالات هيكلية مزمنة، مثل معضلة الدعم غير الموجّه لمستحقيه، ونمو الاقتصاد الريعي[2] وترسخ روتين بيروقراطي معطل، وهي اختلالات لم يُغفلها أي خطاب رسمي أو سياسي بعد 2011، حيث استمر رفع شعار مواجهتها، غير أن أنماط التدبير اليومي للسياسات العمومية تُكرّس عمليًا التعامل معها على أنها أمور راسخة، في إطار ما يُسمّى الواقعية الاقتصادية. هذا الاستخدام الانتقائي للواقعية يتجاوز مجرد وصف الوضع، ويوسّع الفجوة بين القول والفعل ويزيد شعور الناس بعدم الثقة والرضى، كما عبّرت عنه غالبية المشاركون في كافة البحوث الميدانية التي غطتها الندوة.
إن هذا التحوّل لم يكن مفاجئًا، بل ترسّخ في أذهان الناس عبر عقود من التهميش الخفي، والخطاب الذي يحمّل المهمشين مسؤولية وضعيتهم ويحوّل دعمهم إلى صدقة تُمنح لهم بدل أن يكون حقًا مكتسبًا. وفي ظل هذه التمثلات الراسخة، يبقى الاقتصاد التونسي، بصيغته الحالية، مولّدًا للهشاشة أكثر من كونه وسيلة للاندماج والحماية، بفعل سياسات غير ملائمة، وتراجع قدرة الدولة على التدخل، وتحولها من ضامن للعدالة الاجتماعية إلى طرف يعيد إنتاج اللامساواة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
[1] يمكن الاطلاع على فيديو فعاليات الندوة بالرابط التالي https://www.facebook.com/ftdes/videos/1912687292672702
[2] عزيز كريشان — اليسار وسرديته الكبرى: من أجل فهم الاقتصاد الريعي. جمعية نشاز. تونس. 2021

منبـ ... نار
“حين يتكلم الفن… يصمت العنف”
ورشات فنية وحوارات مفتوحة بالمركب الشبابي بالمهدية
نشرت
قبل شهرينفي
23 ديسمبر 2025
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي

تحت شعار “حين يتكلم الفن… يصمت العنف”، نظم المركّب الشبابي بالمهدية بالتعاون مع مجمع الصحة الاساسية بالمهدية، يوم السبت 20 ديسمبر 2025، يومًا دراسيًا خصص لموضوع السلوكيات المستجدة، ليكون فضاءً حيًّا للحوار والتفكير الجماعي حول التحوّلات السلوكية التي يشهدها المجتمع التونسي اليوم وانعكاساتها على الفرد والمجتمع، وبالأخص فئة الشباب. منطلق هذه التظاهرة قناعة مفادها أن العنف ليس ظاهرة معزولة أو سلوكًا فرديًا عابرًا، بل نتاج تراكمات اجتماعية ونفسية وثقافية، وأنّ الفن يمكن أن يكون مدخلاً فعّالاً للفهم، التعبير، والوقاية.
تضمّن برنامج اليوم مداخلات تمهيدية ساعدت المشاركين على تبسيط هذه الظواهر وفهم خلفياتها، إلى جانب ورشات تطبيقية شملت صناعة المحتوى، التعبير الجسماني، المسرح، وورشة التربية التشكيلية. وقد أتاحت هذه الفضاءات للمشاركين فرصة التعبير عن ذواتهم وتبادل الآراء حول الظواهر المذكورة، وتوّج المسار بعرض إنتاجات الورشات المختلفة ونقاش جماعي مفتوح، ما جسّد التفاعل بين التعبير الفردي والمشاركة الجماعية.
في هذا الإطار، جاءت اللوحة الفنية المصاحبة التي أنجزتها مجموعة من الشابات التونسيات باعتبارها إحدى مخرجات ورشة التربية التشكيلية، تحت إشراف فني للمنشط والفنان محمد بوفريخة، الذي أرشد المشاركات في التعبير الفني وتوظيف الرموز البصرية، وإشراف تربوي وحواري للمربي والباحث مصطفى الشيخ الزوالي، لتعكس بذلك تجربة جماعية متكاملة تتجاوز حدود الورشة نحو قراءة أعمق للمجتمع والتحولات المستجدة.
تُقرأ اللوحة كنافذة مفتوحة على تحولات المجتمع التونسي. فهي تبني دلالاتها عبر طبقات يتجاور فيها الماضي والحاضر، وتتقاطع فيها الذاكرة مع الأسئلة التي يطرحها الزمن الراهن، ضمن تفكير جماعي في الظواهر المستجدة التي باتت تؤثّر في الحياة اليومية، وفي أشكال التوتّر والعنف التي ترافقها.
في أسفل اللوحة، تبرز البوابة التقليدية المزدانة بالورود كعلامة على الجذور الأولى: ذاكرة جماعية وروابط اجتماعية وموروث ثقافي شكّل على امتداد عقود إطار العيش المشترك. لا تحضر هذه العناصر بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كدعوة ضمنية إلى التمييز داخل هذا الموروث ذاته، بين ما يظلّ قادرًا على الإسناد وبناء المعنى، وما تحوّل مع الزمن إلى عبء يعيق الفهم والتجدّد. الماضي، كما توحي اللوحة، ليس كتلة واحدة صمّاء، بل فضاء مفتوحًا للاختيار والانتقاء وإعادة التوظيف، حيث وجدنا في التعبير البصري للعمل صدًى لما حاولنا طرحه خلال الحوار، وكأنّ الرسم أتمّ ما بدأناه بالكلمة.
مع الصعود في طبقات العمل، تتجلّى رموز تنتمي إلى مرحلة وسيطة من تاريخ المجتمع: الهاتف القديم، الدفاتر، إشارات المرور، وعلامات التنظيم المؤسسي. هذه العناصر تستحضر ملامح فترة تمتدّ لنحو خمسين سنة بعد تأسيس الدولة الوطنية عام 1956، أي زمن ما قبل الرقمنة والإنترنت والذكاء الاصطناعي، حين ساد منطق التنظيم والضبط، وسعت المؤسسات إلى تأطير السلوكات داخل فضاءات محدّدة، من بينها الفضاء المدرسي.
في قراءتي للوحة، أجد صدىً مباشرًا لما سعيت إلى تبليغه خلال الحوار؛ فالرموز، رغم ما توحي به من انتظام واستقرار، تحمل بين طبقاتها توتّرًا خفيًا، كأنها تُبرز حدود هذا النموذج حين يواجه تحوّلات لم تعد تُختزل في الأمكنة التقليدية، وتدعونا للتفكير في كيفية تكييف القديم مع تحديات الحاضر. وهكذا، يصبح الرسم امتدادًا بصريًّا للحوار، حيث يلتقي التعبير الفني بما حاولنا صياغته بالكلمة، في تفاعل ثنائي بين الرؤية والتجربة.
في المستويات العليا، ينفتح المشهد على عالم رقمي متسارع، تتداخل فيه منصّات التواصل، الشبكات، والتقنيات الحديثة. هنا، لا يبدو العنف، إن وُجد، محصورًا في الساحات أو الأقسام أو الشوارع، بل انتقل بقوة إلى الفضاء الرقمي، متخذًا أشكالاً جديدة وأكثر تعقيدًا، من قبيل التنمّر الإلكتروني، التشهير، وتداول مشاهد العنف. وفي قراءتي للوحة، أجد انعكاسًا لما سعيت إلى تبليغه خلال الحوار: فهذه الرموز لا تُقدَّم في صيغة اتهام مباشر، بل كإشارة إلى الفجوة المتنامية بين واقع التلميذ “الرقمي” وتجربة الحياة المدرسية، وبين منظومة تربوية ما تزال، في جانب منها، تشتغل بأدوات الأمس وتتصوّر العنف بوصفه ظاهرة محصورة في فضاءات مرئيّة قابلة للضبط.
بهذا التدرّج البصري، تقترح اللوحة تأمّلاً في العلاقة بين الأزمنة، لا من زاوية القطيعة، بل من زاوية الموازنة والمسؤولية. فهي تلمّح إلى أن التعامل مع الظواهر المستجدة، بما فيها مظاهر العنف في الزمن الرقمي، لا يمرّ عبر إنكار التحوّل ولا عبر القطيعة مع الجذور، بل عبر قدرة جماعية على إعادة التفكير، حيث يلتقي ما يُرى في اللوحة بما حاولنا تبليغه بالكلمة، في تجربة مشتركة تُوازن بين القديم والحاضر، وبين الموروث والتحديات الرقمية.
في المحصّلة، لا تُفهم هذه اللوحة بمعزل عن ساعة ونصف من الحوار والنقاش الجماعي الذي رافق إنجازها. خلال هذا الوقت، إذ تداخلت الملاحظات المستمدة من الواقع مع محاولات التأطير التربوي والفني، لتنتج لغة بصرية تعبّر عن تجربة تفاعل مستمرة. وهكذا، يظل المعنى مفتوحًا، يترك لكل مشاهد حرية قراءة اللوحة وتأويلها وفق طبقاتها ودلالاتها، مع إدراك أن ما يظهر في الصورة يعكس تمازجًا بين التعبير الفني والإشراف الفني وما حاولنا إبلاغه بالكلمة في الحوار والتوجيه التربوي

مهرجان المدينة: من “رياض العاشقين” إلى نبيهة كراولي… عبق التراث، وألوان العصر
الهند: شركات التكنولوجيا تخسر 50 مليار دولار… بسبب الذكاء الاصطناعي!
غزة تحت نار “وقف إطلاق النار”… شهداء جدد ومصابون، وسعي لمحو خان يونس من الخارطة
حرب عليها في الأفق؟… إيران بين ردود محتملة: أحدها غلق مضيق هرمز!
بسبب العدوان الوحشي: تدمير 90 بالمائة من مدارس غزة… والباقي أصبحت مراكز إيواء
استطلاع
صن نار
-
ثقافياقبل 11 ساعةمهرجان المدينة: من “رياض العاشقين” إلى نبيهة كراولي… عبق التراث، وألوان العصر
-
اقتصادياقبل 20 ساعةالهند: شركات التكنولوجيا تخسر 50 مليار دولار… بسبب الذكاء الاصطناعي!
-
صن نارقبل 20 ساعةغزة تحت نار “وقف إطلاق النار”… شهداء جدد ومصابون، وسعي لمحو خان يونس من الخارطة
-
صن نارقبل 21 ساعةحرب عليها في الأفق؟… إيران بين ردود محتملة: أحدها غلق مضيق هرمز!
-
صن نارقبل يومينبسبب العدوان الوحشي: تدمير 90 بالمائة من مدارس غزة… والباقي أصبحت مراكز إيواء
-
صن نارقبل يومينرئيس تايوان يحذّر من “توسّع” صيني شامل… وبيكين تتهمه بأنه داعية حرب
-
صن نارقبل يومينواشنطن لأهل العراق: نأمركم… بأن تحافظوا على استقلالكم!
-
صن نارقبل يومين“مجلس السلام”: روسيا تقاطع جلسة الافتتاح
