يجدر التنبيه في مستهلّ هذه الورقة إلى أن المستجدّ الأكبر في “عاصفة التشات جي بي تي” Chat GPTهو الرسالة التي تمّ نشرها مؤخرا والتي أمضاها حوالي 1000 خبير متخصص في مجال الذكاء الاصطناعي (ومنهم إيلون موسك صاحب شركات سبايس إكس وأوبن آي وسيارات تيسلا…) تُطالب بإقرار استراحة بستّة أشهر في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، وذلك على خلفيّة المخاطر المحتملة التي قد تلحق المجتمع والانسانية… في انتظار وضع بروتوكولات مشتركة للسلامة يقع إنفاذها ومراقبتها من قِبل خبراء مستقلّين.
منصف الخميري
تقول الرسالة “لا يجب تطوير أنظمة قوية جدا للذكاء الاصطناعي إلا متى تأكّدنا أن تأثيراتها إيجابية وأن مخاطرها يمكن التصرّف فيها”. وتأتي هذه الهواجس في وقت نشرت فيه الوكالة الأوروبية للشرطة (أوروبول) تقريرا تحذّر فيه من الاستعمال المفرط لأنظمة شبيهة بـ“تشات جي بي تي” في عمليات القرصنة ونشر الأخبار الزائفة والإجرام السيبرني وسائرعمليات الاختراق التي تستهدف الأفراد والمؤسسات. هذا بالإضافة إلى بعض المختصين الذين يتوقّعون فقدان حوالي 300 مليون مركز عمل في العالم لو بلغت هذه التطبيقة أوج عطائها.
حاولتُ شخصيا محاولة فهم أسرار هذه الزّوبعة الكونية غير المسبوقة التي أثارها إطلاق آخر مُنتجات الذكاء الاصطناعي و السعي إلى رصد أهم خصائصه انطلاقا من عدد كبير من الأسئلة العملية طرحتها عليه وتلقّيت حولها إجابات محدّدة.
الخاصيّة الأولى : تشات جي بي تي (المحوّل التّوليدي المدرّب مسبقا للدردشة) يسعى إلى محاكاة البشر بكفاءة عالية
يُعرّف تشات جي بي تي نفسه بكونه نوع من الذكاء الاصطناعي المعروف باسم النماذج اللغوية العميقة (Deep Language Models) التي تمّ تدريبها على مليارات النصوص والبيانات اللغوية، وتستخدم هذه النماذج اللغوية تقنيات مثل تحليل اللغة الطبيعية وتعلم الآلة والتعلم العميق والشبكات العصبية للتعلم والتفاعل مع المستخدمين بشكل ذكي وفعّال.
يشترك شات جي بي تي مع محرّك غوغل على سبيل المثال في إتاحة البحث عن معلومات أو مراجع أو أرقام والحصول عليها. لكن تشات يتميز بثلاث خصائص أساسية :
معالجة الخطاب الطبيعي (أي الخطاب البشري، لذلك هو قادر على إنتاج نصوص قريبة جدا من اللغة التي يستخدمها البشر في حياتهم اليومية) بحيث يكون تشات قادرا على فهم الأسئلة أو الشتائم أو المجاملات التي توجّه إليه والتفاعل معها حينيّا على عكس البرمجيات التقليدية التي لها فهم محدود لما يقوله المستخدمون.
يتميّز تشات بالتنوّع والشمولية لكونه أداة قادرة على فعل أكثر من البحث عن المعلومات، فهو قادر على إجراء محادثات والإجابة عن أسئلة دقيقة أو حتى إطلاق بعض المزاح أحيانا بما يجعل منه أداة متنوعة الاستخدام.
تشات سهل الاستخدام إذ يكفي أن تطرح سؤالك (كما هو مطروح في ذهنك) ليبدأ البرنامج في التفاعل، على عكس محركات البحث التقليدية التي تستدعي دقة في وضع الكلمات المفاتيح المناسبة للحصول على صفحات الويب المتضمّنة لتلك الكلمات.
الخاصيةّ الثانية : تشات يقترف أخطاء بدائية
لم يمضِ على إطلاق تشات أكثر من خمسة أشهر بما يؤكد أن هذا “العون التحادثي” مازال في خطواته الأولى والمشرفون على تطويره يعترفون أن أداءه مازال متعثّرا في الكثير من المسائل، لذا هو يتطوّر كل يوم بحكم الردود والتفاعلات التي تعود إليه من ملايين المستعملين عبر العالم وعبر كل اللغات.
في سياق الحديث عن اللغات، حصلت لي طرفة مع هذا المولود والمولّد، سألته “هل تستطيع التخاطب مع الناس في كل اللغات ؟“، فأجابني “نعم في العديد من اللغات : الانكليزية والفرنسية والاسبانية والألمانية والايطالية والبرتغالية واليابانية والصينية والكورية وعديد اللغات الأخرى…”
فسألته : ولماذا تناسَيْتَ اللغة العربية والحال أنني سألتك سابقا بالعربية وأجبتني ؟
قال : “أعتذر عن هذا السّهو في ذكر اللغة العربية في إجابتي السابقة وأؤكد أن شات قادر على فهم وتوليد نصوص باللغة العربية…”، فكدتُ أقول له “ميسالش يا راجل لا حرج عليك” !
قلتُ إذن أن تشات مازال يقترف العديد من الأخطاء وحتى البدائية منها لأنه لم يسبق أن تمّ تدريبه عليها كفاية بما يفرض ضرورة التحرّي والحذر فيما يقدمه من معلومات ومقترحات ونصوص.
سألته مرّتين “ماذا تعرف عن منصف الخميري ؟” أجابني في المرة الأولى على أنه رجل دين وفقيه تونسي وعمل كإمام وخطيب وأستاذ للفقه والأصول في عدة جامعات ومؤسسات دينية” وفي الثانية بــ “أنه رجل سياسة تونسي ترأس البرلمان من 1999 إلى 2001 ” … والحال أنني لا أعرف مطلقا أحدا من “الخمايرية” بهذه المواصفات ǃ
المثال الثاني : سألته عن القواعد اللغوية التي تحكم رسم “العدد” في اللغة الفرنسية فكانت إجابته جديرة بأن يُسند لها صفرٌ لو أتاها تلميذ في فرض كتابي.
الخاصيّة الثالثة : تشات يحاول أن يكون محايدا وغير مصطفّ سياسيا
سألتُه “هل كان من حق الأمريكيين تدمير العراق بدعوى امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل” ؟
أجابني : “لا، لم يكن للأمريكيين الحق في تدمير العراق بدعوى امتلاك أسلحة دمار شامل. فقد تم إدانة العراق دوليًا في الماضي بسبب برامجه النووية والكيميائية والبيولوجية، وتم فرض عقوبات عليه بسبب ذلك. ولكن، فرض العقوبات لا يعني أن الأمريكيين كان لديهم الحق في الدخول إلى العراق وتدميرها. بالإضافة إلى ذلك، تبيّن فيما بعد أنه لم يكن هناك أسلحة دمار شامل في العراق، وأن الدعوى التي استندت إليها الحرب كانت خاطئة”.
المثال الثاني :
سألته عن ” مدى رمزية احتفال الفلسطينيين بيوم الأرض يوم 30 مار س من كل سنة“، فكانت إجابته كالتالي :
“يعتبر يوم الأرض في الذاكرة الفلسطينية يوما مشحونا بالدم والمعاناة والصمود. حيث يعود تاريخ الاحتفال بهذا اليوم الى عام 1976 عندما نظمت السلطات الاسرائيلية مخططا للمصادرة القسرية للأراضي الزراعية في منطقة الجليل الأسفل والنقب الشمالي والجنوبي مما أدى الى اضراب عام واسع النطاق واحتجاجات ومظاهرات في جميع انحاء الاراضي الفلسطينية المحتلة في ذلك الوقت، وأسفرت هذه الاحداث عن مقتل وجرح العديد من الفلسطينيين … حيث يستذكر الفلسطينيون معاناتهم ومحنتهم ويؤكدون على حقهم في الحياة الكريمة والعيش بحرية وسلام في أرضهم المحتلة”
وهكذا يتضح أن تشات لا ينهل فقط من النصوص المعادية للعراق وللقضية الفلسطينية على سبيل المثال، بل يتدرّب عليها وعلى نقيضها ويُفرز نصوصا تتوافق مع التوجهات الدولية العامة التي تحاول التزام الموضوعية والحياد.
الخاصيّة الرابعة : مازال تشات لا يُجيد كتابة الشعر … بل لا يفرّق أصلا بين الشّعر والشّعور
سألت تشات إن كان بإمكانه ترجمة هذا البيت الشعري لألفريد دو فينيي من قصيدة موت الذئب
A voir ce que l’on fut sur terre et ce qu’on laisse Seul le silence est grand ; tout le reste est faiblesse.
فكانت إجابته :
عندما ننظر الى ما كنا عليه على الارض وما نتركه خلفنا
انما الصمت هو العظمة فكل شيء آخر ضعف (لاحظوا ركاكة الأسلوب)
ثم أضاف “وهذا البيت الشعري من قصيدة “المؤقت” للشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين… (ليته لم يُضف شيئا لم يُطالبه أحد به !)
الاختبار الثاني كان على النحو التالي :
سألته : “هل باستطاعتك كتابة قصيدة شعرية عن تونس في أربعة أبيات ؟”
أجاب :
“نعم بالطبع :
تونس الحميمة الجميلة
أرض أهل كرام يحملون الود والعرف
تاريخ مجيد وتراث مشرق
تستحق الفخر والإشادة في الشعر“
تعليقي : هذا شعر ضعيف بالتأكيد، لكن عديد أدعياء الشعر والأدب في بلادي يكتبون بهذا الأسلوب أو أدنى ǃ
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟