تابعنا على

جور نار

حكايات صالحة للقسم … وخارجه (2)

نشرت

في

سناء محيدلي عروس الجنوب تنبعث في نيسان
الشهيدة سناء محيدلي

حاولتُ في الورقة الماضية سَرْد بعض الحكايات والقصص الهادفة والقابلة للتوظيف في الدّرس والتكوين بصورة عامة، لتناول قضايا وقيم كونية عديدة كم نحتاجها وبقوّة في مجتمعاتنا التي جرفتها سيول الحداثة دون كبير حصانة تُذكر، أو كبّلتها سلاسل الماضي دون بصيرة نقديّة تُلغي الغثّ وتحتفظ بالأجدر.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

ولمّا بدأت التفكير بمحتوى الورقة الثانية التي تُكمّل الأولى أو تستمر  في نفس نسقها، قلتُ في نفسي لِمَ البحثُ في حكايا من التراث الإنساني أو الأساطير الإغريقية والحال أن مسيرة كل واحد فينا تعُجّ بعشرات القصص والأحداث الجديرة بتقاسمها وتداولها، لما فيها من قيم رمزية تصلح أن تكون محاور تؤثث فترات الصمت الكسول في مساحات التكوين ؟ فقررت أن أستحضر بعض الأحداث التي عشتها شخصيا مع تلاميذ ومتكوّنين في فترات ماضية، ولكن مازالت تتمتّع حسب رأيي ببعض الوجاهة لكي تُطرح مجدّدا.

الحكاية الأولى : أيّهما أجمل، المرأة الأولى أم الثانية ؟

في حصة من حصص درس الفرنسية مع السنوات الثانية أو الثالثة ثانوي خلال ثمانينات القرن الماضي، وكان المحور الذي نشتغل عليه في تلك الفترة  هو الحب والصداقة، رُحت أفتّش في طيّات مجلات فلسطين الثورة وصامد واليوم السابع وبعض أعداد مجلات الهدف والحرية الفلسطينية التي كانت تصلنا تحت المعاطف من الجزائر الشقيقة. وجدتُ ضالّتي بعد جهد دام ساعات طويلة (تعوّضها اليوم مجرد نقرة أو نقرتين على محركات البحث) واخترتُ صورتين لفتاتيْن في ريعان شبابهما، قُمت بتكبيرهما لدى صديقي الشادلي المصوّر الذي حاول جاهدا معرفة الغرض من الاحتفاظ بهاتين الصورتين… فلم يفُز بأكثر من وعد بأن أفسّر له مآلهما حول قهوة مُنشّطة للذاكرة يُعدّها بكثير من المودّة سي محمود، الرجل اللطيف والمؤدّب بالمعهد الذي كنت أدرّس به وكان سي الشادلي قيّما به أيضا (بالإضافة إلى هوايته كمصوّر).

حملت صوري معي وقبل انطلاق الدرس، عرضتُ على تلاميذي أن نقوم بحصة انتخابية نختار خلالها برفع الأيدي وبكل حرية بين الصورة أ والصورة ب بناءً على مقاييس الجمال “العفويّة” المعهودة. أمسكت صورة الفتاة الأولى بيدي اليمنى (أطلقنا عليها الصورة أ) وصورة الفتاة الثانية بيدي اليسرى (وأطلقنا عليها الصورة ب) وسألتهم :

من يُصوّت لفائدة الفتاة أ ويعتبرها الأجمل يرفع يده.  النتيجة : لا أحد ! هل أنتم متأكدون ؟ Oui monsieur

والآن من يُصوّت لفائدة الفتاة ب، أي من يعتبرها أجمل من الأولى ؟ 37 تلميذا إناثا وذكورا يرفعون أيديهم بحماس شديد.

صمتُّ قليلا لاستحثّ فيهم السؤال… حتى تعالت أصواتهم : هي وبعد مسيو ؟؟ من تكون هاتان الفتاتان ؟

قلت بشيء من التأثّر غير المتكلّف أن الفتاة الأولى التي لم يصوّت لفائدتها أحد هي سناء يوسف المحيدلي الملقّبة بعروس الجنوب والتي كانت تنتمي إلى المقاومة الوطنية اللبنانية، وهي التي فجّرت سيارة بيجو 504 كانت تقودها عند حاجز عسكري إسرائيلي بجنوب لبنان في عملية انتحارية أدّت إلى مقتل ضابطين صهيونيين وجرح جنديين آخرين وكان ذلك في أفريل 1985.

تململ كبير داخل قاعة الدرس وبدايات احتجاج سرعان ما أخمدتها حتى أُنهي كلامي.

أما صورة الفتاة الثانية والتي صوّتّم لفائدتها بالإجماع، فهي لفتاة إسرائيلية إسمها إيستر رائيف ليبائي، ضابطة في جيش التساهال الصهيوني وتمارس رياضة السباحة في نفس الوقت على أعلى المستويات…

تلى هذا التقديم جلَبَة حقيقية داخل الفصل قطعها صوتُ تلميذ وقف في كامل سُخطه وشجاعته وإحساس بنوع من “الغُلب” والخذلان :

مسيو… غلّطتنا مسيو، يلزم نعاودو الانتخاب !!!

أجبتُه مُطمئِنًا كونها مجرد لعبة مُفبركة ذات غاية بيداغوجية صِرفة في علاقة بموضوع درسنا اليوم وهو : “هل نعتبر الحب والإعجاب مجرد شعور بالمتعة الذاتية عند تذكّر أو مُجانبة أو مشاهدة شخص نحبّه، أم هو اختيار وحكم يلخص هذا الذي نُحبه وله قيمة ما في عقولنا وقلوبنا”.

ومن أهم الاستنتاجات التي توصّلنا إليها معا ودون أي تعسّف أن :

أولا : الجمال الذي كنا بصدد تقييمه هو جمال “بلاستيكي تشكيلي” بالمعنى الفني للكلمة، دون معانٍ أخرى مُضافة إليه، ويبقى جمالا بشريا طبيعيا مثله مثل جمال الأشجار والأودية والأزهار والأمطار.

ثانيا : “العقل يتكلم ويبرهن بينما الحب يغني وينشد”  كما يقول ألفريد دي فينيي.

ثالثا : الجمال نسبي ومرتبط عضويا بالمعنى أو القيمة التي نضفيها على الشخص/ الشيء الذي نحب (لذلك على سبيل المثال كل واحد فينا يعتبر أن أمّه هي أجمل نساء الكون).

رابعا : الإيديولوجيا والانتماء هما مصفاة لتكرير مواقف البشر جميعا ومعالجتها ويصعب جدا أن تكون تقييمات البشر لما حولهم متخلصة تماما من تلك العيون والجداول الخفيّة التي تروي كياننا وتسقي دواخلنا.

والاستنتاج الطريف النهائي هو أننا لو وُلدنا في سيبيريا أو الألسكا أو الغروينلاند لكنّا نتنقّل بواسطة عربات تجرّها الكلاب ولكان الناس يُقبّلون بعضهم البعض عن طريق التلامس بالأنف خوفا من التصاق شفاههم من شدّة البرد الذي يصل إلى 50 درجة تحت الصفر… بما يُبرهن على كوننا أبناء سياق بشكل خالص، وذلك في قيمنا وأخلاقنا وعلاقاتنا وتديّننا ومقاييس الجمال لدينا.

الحكاية الثانية : موزار العبدولي، “التلميذ الفنّان” يُحال على مجلس التأديب

ذكّرتني حادثة التلميذة بمعهد الفنون بالعمران نور عمّار التي تمّ طردها مؤخرا على خلفية كلام توجّهت به إلى أحد أساتذتها على صفحات الويب، بتلميذي موزار العبدولي الذي درّسته في سنّ السابعة عشرة من عمره تقريبا، وكان تلميذا متميّزا ومتأثّرا بشكل ما باسمه الموسيقي، مزهُوّا بوسامته، فكان يرتدي ملابس فاقعة اللون شيئا ما ويعتني بتسريحة شعره في غير تفسّخ أو ابتذال لكنه كان مؤدّبا ولطيفا جدا ويحصل غالبا على علامات مقنعة في اللغة الفرنسية (بلغني السنة الماضية أنه يقيم حاليا بأحد البلدان الأوروبية).

دُعيتُ ذات يوم من قِبل الإدارة أن أحضر مداولات مجلس التأديب، وكان تلميذي موزار من التلاميذ المُحالين على المجلس بموجب تقرير في شأنه حرّره القيم العام للقسم الخارجي مؤكّدا (في لغة مخفريّة بائسة) أن التلميذ المعني سيّء السلوك ويتطاول على شخصه ويرفض الامتثال إلى تعليمات الإدارة. سألت صاحب التقرير عمّا حدث بالضبط مع موزار… فذكّرني بأنه يُدرك جيدا مكانته لديّ (في استباق خبيث لتأويل دفاعي اللاحق والمتوقع عن موزار) وأكّد أن موزار كان يشدُّ سرواله بحزام عريض تُزيّنه مسامير لامعة وتتوسّطه حلقة مُذهّبة دائرية لشدّ انتباه التلاميذ الآخرين وبثّ الفوضى داخل المعهد. (وكاد يُضيف كونه كان يُعدُّ لتنفيذ عمل إرهابي خطير !)

دافعتُ بكل ما أوتيت من حضور رمزي عن موزار وحاولت الإقناع بأنه من الطبيعي أن يعتني الشباب بمظهره وأن يحاول لفت الانتباه والتباهي وحتى التنافخ …. واعتبرتُ ساعتها أنني حققت انتصارا جزئيا لأن القيم العام لم يستطع فرض عقوبة الطرد النهائي ولا عقوبة الــ 15 عشر يوما التي اقترحها المدير … فرضنا، مجموعة الأساتذة الحاضرين، أن لا تتعدّى العقوبة 7 أيام… وهي أدنى عقوبة يمكن أن تُسلّط عليه لأن عقوبة الطرد بثلاثة أيام يمكن أن يتخذها مدير المؤسسة دون دعوة المجلس إلى الانعقاد.

حكاية نور عمّار وحكاية موزار عبدولي هما من نفس الجنس تقريبا وتعكسان عقلية متحجّرة ترفض أي انزياح في علاقة بالقيم والأخلاق السائدة، وتُكرّس فكرة أن الفضاء المدرسي هو فضاء قُدُسي يتعيّن فيه على “الجُموع” الانصياع لأوامر الشيوخ وتعليمات الكبار.

كتبتُ عديد المرّات أنني لست من دُعاة “الحْنانة الفارغة” وأن التلميذ محمول على السلوك السويّ دون تربية على الخنوع ومعانقة معاني الحرية والانعتاق دون تشجيع على التهوّر والابتذال. ولكن لديّ يقين أنه ليس ثمة من تجاوز أو سوء سلوك أو فعل تلمذي ما، يُبرّر كسْر تلميذ والدفع به نحو مسارات مجهولة التداعيات بالطرد أو الإهانة أو  الإذلال أو الشتم أو التحقير. فمن الطبيعي أن يُخطئ الشاب أو الشابة (وأن يتم التوقّف حتما عند ذلك الخطأ بشكل مرن ومتبصّر) ولكن ليس من حقّنا نحن الكبار (أساتذة ومعلمين وإداريين ومتدخلين متنوعين في الفعل التربوي) أن نُسيء التقدير ونخطئ.

تلميذ يُحرم من الدرس مؤقتا أو بصفة نهائية هو جُرم تقترفه المدرسة (بكل من فيها) التي لم تقدر على احتضان أبنائها بامتيازهم ومثابرتهم وأخطائهم وانحرافاتهم أيضا قبل أن يكون مسؤولية التلميذ نفسه.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار