سألتني حفيدتي “لماذا لا يضحك الرئيس ولماذا هو دائم الصراخ…أنا أخافه حين يخطب…أنا لا أحبه” قلت أنا أيضا لا أحب الرئيس وأخافه…وأخاف على تونس منه…هكذا كانت بداية حواري مع حفيدتي التي واصلت لتقول: “هل يجب أن أحب الرئيس جدّي؟” قلت لا بُنيتي الدستور لا ينصّ على حبّ الرئيس أو كرهه…الدستور ينصّ فقط على حبّ الوطن…والوطن ليس الرئيس…الوطن ثابت خالد إلى الأبد…والرئيس متحوّل…
محمد الأطرش
أي نعم…أنا لا أحب الرئيس…سيسألني بعضكم لماذا؟ سأقول…لا أحب الرئيس لأنه ومن خلال ما يأتيه لا أرى أنه يحبني…فماذا سأقول غدا لو سألني أحفادي حين يكبرون ويعرفون الحقيقة، لماذا ساندت رئيسا انقلب على شركائه…وانفرد بالحكم؟ ماذا سأقول لهم لو سألوني كيف رضيت بأن يحكم البلاد شخص انقلب على شركائه، فقط، لأنه يريد تعديل الدستور قصد توسيع قائمة صلاحياته…؟ ماذا سأقول؟
كيف لي أن أحب رئيسا لم ينجز وعدا واحدا من وعوده؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يسلم من لسانه خصم واحد من خصومه؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا برنامج له غير ضرب خصومه ورفع الشعارات التي لا أحد يصدقها، ولا أحد يصفّق لها غير من لا يفقهون في الدولة وشؤون الدولة ومن كلفوا بمهمّة التصفيق؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا برنامج له غير الخطب النارية الناسفة للخصوم؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يأت إلى ساعتنا هذه بما يفيد البلاد والعباد؟ كيف لي أن أحب رئيسا أفسد علاقاته مع كل مكونات المشهد السياسي التونسي؟ كيف لي أن أحب رئيسا ما يأتيه يوحي بأنه سيقلب النظام إلى شبه نظام ملكي لا أحد يشاركه فيه الحكم؟ كيف لي أن أحب رئيسا يحارب المحاصصة السياسية في خطبه ويمارسها في تعييناته الجهوية والوطنية؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يعترف بكل من سبقوه في الحكم، وكأن كل شيء بدأ يوم وصوله إلى الحكم؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا اختار أن ينقلب على شركائه لينقذ نفسه ويستحوذ على كل السلطات التي لم يمكّنه منها الدستور، الذي به أصبح رئيسا، وبأحد فصوله انقلب على شركائه، ومنه يريد اليوم التخلّص؟
كيف لي أن أحب رئيسا أضاع الوقت على البلاد والعباد ولم يفعل أمرا واحدا يخرجها مما هي فيه؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يعرف أين يبدأ الحق وأين ينتهي، فكل ما يأتيه هو الحق…وكل ما يأتيه خصومه باطل وعلى غير حق؟ كيف لي أن أحب رئيسا يرى أن سعادة وازدهار البلاد في أن تكون كل سلطاتها في يد شخص واحد؟ كيف لي أن أحب رئيسا يريد أن يكون المتحدّث الوحيد باسم الشعب، والناطق الوحيد بما يريده هذا الشعب؟ كيف لي أن أحب رئيسا يكره الأغنياء ويرى أن جميعهم نهبوا البلاد، وأن عليهم إعادة الأموال المنهوبة إلى الشعب، أي شعب هذا الذي سرقه الأغنياء…كل الأغنياء؟ كيف لي أن أحب رئيسا يتصرّف وكأنه الملك أو السلطان، لا يقبل من يتحدّث معه ولا من يناقشه، فهو الوحيد الذي يتكلّم وعلى الجميع الاستماع لما يقول؟ كيف لي أن أحب رئيسا أصبح ضحية لأشخاص أحاط نفسه بهم، ووثق بهم، فاستطاعوا أن يعزلوه دون أن يدري عن الشعب، وعمن يمكن لهم إفادته ومساعدته عن كيف تدار شؤون الدولة؟
كيف لي أن أحب رئيسا صدّق بعض من قدموا له معلومات واستشارات كاذبة وملغومة كانت السبب في أخذ بعض القرارات الخاطئة، التي قد تضرّ لاحقا بشعب مطحون لم يجد من يشعر بمعاناته؟ كيف لي أن أحب رئيسا يعرف جيدا معاناة الشعب، ويكشف عن ذلك في كل دروسه الوزارية عفوا في كل مجالسه الوزارية، ويقبل بأن يستمر هذا الوضع على ما هو عليه بما يروّج عن قانون مالية سيزيد من أوجاع الشعب وآلامه؟ كيف لي أن أحب رئيسا يريد تمويل ميزانية الدولة بما في جيوب الشعب وبما ادّخرُوه في أرصدتهم البنكية؟ كيف لي أن أحب رئيسا صدّق من أوهموه بأن للدولة أموالا بالمليارات نهبها رجال الأعمال، وأخرى مهرّبة هرّبها هؤلاء أيضا؟ كيف لي أن أحب رئيسا صدّق كل ما يقال له عن أحوال البلاد الاقتصادية وعن أوضاعها المالية، إلى درجة أنه لا يزال يصرّ أن البلاد غنية ولا تخشى من الفقر؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا كثر في عهده الذي لم يتجاوز الستّة أشهر التخوين والتهويل والأحداث المفبركة، والروايات الخيالية وسياسات الإلهاء، وتحويل وجهة الشعب بالإعلام والقوادين والأتباع والمصفقين؟
كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يلتفت إلى يومنا هذا لمشاكل الشعب الحقيقية، في الصحّة… والتعليم …والتشغيل… والعيش الكريم… والكرامة والعدالة ورفع المظالم… وغلاء الأسعار والمحسوبية في الانتدابات… والتوريث في الشغل والحرقة والتهميش؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يع إلى يومنا هذا أن هذا الشعب هو وحده من يدفع ولا يزال ضريبة عشر سنوات من الحكم غير المسؤول؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يحرّك ساكنا أمام رغبة أتباعه في الانتقام والثأر وإقصاء كل من حكموا البلاد منذ موت السكّير وقبله؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا ملأ بعضهم صدره حقدا على كل من سبقوه في الحكم، فحوّلوا وجهته من التفكير في انقاذ البلاد من أزمتها، إلى كيف يتخلّص من خصومه ويبعدهم عن طريقه قبل الانتخابات القادمة؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا أوهمه بعض من هم حوله أن كل ما يـأتيه عقلاني ومنطقي وحكيم، وكل من يعارضونه فيه هم على باطل؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يع إلى يومنا هذا أن المناخ الاجتماعي على فوهة بركان، وأن الانفجار قادم لا محالة، وأن ظهر الشعب المطحون لامس الحائط ولا مفرّ من المواجهة في قادم الأيام والاشهر، إن لم يدرك الرئيس خطورة المرحلة؟
كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يقرأ دروس الماضي جيّدا، ولم يدرك أن تأخر خروج الشعب على حاكمه ليس جبنا ولا خنوعا ولا حنينا لحكم الرجل الواحد وسلطة “الماتراك” ولا كرها في خصومه، بل حكمة وخوفا على تونس من فوضى قد يستفيد منها من يقتاتون من الفوضى والخراب؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لم يعرف خطورة أن يجوع شعبه، عليه وعلى الدولة وعلى مستقبل الوطن والأمّة؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا يعتبر كل من يعارضه “إخوانيا” من أبناء الغنوشي وفاسدا وانتهازيا وخائنا ومتآمرا وله أجندات خارجية ومدفوع الأجر، ويعتبره ناكرا للجميل وجحودا لا يفاخر بما أنجزه رئيس البلاد منذ استحواذه على حكم البلاد ورقاب العباد؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا يعتبر نفسه أقدر وأعلم من الجميع بما يجب أن يقوم به من أجل البلاد؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لا يعترف بقامات البلاد ولم يفكّر في تشكيل هيئة من حكماء البلاد ينصحونه ويفيدونه بما لهم من تجربة، وخبرة، وتاريخ، ويستشيرهم في كل ما يفيد العباد والبلاد؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا يرى أنه أكبر من الدولة ومن قامات الدولة، ومن تاريخ الدولة، ويريد إعادة كتابة التاريخ لنفسه على مقاسه؟
كيف لي أن أحب رئيسا يعتبره البعض رسولا بقولهم “لا ينطق عن الهوى” وهو إنسان يصيب ويخطئ؟ كيف لي أن أحب رئيسا يفاخر ويعتبر تغيير يوم الاحتفال بذكرى انقلاب 14 جانفي إنجازا يحسب له ولعهده؟ كيف لي أن أحب رئيسا يعتبر إقصاء خصومه انجازا يعطيه الشرعية الكبرى ويجلسه ملكا على البلاد والعباد؟ كيف لي أن أحب رئيسا قد تشعل كل خطبه نار الفتنة بين أفراد هذا الشعب؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يحب أحدا من مكونات المشهد السياسي، وهو الذي كان شريكا لهم؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يظهر الحب لأي مواطن تونسي من شمال البلاد إلى جنوبها من غير أتباعه، فمن يكره حزبا يكره أتباعه، ومن يحقد على حركة يحقد على أتباعها؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يريد استخلاص تجربة المغفور لها “عشرية الخراب” بأخطائها وبفوائدها حتى لا نكرر هذه الأخطاء ونستفيد من الفوائد؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يأخذ العبرة من الذين سبقوه من الرؤساء السابقين فهل سينتظر أن يمر بنفس التجربة بتبعاتها واسقاطاتها؟
كيف لي أن أحبّ رئيسا أقام بينه وبين الجزء الأكبر من شعبه الذي لا ينتمي لتنسيقياته حائطا من الفولاذ الذي لا يمكن اختراقه؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا أحاط نفسه بمجموعة من المنتفعين ممن ينقلون للحاكم صورة مخالفة للواقع الذي يغلي خلف الجدار الفاصل بين الحاكم والمحكوم؟ كيف لي أن أحب رئيسا يرى في حجم من انتخبوه شرعية تسمح له بحكم البلاد والعباد كما يريد، وكيف يريد، وبالصيغة الذي يريد، وللمدّة التي يريد؟ كيف لي أن أحب رئيسا يصدّق من أتباعه من يوهمه بأن الشعب يأكل حتى التخمة…وسعيد بسعيّد ولا ينقصه شيء في ظلّ حكمه العادل، ولا يرغب في سماع من يقول له إن المجاعة على الأبواب والإفلاس يدق الباب؟ كيف لي أن أحب رئيسا لا يرغب في سماع أي صوت سوى صوت الوصوليين، ومن لا ينقلون له سوى ما يرغب هو في سماعه؟ كيف لي أن أحب رئيسا يصدّق من يقول له ومن يهتف باسمه قائلا إن الله اصطفاه وفضله على غيره من البشر تفضيلا…وأن حكمه سيدوم بإذن الله طويلا؟
كيف لي أن أحبّ رئيسا لا يدرك أن الشعوب حين تجوع وتُظلم وتُحرم من أبسط حقوقها تحمل في طياتها طاقة هائلة قابلة للانفجار في أية لحظة؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا لا يؤمن بأن الملك لا يدوم لأحد وأنه لو دامت لغيره لما آلت إليه؟ كيف لي أن أحب رئيسا انقطع عن الاتصال بمن يخالفه الرأي وبمن لا ينتمي لتنسيقياته واكتفى بملاقاة من هم معه ومن بايعوه فقط؟ كيف لي أن أحبّ رئيسا نسي محاسبة التاريخ ونسي أنّ من لم يترك إرثا ديمقراطيا عظيما لن كيف لي أن أحب رئيسا تخافه حفيدتي وهو يخطب…فكيف لا أخافه وهو يحكم…؟ كيف لي أن أحب رئيسا لم يعلن حبّه لهذا الشعب كل الشعب… بخصومه… بأعدائه… بمن لا يحبونه …وبمن يكرهون حتى مجرّد ذكر اسمه…؟تخلّده كتب التاريخ، ولن يُذكر اسمه في محافل التاريخ؟
في الأخير أقول هذا رأيي قد يتفق معي فيه عدد ممن انتخبوا الرئيس، وقد يختلف معي فيه عدد ممن انتخبوا الرئيس أيضا، هو استغلال شرعي لمساحة من الحرية مكنني منها دستور البلاد…قد يغضب مني الرئيس ويسجنني وحينها يكون لعدم حبي للرئيس ولخوفي مبررا ودليلا…وقد لا يغضب منّي الرئيس وحينها سأروي لحفيدتي أن الرئيس يضحك مثلنا…ويبتسم مثلنا…ولا موجب للخوف منه…
ولأنني لا أحبّ الرئيس أقول له، إن الحقد والكره والفتنة والانتقام والثأر والإقصاء كلها كلمات وجب حذفها من قاموسنا يوم نجلس على كرسي الحكم…وعليه أن يعلم ويشعر بما عاناه أغلب من انتمَوْا لمنظومة الاستقلال والتحديث منظومة بورقيبة وبن علي رحمهما الله بسبب الرغبة الجامحة في الانتقام…والحقد الذي امتلأت به بعض الصدور…عليه أن يعلم أن هؤلاء خسروا كل شيء…وخسرتهم البلاد بما لهم من تجربة…خسروا أنفسهم…وماضيهم وحاضرهم…ومستقبل أبنائهم….وأملاكهم…وما ملكت ايمانهم…وسُحلوا وأُطردوا من مراكز عملهم…وسُلبوا حقوقهم…وحُرموا من خططهم الوظيفية…وعاشوا الرعب تحت رحمة المحاكم الشعبية (رابطات حماية الثورة) فقط لأنهم كانوا يحكمون وينتمون لمنظومة حاكمة لم تكن بالسوء الذي روّجوه عنها…والأسوأ، والأغرب، والأكثر وجعا أنهم حُرموا من مآثرهم وما أنجزوه من أجل هذا الشعب وهذا الوطن…وأعاد التتار والوندال والمغول ومن معهم كتابة التاريخ على مقاسهم…فهل تريد أنت أيضا أن تفعل ما فعله التتار والوندال والمغول والبعض الآخر لمن سبقوهم في الحكم مع من سبقوك في الحكم ومن شاركوك فيه لفترة…هل تريد أنت أن تستحوذ على التاريخ كما استحوذت على الحكم بالانقلاب على من كنت تشاركهم الحكم؟
لا أظنّ أنك ستفعل…وأظنّ أن العقل سينتصر على المزاج…وأنك ستستمع إلى روح العقل…وتحب شعبك بكل من فيه…بمن لم ينتخبوك…ومن لا ينتمون إلى حزبك القادم سرا على أطراف قدميه…ومن يكرهون مجرّد الحديث عنك…ومن سيحاربونك في قادم الأيام على كسب ودّ الناخبين…لأنك ستدرك أنك بالحبّ وبالحبّ وحده…وبالحبّ فقط ستُبْقى اسمك راسخا في أذهان هذا الشعب…وبالحبّ فقط ستكتب اسمك في كتب التاريخ…وبالحبّ فقط سيتحدث عنك الشعب يوم تترك الكرسي…فالإنسانية حبّ…والديمقراطية حبّ….وحكم الشعوب حبّ…فارفع لواء الحبّ لتُجنّب البلاد تبعات الحقد والانقسام….وحّد الشعب بالحبّ…وعلى الحبّ…وكن رئيسا لمن تحبّ…سيحبك من تحب…فمن يصفقون اليوم لغضبك….وتشنجك…وتهديدك…ووعيدك…إنما يصفقون لأنك ستخلصهم ممن يختلفون معهم…فلا تكنْ خصما لأحد…كُن رئيسا وصديقا وأخا…لكل الشعب…
أتريد ان يكتب من سيحكمون بعدك التاريخ على مقاسهم…ويحذفوا كل مآثرك إن تركت…وكل إنجازاتك إن أنجزت؟ وإلى ذلك اليوم…ولأنك إلى يومنا هذا خارج التغطية أمام مشاكل البلاد والعباد وأوجاع الشعب ومعاناته الحقيقية…فأنا لا أحبّك ولن أحبّك…حتى اشعار آخر…أتمناه قريبا…إن أردت…فأعلن حبّك للجميع يحبّك الجميع…
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…