تابعنا على

جور نار

لماذا تُطالب رئاسة الجمهورية… بمراجعة خارطة المسالك والاختصاصات في التعليم العالي ؟

نشرت

في

رغم مرور عقود طويلة على تأسيس الجامعة التونسية، يلاحَظ أن خارطة المسالك والاختصاصات لم تستقرّ بعدُ (باستثناء بعض المسالك بعينها مثل الدراسات الطبية والهندسية  وجزء من العلوم الإنسانية والاجتماعية) وظلّت تراوح بين المركزية الخانقة واللامركزية السائلة، وبين تجميع الاختصاصات في عائلات كبرى قبل تفريعها في مستويات جامعية متقدمة، أو الانطلاق مباشرة بعد النجاح في الباكالوريا في تدريس اختصاصات دقيقة مُحددة يُحبس داخلها الطالب إلى غاية تخرّجه.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

لقد بلغت حالة الفوضى وانسداد الأفق أمام خرّيجي أغلب الشعب الجامعية مستويات قياسية تستوجب التدخل العاجل والمعالجة الفورية (نسبة بطالة بــ23.7 % خلال الثلاثي الثاني لسنة  2023 ـ حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء ـ وتصل هذه النسبة إلى حوالي 36 بالمائة بالنسبة إلى صاحبات الشهائد الجامعية بما يجعل تونس في مقدمة البلدان التي لا تشغّل بناتها المتخرجات متجاوزة الباكستان والعربية السعودية وإيران، بالرغم من أن الفتيات التونسيات تمثلن النسبة الأكبر من الحائزات على شهائد في كل المجالات تقريبا : 74 % في العلوم الفلاحية و 75 % في علوم الصحة و 55 % في تكنولوجيات الإعلامية و 77 % في العلوم الطبيعية والرياضيات، حسب معطيات المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2023).

ويُمكن حسب اعتقادي أن تتم مراجعة شبكة الشعب والاختصاصات الجامعية في تعليمنا العالي وفقا لبعض المقترحات التالية:

دمج منظومتي التعليم الجامعي والتكوين المهني المُتاح بعد الباكالوريا

من الناحية الشكلية والإجرائية الصرفة لا فرق جوهري بين شهادة الباكالوريا في التعليم الثانوي وشهادة مؤهل التقني المهني في منظومة التكوين المهني (وكان من الممكن تماما أن نُطلق على هذا المستوى من الإشهاد شهادة الباكالوريا المهنية أو التكنولوجية أو التأهيلية). وعليه، فإن بقاء هاتين المنظومتين مستقلتين الواحدة عن الأخرى يُفرز “تجديدات” و “إحداثات” في الجامعة لا تنطبق عليها المواصفات الأكاديمية ولكنها فرضت وجودها بمرور الزمن، وأضحت جزءً من المشهد لم نقدر لا على التخلي عنها ولا على الاحتفاظ بها مثل “ناقل الريشة” في التراث الشعبي الذي يجد نفسه أمام اختيار إلزامي يكون بموجبه نادما في الحالتين سوى أخذ معه الريشة أو تركها. ومقابل ذلك، تبقى اختصاصات التكوين المهني (الما بعد باكالوريا) اختصاصات يتيمة لأنها تصطدم بعدم إمكانية مواصلة التكوين داخليا وغلق أبواب الجامعات أمام خرّيجيها من ناحية أخرى.

إحالة عديد الشعب الجامعية فورا إلى منظومة التكوين المهني (مؤهل التقني سامي)

شعبٌ مثل تقنيات اللفّ وتقنيات التصميم (بتفريعاتها المختلفة : الإشهار والهندسة الداخلية والابتكار الحرفي والمصوغ والأثاث والتعليب والابتكار الصناعي والرسوم المتحركة وفن الحجارة والتزويق والنسيج والملابس ومساعد إدارة والدبلجة والتقاط الصوت ومستحضرات التجميل والروائح والعطورات والتصرف في التزويد والرياضة للجميع وصيانة الآلات الثقيلة إلخ… وأنا متأكد أن العديدين منكم بصدد التشكيك هذه اللحظة إن كانت هذه الاختصاصات موجودة فعلا في منظومتنا الوطنية للتعليم العالي أو هي مجرد صورة كاريكاتورية لا علاقة لها بالواقع) اختصاصات كهذه يُدرّسها في أغلب الأحيان حرفيّون ومهنيون من مشارب مختلفة ولا آفاق واعدة أمامها في سوق الشغل، أجدر بها أن تُدرّس في سياقات تكوينية ممهننة “على فنّو ومعناه”.

تجميع الاختصاصات الدقيقة في جذوع أكاديمية مشتركة كبرى

في ماساشوستس أو كامبريدج أو أوكسفورد أو هارفارد أو ستانفورد أو الجامعة الوطنية بسنغافورة (NUS) …وهي الجامعات التي تعتلي سدّة ترتيب الجامعات على المستوى العالمي تتمحور الاختصاصات فيها حول عائلات محورية كبرى مثل علوم الإعلامية والعلوم الإنسانية والاجتماعية وعائلة البيولوجيا والكيمياء والرياضيات والبيوتكنولوجيا والميكروبيولوجيا المطبقة والطب وعلوم الهندسة والعلوم القانونية والأعمال (الإدارة والمالية والاقتصاد (كما في هارفارد) ويُترك للطالب خلال مساره الجامعي حرية تدعيم تكوينه الأساسي بوحدات اختيارية موازية حسب ميُوله ووفق ما يغذّيه من مشاريع مستقبلية في علاقة بسوق الشغل وتطور المهن …

أما الاختصاصات الصناعية أو التمهينية الصرفة فلها مؤسساتها الخاصة ومُكوّنوها المخصوصون… ولا يهم كثيرا في هذا المجال تحديد أية وزارة تتكفل بهذا التكوين أو ذاك، ولا تهم أشكال التنسيق والنواحي القانونية والإجرائية لأن الغاية الأسمى هي عدم الزجّ بأجيال في اختصاصات هجينة لا هي بالمهنية ولا بالأكاديمية.

يُلاحظ في تونس أن نفس “الجامعيين” الذين يُعدّون مضامين الإجازات الأساسية هم أنفسهم من يُهندسون محتويات الإجازات التطبيقية (قبل التخلي عن هذا التفريع البهلواني منذ سنتين أو ثلاث) ومن يدرّس الأساسي هو نفسه من يُدرّس التطبيقي دون أي تمييز بين المهارات المطلوبة هناك والاستعدادات المستوجبة هنا.

تحدّثتُ مؤخرا مع بعض الطلبة الصُمّ المُتابعين لدراساتهم الجامعية ضمن شعبة “لغة الإشارات” وأكد جميعهم على أن إحداث هذا الاختصاص بالرغم من ثوريته وتاريخيته لم يسبقه أو حتى يرافقه إعداد جيد لمن سيُدرّس المواد والوحدات المُبرمجة فيه (علم اجتماع الصّمم، النحو الإشاري، طرق التواصل مع الأمم … نعم ! … لغة الإشارات التونسية، تقنيات الترجمة والتأويل، إلخ…) حتى بات بعض “المُعوّل عليه للتكوين” يأتي إلى الفصل لكي يعيش ويتعلّم ويكتشف ويعرف ظواهر جديدة في عالم الصمّ لم يألفها البتّة في حياته. ومن النوادر المسجّلة في هذا الباب أنه خلال فترة الكورونا كان الأساتذة يرفضون نزع كمّاماتهم خوفا من الإصابة أمام فئة من الطلبة لا يكتمل في أذهانهم المعنى الكامل للكلام إلا متى ارتسمت على شفاه المتحدّث حركات وإيماءات وإشارات غير صوتيّة تُوصل المعاني إلى المتلقّي !

القطع مع “الطبقية” في التعامل مع الجهات الداخلية

من الواضح أن المؤسسات المزروعة عشوائيا بالجهات الداخلية تعاني حسب تقديري من ثلاث معضلات كبري هي :

– استقبالها لأضعف معدّلات النجاح في الباكالوريا بالنسبة إلى كل الباكالوريات

– احتضانها لأكثر الاختصاصات الجامعية معاناة من بطالة خرّيجيها طويلة الأمد

– تسجيلها لأضعف نسب التأطير من حيث جودة التكوين إذا قسناها بمؤشر تواجد أساتذة الصنف أ من الجامعيين في مُدرّجات مؤسسات تلك الجامعات (أي أساتذة التعليم العالي والأساتذة المحاضرون مقارنة بباقي الأصناف: الأساتذة المساعدين، المساعدين القارين، المساعدين المتعاقدين، المتعاقدين الحاملين لشهادة الدكتوراه، المتعاقدين المسجلين بشهادة الدكتوراه، التكنولوجيين، أساتذة التعليم الثانوي، الحرفيين، الخبراء الفلاحيين إلخ…)

فعلى سبيل المثال يتوزع أساتذة التعليم العالي والأساتذة المحاضرون (Corps A)  سنة 2022 في بعض جامعاتنا على النحو التمييزي التالي :

جامعة سوسة : 93 أستاذ تعليم عال و 106 أساتذة محاضرين

جامعة تونس المنار : 329 أستاذ تعليم عال و 174 أستاذا محاضرا   

جامعة جندوبة : 11 أستاذ تعليم عال و 18 أستاذا محاضرا فقط… مقابل 131 أستاذ تعليم ثانوي

جامعة القيروان : 6 أساتذة تعليم عال و 19 أستاذا محاضرا فقط…   مقابل 109 أساتذة تعليم ثانوي

وهو مشهد هيكلي مختلّ جدا يتجاوز مجرد المطالبة بمراجعة بعض المسالك وإيجاد الحلول الظرفية لطول أمد بطالة خريجي الجامعة التونسية.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار