“الماضي من التاريخ، والمستقبل غامض ومُفعم بالتساؤل، أما اليوم فهو هِبَة حقيقية لذلك نسمّيه حاضرا” الأمريكية إيليانور روزفلت.
منصف الخميري
ليس لديّ شخصيا أيّ وهم في أن نرفع – بمجرّد أمنيات وصلوات استسعاد– سنة حالكة ونستبدلها فجأة بأخرى تكون أقل ضراوة وأكثر غبطة. لكن ذلك لا يمنعني من الاستبشار والتلويح بكل ثقة أن السنة الجديدة ستكون أرحم من سابقتها شاءت أم أبت وستكون حُبلى بكل معاني الفرحة والخروج من النفق المظلم الذي أبحرنا في ثناياه بالرغم عنّا وبالرغبة منّا أحيانا أخرى.
أكاد أتحدّى السنة الجديدة أن تقدر على محاكاة ما فعلتهُ بنا سابقتها وأن تحفر أكثر من هذا في جروحنا الغائرة، وأن يكون لديها من طاقة زرع الإحباط ما هو أوفر مما اختزنته سنة 2022.
أنا مُصرّ على تفاؤلي وتعهّده رغم الصعوبات والتحديات الجبلية التي تواجهها بلادنا في هذه اللحظة الفاصلة بين عامين، والفاصلة أيضا بين وضع أزّمته أحزاب وقطعان ومجموعات حكمت بكل ما لديها من غُلّ وحقد ونهم وعطش إلى مُراكمة الغنائم لا يرتوي، ووضع لم يقدر الماسكون به اليوم على الارتقاء به وتطويق آثار الإعصار الذي مرّ على البلاد وإعادة ترتيب البيت التونسي البديع في أصله… حتى بات وضعا يُنذر بكل الأخطار … التي لن أعدّدها لوقعها المُدمّر على كياننا الذي أنهكته الجوائح والذبائح.
متفائل بشكل “غير ساذج” لاعتبارات موضوعية أعتبرها غير متنافرة كثيرا مع واقعنا :
أولا : يقول أسلافنا ان الأوقات الصّعبة يتعيّن التعامل معها على أنها مجرد عواصف لا تُعمّر أبديا وسرعان ما يخرج الناس في يوم الغد يتفقدون محاصيلهم ومواشيهم ووضع جيرانهم، وأن الحياة لا تختار أبدا عوضا عنّا لأننا نحن القيادة الوحيدة لسفينة حياتنا. “فلدينا الحرية في أن نَعبُر العاصفة إلى غاية تلك الضفاف المجهولة والعذراء وذات البهاء الأزلي حيث تكون كل الأحلام مُمكنة” على حدّ قول الروائي كومباس.
وبالتالي، فإن الوضع الاستثنائي الراهن لن يطول أكثر من هذا، حركة التاريخ ترفض ذلك… لقد حان الوقت لانقشاع الغيوم واستقرار الأوضاع مجددا، حتى وإن كانت كُلفة الترميم وإعادة البناء باهظة جدا وتتجاوز إمكانيات دولة تضافرت عليها عدم كفاءة مُسيّريها وأزمات الوضع العالمي المتهالك.
ثانيا : لو نتعامل بشيء من التنسيب والإيجابية مع الوضع التونسي خلال السنوات الأخيرة بعد 2011، لقلنا ان التونسيين عاشوا خلال 10 سنوات ما تعيشه الشعوب الأخرى خلال مئات السنين، إذ تسنّى لهم أن يتعاملوا مع كل الرّهوط وشتى أنواع خطابات البلّوط، وتيسّر لهم تجريب كل أنواع الانتخابات والهيئات والاستفتاءات والاستشارات وأصناف الدساتير حتى فقدوا الثقة في مُخرجات الصناديق ولمعان المساحيق. عايشنا كل شيء تقريبا وألِفناهُ وقدَرنا على استيعاب أبشع الوقائع وأتعس المآلات (دون التصالح معها) : ألم يدفع الشعب التونسي من عظمه ولحمه ملايين الدولارات تعويضا للأمريكان على احتراق سفارتهم على يد كمشة من اللحي المأجورة التي تحميها وزارة الداخلية ؟ ألم يسكن الإرهاب المسلح ديارنا ومصحّاتنا ؟ ألم تكن تونس منطقة عبور لكل مجرمي العالم المتجهين إلى سوريا والعراق وليبيا ؟ ألم نساهم في تدمير ليبيا وسوريا ؟ ألم يكن وزراؤنا يصوّرون إلى جانب أحذية زوجة رئيس أسبق تعبيرا عن ثوريّتهم البِكر ؟ … بعد كل هذه الفظاعات وغيرها (التي لا أعتقد أن شعبا واحدا في العالم عاش مثلها في ظرف تاريخي وجيز جدا)، لا أعتقد أن القدَر مازال يُخفي بشاعات أخرى، لأنه أفرغ كل ما في حقيبته كما أفرغ السيد نُويل حقيبة هداياه وعطاياه في موفى 2022.
أين هم كل أولئك الذين شمتوا فينا وأعدّوا لنا المشانق والمقاصل وبدؤوا في تخزين الأسيد الحارق لرش السيقان النسوية العارية ؟ لا أثر لهم حتى وإن مازالوا على قيد الاستعداد للتّخريب، لكنّهم قُبروا نهائيّا في ذهنيّة التونسي… الذي قطع بشكل حاسم مع أغلب العناوين والأصول التجارية التي دمّرت الشعوب تاريخيا : الاتجار بالأخلاق وتوظيف الأديان ومقولات “الوطن فوق الأحزاب” الكاذبة وكذلك الوقوف في صفّ الفقراء والمساكين.
لم يبقَ أمام الجميع إلا عنوان واحد : عنوان “قالّو حصاني يصفّ السّدرة ; قالّو هذا حصانك و هاذي السّدرة“، بمعنى أن كل الحظائر مفتوحة على مصراعيها في الوقت الحالي وتتطلب معالجتها أيادي ماهرة وعقولا استباقية وروحا وطنية خالصة تُخلّص البلاد ممّا تردّت فيه…ولكن بشكل ميداني ليرى التونسيون نتائج الإصلاح ومعالجة الملفات الكبرى على الأرض ضمن آجال منظورة.
ثالثا : الاعتبار الثالث الذي يجعلني متمترسا في تفاؤلي ومتوقّعا أن بلادنا ستنتصر قريبا على نفسها، هو اقتناعي الراسخ بأن بلادا يعرفها العالم بأسره بكونها بلادا تزدهر فيها الكفاءات بأنواعها (وخاصة في الطب والهندسة والرقميات وتسيير المؤسسات المالية والبنكية والخبرات الفلاحية والحديدية – نسبة إلى سكك الحديد- حيث تُبنى اليوم أرضية القطارات والميترو في بلدان الخليج بكفاءات تونسية، الخ…). وتُعرف كونيّا كذلك بأنها بلاد-حديقة تتّسع لكل ما تشتهي العين وسقف الحلق من غلال وفواكه وحبوب وأشجار وثمار تكفي لإعاشة لا التونسيين فقط بل جزء كبير من الانسانية. نعم تونس يعرفها العالم المتحضّر بأنها أنجبت أسماء عُظماء تركوا بصماتهم المحفورة في صفحات كتاب الانسانية جمعاء وبأنها بلد صغير يُنافس على أولى المراتب في كل المسابقات الرياضية وبأنها رقعة جغرافية ضئيلة طموحها وأحلام أبنائها أوسع من مساحتها.
بلاد بهذه الصورة وهذا الزخم وخاصة بهذه الحصانة المُكتسبة بعد سنوات دهريّة من العبث المنظّم لا يمكن أن تسقط. وحالة اللادولة لا يمكن أن تستمر. ومناخات التوتر السياسي الدائم لا يمكن أن تتواصل إلى ما لا نهاية. والجُرعات الانتخابية والدستورية اللامتناهية باتت فاقدة لأية مشروعية لأنها لم تقترن بأي تقدّم في مجال معيش الناس وعدد المليمات في جيوبهم.
أقول في الأخير ان التونسي الذي بَنى آلاف المدارس والمعاهد والجامعات وشيّد السّدود وآلاف الكيلومترات من الطرقات والجسور في الداخل والخارج وخرّج أفواجا وأفواجا من المهارات العلمية المطلوبة اليوم في العالم وزرع ملايين أشجار النخيل والزيتون … قدرُهُ أن يستعيد عافيته ويستبعد كل “الزوائد” على طريق صنع مجده وانتزاع مكانته التي تليق به بين شعوب العالم.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟