تابعنا على

جلـ ... منار

مجمّع الشفاء واستباحة الجسد البشري: في غزّة كما في واشنطن

نشرت

في

يُفهم، بيُسر وبساطة وكثير من المنطق المستند إلى سوابق لا عدّ لها ولا حصر، أن تلتحق مختلف مؤسسات الإدارة الأمريكية الراهنة بهذه أو تلك من الأكاذيب، الفاضحة الفاقعة، التي تروّج لها دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ في سياقات شتى عموماً، وبصدد العدوان الهمجي الراهن على المدنيين من أبناء قطاع غزّة خصوصاً.

صبحي حديدي
<strong>صبحي حديدي<strong>

لم يكن جديداً تبنّي الإدارة الأكذوبة الإسرائيلية بصدد قصف المستشفى الأهلي المعمداني، ولن تكون أخيرة “المعلومات الاستخباراتية” الزائفة التي أعلنت الإدارة أنها تملكها حول وجود قيادة عمليات لحركة “حماس” في أقبية مجمّع الشفاء الطبي. كما أنّ هذا السلوك الببغائي خلف أضاليل الاحتلال لم تنفرد إدارة بايدن بإدخاله وترسيخه، بل انتهجته الإدارات الأمريكية كافة، وطوال عقود من المساندة العمياء للفظائع الإسرائيلية على اختلاف أصنافها، السياسية والعسكرية والاستيطانية والعنصرية، من دون استثناء المجازر الدامية وجرائم الحرب الصارخة.

ما لا يصحّ أن يُفهم، باليُسر ذاته على الأقلّ، هو سكوت الهيئات الصحية الأمريكية، الرسمية منها ولكن الأهلية أيضاً وفي المقام الأوّل، عن استهداف المشافي والمصحات وسيارات الإسعاف، وبداخلها أيّ وكلّ عامل في الخدمات الطبية فلسطينياً كان أم أجنبياً.

فضائحي أكثر، وسافر جدير بأقصى الاستنكار، أن تتجاهل تلك الهيئات ما يصدر في هذا الصدد عن منظمات أممية ودولية مثل الصحة العالمية أو اليونيسيف أو الأونروا أو الصليب الأحمر أو أوكسفام، وكذلك عن منظمات حقوقية ذات شأن مثل العفو الدولية أو هيومان رايتس ووتش.

خلافاً، على سبيل الإيضاح المفيد، لاثنين من أشهر النصوص في القانون الدولي حول حماية المشافي والعاملين في الخدمات الطبية: 1) المادة 19 من مواثيق جنيف لعام 1949، التي تقول: “لا يجوز، تحت أيّ ظرف، مهاجمة المؤسسات والوحدات الطبية، ويتوجب احترامها وحمايتها من جانب أطراف النزاع”؛ و2) القاعدة 25 من “القانون الإنساني العالمي” الذي ينصّ على أنّ “العناصر الطبية المكلفة بواجبات طبية يتوجب احترامها وحمايتها في جميع الظروف”. هذا عدا عن اشتراطات اتفاقية روما 2002، التي شكّلت الأساس القانوني لمحكمة الجنايات الدولية، والتي تنصّ صراحة على أنّ الهجمات عن سابق قصد ضدّ المشافي وأماكن إيواء الجرحى والمرضى تُعدّ جريمة حرب.

المثال الأحدث، ولعله لن يكون الأخير أو حتى الأبرز، هو موقف “الرابطة الطبية الأمريكية” AMA، التي عقدت اجتماع مجلس المندوبين يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، فرفضت قيادة الرابطة دعوة 135 من الأعضاء لإجراء مناقشة حول ضرورات وقف إطلاق النار، بل وحجبت عن هؤلاء الحقّ الشرعي في 90 ثانية من التعليق على جدول الأعمال. وجاء في بيان المطالبين بفتح النقاش أنّ على عاتق الرابطة “مسؤولية التمسك بأمان العاملين في العناية الصحية وخفض المعاناة الإنسانية، ومن الواضح تماماً أنّ هذه القيم لا تُراعى من جانب بعض الأطباء المتنفذين في البلاد”.

فإنّ امتناع الرابطة الأمريكية عن المطالبة بوقف إطلاق النار في غزّة ليس دعوة صريحة لإعلان حرب مفتوحة على الجرحى والمرضى بل هو خيانة قصوى، لأبسط ما يقتضيه الطبّ من طرائق وإجراءات

هذه حال فاضحة استوقفت العديد من الكتّاب والباحثين المعنيين بالعلاقة بين الطبّ والحرب، من زوايا حقوقية وقانونية وإنسانية وأخلاقية، ثمّ سياسية في نهاية المطاف؛ على غرار روبا ماريا، الطبيبة وأستاذة الطب في جامعة كاليفورنيا ومؤلفة الكتاب الرائد “التهاب: الطبّ العميق وتشريح انعدام العدالة” 2021، بمشاركة الصحافي الهندي راج باتيل. وفي السطور الأولى من الكتاب يستعيد المؤلفان مقولة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، في أنّ الجسد البشري “مورّط مباشرة في الميدان السياسي، وعلاقات القوّة تمارس تأثيراً فورياً عليه، فتستثمر فيه، وتترك عليه علامتها، وتعذّبه، وتجبره على تنفيذ المهامّ، وعلى أداء الطقوس، وإصدار العلامات. هذا الاستثمار السياسي للجسد البشري مقترن بعلاقات تبادل معقدة، وباستخدام اقتصادي، وهذه قوّة إنتاج تُستثمر في علاقات القوّة والإخضاع”.

لم يكن غريباً أنّ أمثال ماريا وباتيل كانا في طليعة الأصوات التي لم تتردد في إدانة جرائم الحرب الإسرائيلية عموماً، وتلك التي استهدفت المشافي والمرافق الطبية خصوصاً؛ وتصدت، استطراداً، لفضح سكوت الهيئات الصحية الأمريكية عن تلك الجرائم، من جانب أوّل؛ بالمقارنة، في المقابل، مع صراخها ضدّ انتهاكات أقلّ مارستها القوات الروسية الغازية في أوكرانيا. هنا، أيضاً، تتلاقى طرائق استثمار الجسد البشري بالتوازي مع علاقات القوّة والإخضاع، ويصبح نافلاً أيّ وجه للمقارنة بين مشفى في كييف وآخر في مدينة غزّة؛ كما تُكمم، أو حتى تُخنق تماماً، الأصوات التي تدعو إلى منطق مساواة في الحدود الدنيا، بين ضحية وضحية وطبيب وطبيب، على شاكلة ما فعل مدراء مؤتمر “الرابطة الطبية الأمريكية” مؤخراً.

وهذه الرابطة، للإيضاح المفيد مجدداً، تأسست سنة 1847 في شيكاغو، وتضمّ 271,660 منتسباً، بين طبيب وطالب طبّ، وميزانيتها تُحتسب بمئات الملايين، كما يتفق الكثيرون على أنها في عداد أقوى مجموعات الضغط داخل الولايات المتحدة إذْ تنفق نحو 18 مليون دولار سنوياً على أنشطة تأييد حملة هنا أو إفشال أخرى هناك. تاريخها يسجّل مخازي كثيرة، بينها إقرار الفصل العنصري بين الأطباء البيض والسود خلال حراك الحقوق المدنية، وعرقلة اعتماد الأطباء الألمان اللاجئين إلى أمريكا هرباً من النازية والرايخ الثالث؛ وزائر موقع “رابطة فلسطين الطبية الأمريكية” سوف يعثر على ملابسات شتى، قديمة ومتجددة، بصدد مواقف الرابطة الأمّ بصدد القضية الفلسطينية.

الأحدث، كما سلف، كان رفض التصويت على وقف إطلاق النار في غزّة، بذريعة أنه “مطلب جيو ـ سياسي” وليس من اختصاص الرابطة؛ التي اقتفت، في واقع الأمر، الخطّ الجيو ـ سياسي ذاته الذي اعتمده البيت الأبيض وزعماء ديمقراطيات غربية أخرى في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، والاتحاد الأوروبي في الركب ذاته.

وكي لا تكون الرابطة الأمريكية أقلّ اغتراباً عن مثيلاتها داخل دولة الاحتلال، كان نحو 100 طبيب إسرائيلي قد توافقوا على عريضة (نعم: عريضة!) مكتوبة بالعبرية، تدعو إلى قصف كلّ مشافي غزّة، وتقول بالحرف: “لا يجب أن يكون هناك مكان آمن لكلّ من يخلط بين المشافي والإرهاب”؛ وأيضاً: “سكان غزّة الذين قبلوا تحويل المستشفى إلى وكر إرهابي والاستفادة من الأخلاقيات الغربية، هم أولئك الذي تسببوا في إفناء ذاتهم”. وهكذا فإنّ هؤلاء “الأطباء” ممّن أدّوا قسم أبوقراط كما يُفترض، لا يكتفون بالدعوة إلى فرض العقاب الجماعي والعشوائي والهمجي على المشافي فحسب؛ بل يعمدون أيضاً إلى إسباغ الشرعية على الإبادة الجماعية، تحت مظلّة استشراقية بذيئة عنوانها “أخلاق” الغرب، وضمن تصنيف موازٍ لذاك لذي اعتمده رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حين تحدث عن “أطفال الظلام” في غزّة، أو وزير دفاعه يوآف غالانت الذي اختار توصيف “الحيوانات البشرية”.

وإذا لم تكن عريضة الأطباء الإسرائيليين غريبة عن سياقات عديدة شهدت تواطؤ العديد من المهن والوظائف الإسرائيلية مع سياسات الاحتلال القمعية والاستيطانية والعنصرية، فإنّ امتناع الرابطة الأمريكية عن المطالبة بوقف إطلاق النار في غزّة ليس دعوة صريحة لإعلان حرب مفتوحة على الجرحى والمرضى والمصابين والعاملين في الخدمات الطبية والمستشفيات، فحسب؛ بل هو خيانة قصوى، شنيعة وبغيضة، لأبسط ما يقتضيه الطبّ من طرائق وإجراءات. هو استباحة للجسد البشري، عبر السكوت عن اضطرار أطباء مشافي غزّة إلى إجراء عمليات توليد قيصرية بسبب تدني أو انعدام شروط الحدّ الأدنى، أو إجراء الجراحات المختلفة من دون تخدير، أو استخدام المنظفات المنزلية في تعقيم المشارط…

أنساق استباحة قصوى، بأوامر نتنياهو في غزّة، وسكوت الرابطة الأمريكية في واشنطن.

ـ عن “القدس العربي” ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب وباحث سوري مقيم بباريس

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

«مسرحة بلا مسرح”.. ومفاوضات بلا أفق!”

نشرت

في

عبد الله السنّاوي:

مرة بعد أخرى تعود مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة إلى نقطة الصفر، كأننا أمام عرض ارتجالي بلا نص معروف، أو أفق منظور.

عبد الله السنّاوي

بتعبير الدبلوماسي المصرى العتيد الدكتور محمود فوزى: “أرى أمامي مسرحة بلا مسرح، أصوات وأضواء وحركة ممثلين دون أن يكون هناك نص يضبط الحركة، أو بوصلة تقول لنا ماذا يحدث؟.. ثم ماذا بعد؟”.

كان ذلك توصيفا ساخرا من موقعه نائبا لرئيس الجمهورية عندما بدأت ما أطلق عليها “عملية السلام” إثر حرب أكتوبر (1973) – حسبما روى لي الأستاذ محمد حسنين هيكل.

الأجواء تتكرر على نحو هزلي هذه المرة.

الفارق بين الحالتين هو نفسه الفارق بين “هنرى كيسنجر” و”أنطونى بلينكن”.

كلما بدا أن هناك تقدما بالمفاوضات يضع حدا للمأساة الإنسانية المروعة في غزة تتبدى أسباب وذرائع جديدة لإفشالها جولة بعد أخرى.

في كل مرة تنسب الإدارة الأمريكية مسؤولية الإفشال إلى الجانب الفلسطيني وتعفي رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” من أية مسؤولية رغم مواقفه المعلنة، التي تناهض التوصل إلى أي اتفاق.

حسب “بلينكن” هناك خطة جديدة لإنهاء الحرب بصفقة تبادل للأسرى والرهائن تحظى (90%) من نصوصها بالتوافق عليها!

قبل أن يردف بأن هناك نقطتين جوهريتين معلقتين: محور فيلادليفيا والأسرى المشمولين بالصفقة، حتى يكون بوسع إسرائيل ترتيب أولوية الإفراج عن رهائنها وأسراها والاعتراض بنفس الوقت على أي اسم فى قوائم الإفراج الفلسطينية.

على مدى جولات تفاوض متعاقبة لم يتطرق نتنياهو إلى محور فيلادليفيا بطلب السيطرة العسكرية الإسرائيلية عليه بذريعة منع تهريب السلاح من سيناء إلى غزة.

لماذا الآن؟

هذا سؤال ضروري.

إفشال المفاوضات داع أول.

غياب الردع داع ثان.

ما يحدث تجاوز بحق مصر وأمنها القومي لا يمكن تقبله، أو الصمت عليه.

إنه خرق صريح ومباشر لاتفاقية “كامب ديفيد” وبروتوكولاتها الأمنية، التي تمنع التمركز العسكري في ذلك المحور دون ترتيبات مسبقة، أو موافقة عليه من الطرف الآخر.

بقدر مماثل بدا الاحتلال الإسرائيلي لمعبر رفح البري من الناحية الفلسطينية خرقا لاتفاقيات وتفاهمات د”.

المعنى السياسي المباشر أن مصر لم تعد وسيطا في المفاوضات.

إنها طرف مباشر وأمنها القومي على المحك.

في مؤتمرين صحفيين متتاليين، أولهما بالعبرية والآخر بالإنجليزية، بدا “نتنياهو” مأزوما بفداحة إثر مقتل (6) من الأسرى الإسرائيليين.

لاحقته اتهامات واسعة حملته مسؤولية مقتلهم وجرت تظاهرات غاضبة في تل أبيب دعت إلى عقد صفقة تبادل للأسرى والرهائن دون إبطاء.

حاول دون جدوى إعادة صياغة أهدافه من الحرب، تقويض قدرات “حماس” أولا، وعودة الرهائن ثانيا، وألا تعود غزة مرة أخرى مصدر تهديد للأمن الإسرائيلي ثالثا.

تخلى واقعيا عن هدف إنهاء “حماس” بعدما ثبت استحالته.

قلص وعوده بإرجاع جميع الرهائن إلى بيوتهم بالضغط العسكري وحده.. الأمن له الأولوية حتى لو عادوا جميعهم في توابيت.

ولمح مجددا إلى إعادة احتلال غزة، دون أن يقولها مباشرة خشية رد الفعل الدولي.

لم يجد أمامه للدفاع عن نفسه غير اصطناع تناقض بين عودة الرهائن والأمن الإسرائيلي، والتحرش المتكرر بمصر!

تجاوز كل حد واعتبار، وهو ما يستحق الرد عليه بالأفعال، لا بالأقوال وحدها.

أقل رد ممكن: تعليق اتفاقية “كامب ديفيد” على ما لوحت مصر سابقا.

بقوة الحقائق لا تحتمل إسرائيل ذلك، إذ ينظر لهذه الاتفاقية كأهم حدث في تاريخ الدولة العبرية بعد تأسيسها، كما قالت وقتها صحيفة “الجيروزاليم بوست” الإسرائيلية.

ولا تحتمل مصر التجاوز بالإهانة والاستخفاف دون ردع مناسب.

بكل حساب جيواستراتيجي فإن الإدارة الأمريكية ليست بوارد أن تسمح بانهيار جوهري في استراتيجيتها بالشرق الأوسط.

لسنا فى موقف ضعف رغم كل الأزمات الداخلية والإقليمية.. ولا إسرائيل المنهكة عسكريا والمأزومة داخليا في مركز قوة.

لا تقدر إسرائيل على حرب إقليمية إلا إذا حصلت على دعم عسكري واستراتيجي كامل من الولايات المتحدة.

ولا تحتمل حربا دينية مفتوحة إذا أفضت اقتحامات المسجد الأقصى المتكررة من وزراء فى حكومة نتنياهو إلى النيل من سلامته.

هو نفسه كشف منذ شهرين أنه سيعارض أي اتفاق.

كان ذلك قبل طرح ذريعة “محور فيلادليفيا.

حسب مسودة الاتفاق المقترحة تبدت أفكار أمريكية غير مقنعة وغير متماسكة للالتفاف على تلك الذريعة، كالتفرقة بين الأجزاء المكتظة وغير المكتظة بالسكان في ذلك المحور، أو فكرة إنشاء قوات دولية لا تشارك فيها الولايات المتحدة!!

في اللحظة الحالية تبدو الإدارة الأمريكية لأسباب انتخابية أكثر حماسا عن أية مرة سابقة للتوصل إلى اتفاق، لكنها لنفس الأسباب تبدو أضعف من أن تمارس ضغوطا حقيقية على إسرائيل للتوصل لصفقة.

تدرك أن نتنياهو»اول شراء وقت حتى نوفمبر المقبل، أملا في صعود دونالد ترامب حليفه التقليدي للبيت الأبيض، لكنها لا تفعل شيئا غير الإلحاح الدعائي على أن الاتفاق وشيك.

الحقائق تعلن عن نفسها والكلام التفاوضي يدور بنفس الدائرة، كأنه مقصود أن يقال إن هناك مفاوضات وهناك أمل في وقف الحرب وعدم تمددها إلى حرب إقليمية لا تقتضيها المصالح الأمريكية.

لا “نتنياهو” مستعد للمضي في أية تسوية، إذ إنها تعني مباشرة خسارة منصبه، ولا المقاومة الفلسطينية مستعدة بنفس الوقت أن تخسر كل شيء، أو أن تضفي شرعية على احتلال غزة مجددا، أو أن يعود نتنياهو لمواصلة حرب الإبادة والتجويع بعد أن تكون قد تخلت عن أقوى أوراقها، ورقة الأسرى والرهائن.

ما يحدث بالضبط انفلات قوة تطلب إبادة شعب بأسره في غزة والضفة الغربية معا، تتجاوز القانون الدولي، تدمر البنى التحتية لجعل الحياة مستحيلة والتهجير القسري ممكنا.

التصعيد عنوان رئيسي لا يمكن تجاهل تبعاته رغم أجواء المسرحة في مفاوضات بلا أفق.

ـ عن “الشروق” ـ المصرية ـ

أكمل القراءة

جلـ ... منار

“الملاك يهبط في بابل”

نشرت

في

وفاء سلطان:

ليس كل كتاب أقرأه ويعجبني معناه أنني اؤمن قطعا بكل ماجاء فيه.

لكنني حتما أستفيد من كل فكرة أقرؤها، لأنها تساهم في توسيع مداركي اتفقت معها أم لم أتفق.

وفاء سلطان

انتهيت لتوي من قراءة كتاب أهدتني إياه ابنتي بالتبني الشابة الجميلة Zara Otaifah

الكتاب بعنوان:

The Three Waves of Volunteers

And The New Earth!

(الدفعات الثلاث من المتطوعين والعالم الجديد)

……..

الكاتبة فيلسوفة أمريكية مختصة في علم التنويم المغناطيسي.

على مدى عدة عقود قامت بتنويم الكثير من مرضاها،

واستطاعت، بناء على قولها، أن تقرأ اللاوعي عندهم وتتعرف على حيوات سابقة عاشوها،

وبالتالي وصلت إلى قناعاتها المذكورة في الكتاب،

والتي لست بصدد شرحها، ولا يهمني أن تؤمن بها أم لا. حتى لو كان الكتاب محض خيال،

ما أعجبني فيه هو وضوح الفكرة وجمالها الإنساني.

إذ لا يوجد عبارة واحدة فيه تحتاج إلى رجل دين (مشعوذ) كي يفسرها ويحاول أن يغطي قبحها بما هو أقبح منها!

هذا من جهة ومن جهة ثانية، لا يمكن لعبارة واحدة أن تسيء إلى أي جزء من هذا الكون، بل على العكس

تتدفق نهرا من المشاعر الطيبة في نفس القارىء

وترتقي بروحه فوق قبائح المعتقدات سواء بالوعي أو باللاوعي عنده!

……..

كل الكتب التي تحكي عن هكذا تجارب تشرح أننا نأتي إلى الحياة لنتعلم درسا، نموت ونعود إليها لكي ندفع

ثمن أخطائنا، وبالتالي لنستمر في التعلم واكتساب الحكمة، حتى نصبح مع الزمن مجرد أرواح نقيّة طاهرة تسبح في عوالم أرقى من عالمنا الأرضي!

هذا الكتاب لم يشذّ عن هذه القاعدة.

الفكرة الجديدة فيه: أن هناك أرواحا نقية لم يسبق أن أتت إلى الأرض لتخطيء وتتعلم.

هذه الأرواح تتطوع بين الحين والآخر لتأتي إلى الأرض من عوالم أخرى، كي تساهم بطاقتها الجميلة في التخفيف من حدة كوارثها.

وجودها على الأرض يحملها عبئا ثقيلا في بعض الأحيان

تعجز عن حمله فتقرر العودة.

……..

وهذا، وفقا لرأي الكاتبة، يشرح الكثير من حالات الانتحار

ويشرح أيضا وجود حالات لأشخاص لا يستطيعون إطلاقا أن يتكيفوا مع جنون البشر.

ويعزز صحّة المثل الشعبي: لو خليت خربت

طبعا، علميّا لست متأكدة من استنتاجات الكاتبة،

ولا اؤمن بحرفيّتها.

لكن لا أستطيع أن أنكر الدور الذي لعبته في تعزيز قناعاتي وسلوكياتي،

والتي ملخصها أن عليّ أن أتعامل مع كل شخص ألتقي به كروح كونية متحررة من أي خلفية دينية أو ما شابه.

وأن أية محاولة لأميّز نفسي عن الآخر دينيا، فكريا، ماديا، علميّا أو لأي اعتبار آخر، هي محاولة عنصرية تسبب اضطراب الروح وبالتالي هزمها

……..

لقد استعرت تعابير (مضطربة ومنهزمة) من كتابين،

إحداهما للعالمة الروحانية الأمريكية Salvia Brown

التي تسمي هكذا أرواح

Troubled Souls

في كتابها On The Other Side

والآخر للمفكر الأمريكي Don Baker

الذي يسميها الأرواح المنهزمة defeated Souls في كتابه

What Happy People know

……..

نعم عندما تتخندق ضد الآخر تضطرب روحك وتنهزم،

وكذلك تساهم أيضا في اضطراب روح الآخر وهزيمتها.

من هذا المنطلق بت أرفض وأكره المعتقدات، التي تخلق عالما مهزوما ومضطربا حتى النخاع

أكمل القراءة

جلـ ... منار

مع اقتراب الذكرى 20 لرحيله… ياسر عرفات في جنين

نشرت

في

صبحي حديدي:

مادة ياسر عرفات (1929ــ2004) في غالبية الموسوعات الغربية التي تؤرّخ لـ”النزاع العربي ــ الإسرائيلي” تشدد على دوره في “عملية السلام” من مؤتمر مدريد، ومفاوضات أوسلو واتفاقياتها، وصولاً إلى كامب دافيد والتفاهمات المختلفة مع رؤساء حكومات إسرائيلية أمثال إسحق رابين وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك؛ أكثر من تركيزها على مواقعه القيادية، سواء داخل حركة “فتح” أو منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية في رام الله. وهذا تفصيل مفهوم الدوافع بالطبع، لا تخفى عنه مفارقات التاريخ بين حين وآخر، أو عموماً في واقع الأمر.

صبحي حديدي

على غرار المفارقة التالية: مع اقتراب الذكرى الـ20 لرحيل أبو عمّار، تشهد اليوم محافظات جنين وطولكرم وطوباس، والضفة الغربية والقدس إجمالاً، حروب اجتياح إسرائيلية لا تضرب عرض الحائط بقسط كبير من بنود اتفاقيات “عملية السلام” على امتداد مراحلها، فحسب؛ بل تحيلها، فعلياً، ومعها العملية بأسرها، إلى حبر باهت على ورق بالٍ. الأخبار، حتى الساعة، تشير إلى استشهاد أعداد إضافية من الفلسطينيين، بما يرفع عدد الشهداء في الضفة الغربية إلى 667 منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

وإلى جانب حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، وامتدادها على أكثر من مستوى واحد إلى الضفة الغربية والقدس المحتلة، فإنّ الحال الرسمية للسلطة الفلسطينية عموماً، ورئيسها محمود عباس خصوصاً، تحيل بدورها إلى شخص عرفات، وإلى مفارقة قائد قال لا كبيرة، حاسمة ومبدئية ومشرّفة في كامب دافيد، صيف 2000، أمام الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون ورئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود باراك؛ إزاء محمود عباس، القابع في أروقة “المقاطعة” أو الخطيب أمام البرلمان التركي، أو طالب التوسط من ولي العهد السعودي.

وهذه حال تعيد إلى بُعد خاصّ، خلاصته أنّ عرفات لم يكن أقرب إلى تجسيد مشروعيات فلسطينية وطنية شتى، سياسية وتاريخية ونضالية وحقوقية وقانونية وأخلاقية، فحسب؛ بل لاح مراراً أنه التمثيل الرمزي الأخير، عملياً، لتراث في الكفاح المناهض للاستعمار والإمبريالية بدأ بعد الحرب العالمية الثانية على امتداد آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وعُرف باسم “حركة التحرّر الوطني”. ولعلّ من المتفق عليه أنّ ذلك الكفاح اتخذ العديد من الأشكال والأساليب، وسار وفق خطوط عقائدية متباينة، وبلغ ذروته في الستينات والسبعينات، قبل أن يشهد محاقاً سريعاً حين أخذت الحرب الباردة تضع أوزارها، وانهار “المعسكر الاشتراكي” وتداعى نظام القطبين ليفسح المجال أمام هيمنة أمريكية ـ إمبريالية شبه مطلقة.

ومن الخير، والإنصاف المحض، ألاّ ينسى أحد ــ ويتذكّر الفلسطينيون خصوصاً ــ أنّ عرفات انتسب إلى تراث كفاحي تعدّدي مدهش، ضمّ أسماء أخرى شغلت نضالاتها النصف الثاني من القرن العشرين، واحتلّت مواقع أيقونية خالدة في ذاكرة الشعوب: ستيف بيكو ونلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، أميلكار كابرال في غربي إفريقيا، فرانز فانون في المارتينيك والجزائر، هو شي منه في فييتنام، جمال عبد الناصر في مصر والوطن العربي، كوامي نكروماه في غانا، أحمد سيكوتوري في غينيا، شي غيفارا في كوبا وأمريكا اللاتينية…

وممّا يُسجْل فضيلةً خاصة لصالح عرفات أنّ حركة التحرّر التي قادها لم تكن شبيهة أبداً بسواها: لم تكن القضية بعدُ على الخريطة، فضلاً عن أنّ “الشعب الفلسطيني” ذاته لم يكن موجوداً في عُرف قوى كبرى عديدة؛ وكانت الحركة في المنفى أساساً، ضمن بحر من الأنظمة الاستبدادية، التابعة أو المفرّطة في الحقّ الفلسطيني. خصمها الإسرائيلي، في المقابل، كان ويظلّ مخفراً متقدّماً للإمبريالية عموماً، وللولايات المتحدة خصوصاً: قوىّ حصين منيع نووي، مدلّل في الغرب بأسره، مرفوع فوق القانون الدولي، مستثنى من شرعة الأمم. وأخيراً، ولعله الاعتبار الأهمّ، أنّ حركة التحرّر الوطني الفلسطينية كانت في الآن ذاته نقيض حركة عقائدية واسعة النفوذ والتأثير هي الصهيونية، تزعم أنها “حركة تحرير” يهود العالم، وتتسلّح حتى النواجذ بعقدة الذنب التي حملها الغرب بعد أوشفيتز والمحرقة، وتحتكر عقدة الضحيّة الكونية الفريدة في عذاباتها!

في سنة 1991 نشر جون والاش وجانيت والاش كتاباً ضخماً بالإنكليزية تحت عنوان “عرفات: في أعين الناظر” وقع في أكثر من 540 صفحة، وكتب شمعون بيريس مقدّمة إحدى طبعاته؛ وانطوت فصوله على عناوين مثيرة مثل: “إماطة اللثام عن عرفات” “اللغز في الأحجية” “الجدار المقدّس” “أخوة وأعداء” “أيلول أسود/أيلول أبيض” “أقنية سرّية” “محرّمات كيسنجر” “من أوسلو إلى الخليل: مصافحات الأيدي وغصّات القلوب”…

في السطور الأولى، حيث جرت العادة أن يضع المؤلّف تصديراً خاصاً أو إهداءً، يكتب جون وجانيت والاش التالي: “القرد في عين أمّه غزال… مَثَل عربي اقتبسه مناصر لمنظمة التحرير، على سبيل شرح الفارق في صورة عرفات عند الغرب وعند الفلسطينيين”! وهنا فقرة أولى من تصدير الناشر على طيّة الطبعة المجلدة من الكتاب: “من مصافحة 1993 التاريخية مع إسحق رابين إلى التوتّر الراهن مع بنيامين نتنياهو، استأثر ياسر عرفات بمفاتيح السلام في الشرق الأوسط. ولقد حدث مراراً وتكراراً أن أُعلنت وفاته السياسية، ولكن الزعيم الفلسطيني كان ينهض ثانية مثل العنقاء لكي يتجاوز المعارضة. وبعد ستة أعوام من تحالفه مع صدّام حسين في حرب الخليج، يهلل له شعبه ويرى فيه صورة البطل، ويعتبر الكثيرون أنه صانع سلام. ومن خلال سلسلة اتفاقيات مرحلية انتقل من صورة المنبوذ إلى الرئيس والزعيم البرلماني للحكومة الفلسطينية. وجهوده جلبت له جائزة نوبل للسلام”.

وللمرء، غير المتغافل عامداً، أن يلاحظ هذا البناء الخلفيّ للصورة السلبية، أو لتضخيم الاحتمالات السلبية في معطيات محددة من الصورة:

ــ إذا كان عرفات هو الذي يستأثر بمفاتيح السلام في الشرق الأوسط، فإنه منطقياً واستطراداً صانع العراقيل والعقبات في وجهه، أو حتى كاره، السلام الذي لم يتحقق حتى الآن.
ـ وإذا صحّ أنّ وفاته السياسية أُعلنت مراراً وتكراراً، فإنه لم يكن يعود كالعنقاء لكي يتجاوز المصاعب والأزمات والمآزق، بل لكي يتجاوز… المعارضة! إنه إذن، منطقياً واستطراداً، رجل لاديمقراطي ما دامت روحه السياسية لا تُردّ إليه إلا لكي “يتجاوز المعارضة”!
ـ لقد تحالف مع صدّام. هل فعل، حقاً؟ وهل كان موقفه السياسي يندرج في صيغة “التحالف” أياً كانت حدود المصطلح السياسية القصوى؟
ـ ومع ذلك فإنّ شعبه يهلل له ويعتبره بطلاً. الترجمة الأخرى هي أنّ ذلك الشعب على شاكلة قائده: متحالف مع صدّام حسين، بل ويرى عنصر البطولة في ذلك التحالف!
ـ انتقل من صورة المنبوذ Pariah إلى صورة الرئيس، ليس لأنه استحقّ ذلك في نظر شعبه وبعد انتخابات ديمقراطية، بل بسبب “اتفاقيات مرحلية”! وهو ليس الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وقائد حركة فتح بل “زعيم برلماني” ليس أكثر!
ــ وأخيراً، ما الذي جلب له جائزة نوبل للسلام؟ “جهوده” وليس أفعاله وأقواله في سبيل السلام، وليست نضالاته وتضحياته التي جعلت ذلك السلام ممكناً وتلك الجائزة تحصيل حاصل، خصوصاً أنها مُنحت مُثالثة مع رابين وبيريس… الأمر الذي لا يشير إليه الناشر!

هذا محض أنموذج على تشويه صورة عرفات، وأمّا التاريخ فإنه لا يكفّ عن صناعة حضور عرفات في جنين وطولكرم وطوباس، كما في غزّة المدينة ودير البلح وخان يونس؛ أو حيثما يتعالى شعبه عن روائح جثة هامدة كانت تُسمى “عملية السلام”!

ـ عن “القدس العربي” ـ

أكمل القراءة

صن نار