تابعنا على

جور نار

مظاهر وأفكار في التربية والتعليم … كم تشبهنا نحن التونسيّين !

نشرت

في

عندما تُصغي بانتباه إلى ما يقوله التونسيون من حولك في مجالات التربية والتعليم (والتوجيه المدرسي والجامعي بصورة خاصة)، تُدرك بيُسر أنهم يُكرّرون من حيث لا يشعرون جملة من الأفكار المُسبقة والاعتمالات النفسية والتمثّلات الاجتماعية التي تخدع نظرتهم للعالم وعلاقتهم بالمجتمع وتصوراتهم حول مكانة الفرد وما يصنع مستقبله ومجْده.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

هذه بعض الأفكار الطريفة المسجّلة في خطاب الناس التي أتقاسمها معكم والتي تتردّد بانتظام بالشكل الذي يجعل منها عناصر ثابتة يجدر الاهتمام بها والنبش في تفاصيلها علّنا نفوز ببعض الحقائق التي تساعدنا على فهم عديد الظواهر، كخطوة أولى باتجاه معالجتها والتأسيس عليها :

ولدي يحبّ يعمل تكوين جامعي

هاتفتني مواطنة متسائلة عن الإمكانيات المتاحة بالنسبة لمن يرغب في متابعة تكوين جامعي بعد الباكالوريا. فسألتها : “وهل تحصّل على توجيه نحو إحدى الشعب الجامعية في الدورة الأولى ؟” أجابتني “لا،هو يرغب في تكوين جامعي”. قلتُ : “ولكن الالتحاق بالجامعة هو تكوين جامعي أيضا !”… المهم فهمتُ بعد عناء أنها تقصد “متابعة الدراسة بمنظومة التكوين المهني في مستوى مؤهل تقني سام” وهو ما يعادل على نحو ما التعليم العالي في الاختصاصات التكنولوجية.

ويُدعّم هذا الاتجاه المُوارب في تفكير بعض التونسيين حِيال التكوين المهني سعي بعضهم إلى عدم نطق تعبير “التكوين المهني” ويستبدلونه بمرادفه الفرنسي “يحب يعمل  formation “.

لا أنطق بشيء جديد إذا قلتُ إن هنالك نظرة دونيّة يستبطنها المجتمع تجاه التكوين المهني الذي يعتبره مسارا للفاشلين مدرسيا وجامعيا وملاذا للفقراء الذين لا يقدرون على السّير في الطرقات السريعة التي تتطلب عربات رباعية الدفع، لكن الفكرة التي قد تكون جديرة بأن نتداول بشأنها هي : كيف نُعيد الاعتبار للتكوين المهني شكلا وصورة،باعتباره رافدا أساسيا في إقدار الشباب على أن يكون له موقع يُشبه طموحه ويحفظ كرامته ويفجّر فيه كل طاقاته الإيجابية المكتومة ؟ أرى شخصيا أنه يتعيّن (حتى وإن عجزت الدولة تاريخيا رغم بعض المحاولات) تجميع “أعضاء الجسم التكويني الواحد” وإعادة تركيبها بما يحفظ انسجامها واتساقها ووحدتها، يتعيّن التعاطي اتصاليا مع التكوين المهني باعتباره جزءا لا يتجزأ من منظومة شاملة وموحّدة. ومن ناحية أخرى يمكن أن نتخلى نهائيا عن هذه التسمية المحفوفة بالدلالات السلبية لفائدة تسميات تُحيل على الكفاءة والمستقبل والاقتدار مثل “التعليم التكنولوجي” أو “المسار الممهنن” أو “التكوين الاختياري” أو “الباكالوريوس  التكنولوجي” … وتفعيل “الباكالوريا التكنولوجية” المُفضية إلى كل ما هو مُتاح بعد الباكالوريا التقليدية.

علينا أن نتذكّر دائما أن جورج هاريسّون عازف القيثارة الشهير في مجموعة البيتلز هو صانع كهربائي في الأصل، وأن الممثل القدير فابريس لوكيني بدأ صانع حلاّق وآلان دوكاس صاحب النجوم في أدلّة ميشلان لفنون الطبخ والمصنف الشخصية رقم 94 الأكثر تأثيرا في العالم الذي بدأ حياته عاملا بمطعم، وإيميه جاكيه مدرب الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم  بطل العالم في 1998 والذي كان عامل فولاذ ولم يتجاوز مستوى شهادة الكفاءة المهنية.

بنتي حسّاسة وما تتحمّلش البُعد

من الأعذار المستعملة من قِبل الأولياء لتبرير ضرورة نُقلة أبنائهم وبناتهم وإعادة توجيههم بعد الباكالوريا، أن منظوريهم يعانون – دون خلق الله-  من حساسية مفرطة ومشاعر رهيفة وعدم قدرة على التكيّف مع الأوضاع الجديدة خاصة عندما تكون في المناطق الداخلية غير المحسوبة تقليديا على التّرف ورغد العيش. الغريب نسبيا في هذه السرديّة هو “التمحور المفرط للتونسي على ذاته“، إذ لا يوجد في الدنيا أطفال في مستوى رهافة إحساس أبنائه، وبنات في مستوى جمال بناته …أما أبناء الآخرين – ضمنيا- فهم عديمو الحساسية والإحساس ومحمولون على تحمّل البُعد والاغتراب والاكتئاب.

بنتي أعطاوها حاجة ما طلبتهاش

“خرجت النتيجة اليوم واللي طلبتّو بنتي الكل ما خذاتوش، عطاوها شعبة ما طلبتهاش وثمة أشكون أقل منها وخذا اللي حبّ عليه…” جُمل تتردّد سنويّا على ألسن مئات الأولياء محاولين إيهامك وإيهام أنفسهم أن هنالك تلاعبا بالنتائج (وهو حبل غسيل مُستخدم جدا في رُبوعنا لتبرير التقصير الذاتي وعنف الواقع الموضوعي الذي لا ضمير ولا تعطّف أو إشفاق لديه) وأن منظوره لا يتحمّل أية مسؤولية فيما يحصل له… فهي مسؤولية المنظومة التي لم تُراع شهوة الأفراد وحلمهم الجيّاش الذي لم يصنعوا له شراعا وأجنحة.

سجّلت ولدي في الجامعة الخاصة الفلانية لأن الجامعة العمومية ماعادش فيها !

هنالك من الأولياء من ينطلق بصفة مبكّرة جدا في متابعة كل تفاصيل “ما بعد الباكالوريا” من معدّلات ومجموع نقاط وترتيب وطني وتنفيل ودورات خاصة بالمتفوقين واهتمام دقيق بعروض معيّنة في الجامعة العمومية التونسية (وليس كلها) … ويحتسبون مجموع أبنائهم بدقّة قبل “حواسيب التعليم العالي” …وفجأة، عندما تصدر النتائج ولا يحصلون لأبنائهم أو بناتهم (من الواضح أنه مشروع للكبار أكثر منه مشروع للشباب المعني) على التوجيه المناسب وفق تراتبيّة اعتباطية تستلهم عناصرها مما يتم تداوله في الأوساط الاجتماعية المختلفة، ينهالون عليك بـــ “الخطة ب البديلة” وهي تسجيل أبنائهم بالجامعات الخاصة لأنها تضمن تكوينا جيدا وتأطيرا أفضل من الجامعات العمومية…قبل النطق بالجملة النهائية القاتلة التي مفادها أن التعليم العمومي ولّى عهده وأن الجامعة التونسية أصبحت مختصة في “تكوين العاطلين عن العمل” كما جاء على لسان أحد المدوّنين الأشاوس في القناة الوطنية الأولى منذ أيام.

فلو تحصل على شعب بذاتها لما فكّر أصلا في التعليم العالي الخاص. وهنا لا بد من التأكيد على أن نجاعة التكوين وجودته العالية في مجالات بعينها في الجامعة التونسية (وخاصة المراحل التحضيرية والدراسات الهندسية والاختصاصات المتصلة بالإعلامية والشبكات والبرمجيات واللغات والهندسة المعمارية والاختصاصات شبه الطبية…) هما اللذان دفعا بالتعليم العالي الخاص إلى بعث نفس هذه المسالك في مؤسساته لمعرفته المسبقة بكثافة الإقبال عليها وبالتالي ضمان توافد “الحرفاء”.

أغلب المتّصلين على الرقم الأخضر…هم أولياء !

هناك ظاهرة غريبة لا أعتقد أنه ثمة مثيل لها في باقي بلدان العالم، وهي أن أولياء الحاصلين على الباكالوريا (أي أولياء شباب تتراوح أعمارهم بين 19 و 20 سنة) هم الذين يتولّون بأنفسهم متابعة توجيه أبنائهم والتساؤل عن تفاصيل اشتغال المنظومة وإمكانيات التعديل المتاحة وأهمية ترتيب الاختيارات والآجال… وحين تسألهم عن بعض التفاصيل الدقيقة المتصلة بالمعدلات وأعداد بعض المواد المميّزة يعودون إلى بناتهم الواقفات غير بعيد عنهم، أما الأبناء فهم بصفة عامة “ماك تعرف الشباب … خرج مع اصحابو”.

وتفسّر هذه الظاهرة حسب تقديري بشيئين مهمّين :

– لقد ربّينا أجيالا كاملة على “النوم في حضن أمي” والتعويل على الآباء في كل كبيرة وصغيرة بما جعل أبناءنا لا يتمتّعون بهامش كبير  من الاستقلالية والتعويل على الذات والتصرّف بفاعلية مع مفاجآت النقل العمومي أو مجابهة المتصيّدين والمشعوذين والتعاطي مع مقتضيات الفضاء العام بصورة عامة.

– لدينا جميعا، نحن الكهول، نزعة لأطفلة أبنائنا حتى وإن كبروا وخوف مبالغ فيه عليهم وعلى مستقبلهم… يؤدي بالضرورة إلى إعاقة النمو الاجتماعي الطبيعي لأطفالنا الذين تعوّدوا بأم تتكلّم مكانهم وأب يتولّى توصيلهم إلى حيث يدرسون وترتيب بيت لا يبذلون فيه أي جهد، فنؤثر من حيث لا نشعر على قدراتهم الاتصالية مع الآخر وتدبّر شؤونهم الحياتية وحتى الزوجية أحيانا.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار