تابعنا على

منبـ ... نار

مفارقات تونسية… إلى متى يُؤجّل قرار إلغاء امتحان “الباك سبور”؟

نشرت

في

رئاسة الحكومة تتخّذ إجراءات ردعية بخصوص الشعارات الإرهابية والعنصرية في  "دخلات الباك سبور"

تعيش تونس هذه الأيام، وخلال كامل الفترة من 15  إلى 27 أفريل 2024، على وقع ما يُسمّى بالباك سبور، ونغتنم فرصة الاهتمام العام بهذا الموضوع ومواكبته من قبل العائلات التونسية ووسائل الإعلام المختلفة،  لنقدم ملاحظاتنا ومقترحنا حوله،  لعلنا نساهم بذلك، في فتح النقاش العام حول الإشكاليات المطروحة، يحدونا الأمل في التعجيل باتخاذ القرار الرسمي الملائم، الذي طال انتظاره وهو إلغاء “اختبار آخر السنة في التربية البدنية والاقتصار على نتائج التقييم المستمر أثناء السنة الدراسية”.

<strong>د مصطفى الشيخ الزوّالي<strong>

ويتضمن هذا المقال تذكيرا بنماذج من الآراء والمعطيات الموضوعية المتداولة في الدراسات التربوية والتقارير الرسمية، والتي من المفروض أو  تُقنع الرأي العام  والمسؤولين بضرورة التعجيل بالقرار المقترح وبغيره من القرارات، ولكن، وفي سياق “انحلال الروابط الصلبة”، كإحدى السمات المميزة لحياتنا المعاصرة في “زمن السيولة”، كما يعرفه عالم الاجتماع الشهير زيغموند باومن، يتواصل التأجيل لهذا الأمر، كما يتواصل الـتأجيل لقرارات أخرى، لا تقل أهمية، قد تناولنا بعضها في دراسات علمية وتقارير رسمية أو  مقالات رأي حول “مفارقات تونسية” أخرى.[1]

أولا: نبدأ بالتذكير  بما حصل  سنة 2010 ،( في زمن “الصلابة” الرسمية التونسية)، فقد صدر  قرار إلغاء اختبار التربية البدنيّة لآخر السّنة وجاء ذلك بناء على تقرير من وزارة التربية والجهات الأمنيّة، حيث اتّخذ مجلس الوزراء يوم 20 أوت 2010 قرار إلغاء اختبار آخر السّنة في التربية البدنيّة: “حفاظا على سلامة التلاميذ والتوقّي من السلوك غير الحضاريّ، داخل المؤسّسات التربويّة وخارجها.  وقد برّرت الوزارة هذا القرار-كما جاء على لسان وزير التربية آنذاك- بثلاثة أسباب، هي:

  1. ارتفاع تكلفة الامتحان (3 ملايين دينار): ويحسن تخصيصُ هذه الأموال لتهيئة الملاعب واقتناء التجهيزات الرياضيّة.
  2. سبب بيداغوجيّ يتمثل في كون الأعداد المتحصّل عليها في اختبار آخر السّنة هي دون معدّلات المراقبة المستمرّة،
  3. سبب وقائيّ وأمنيّ، بعد تفاقم ظاهرة السّلوك المخلّ داخل المؤسّسات التربويّة وخارجها، بمناسبة تنظيم اختبار آخر السّنة في التربية البدنيّة.

ولئن استبشر عدد كبير من الأولياء ومديري المؤسّسات التربويّة بهذا القرار، فقد لاقى نقدا ورفضا من قبل نقابات التعليم ومدرّسي التربية البدنيّة الذين رأوا في القرار تهميشا لمادة التربية البدنيّة.

لاحقا، وفي سياق ما يمكن تسميته بالنتائج  المنحرفة” أو “غير المأمولة” لثورة 17 ديسمبر 2010/14 جانفي 2011، صدر سنة  2012، “قرار عودة اختبار التربية البدنيّة لآخر السّنة” دون معالجة الإشكاليات التي أدّت إلى إلغاء هذا الاختبار.

للتذكير أيضا، فقد تم خلال دورتي 2020 و2021، إلغاء الباك السبور واحتساب المعدل السنوي للتربية البدنية كعدد نهائي في امتحان الباكالوريا في كافة المعاهد العمومية والخاصة، وذلك بسبب الحجر الصحي وأزمة الكوفيد19.

ثانيا: حول انعكاسات امتحان “الباك  سبور” على التنظيم البيداغوجي والحياة المدرسية [2]

  1. توقف دروس التربية البدنيّة منذ منتصف شهر أفريل ، بسبب تجنيد جميع مدرّسي المادّة في لجان الامتحان .
  2. تعدد التجاوزات ومظاهر الإخلال أثناء سير الامتحان والسّعي إلى التحيّل على التراتيب، فترى عددا من المترشّحين الذين ضمنوا معدّلات سنويّة في التربية البدنيّة مرتفعة يقومون بتقديم وثائق تعفيهم من اختبار آخر السنة، وصنفا آخر اختار الإعفاء من دروس التربية البدنية طيلة السّنة الدّراسيّة ولكنّه يريد المشاركة في اختبار آخر السّنة لجني بعض النقاط التي قد تكون ثمينة عند احتساب العدد النّهائي.

ثالثا: حول العادات والطقوس التي انتشرت قبل إجراء الاختبار وبعده:

 ويتمثل ذلك في إقامة نوع من الحفلات والاستعراضات أمام المعاهد وفي الشّوارع، تعطل حركة المرور وتتحوّل في عديد المرات إلى  مآس وحوادث مرور خطرة. وفي ما يلي فقرات واردة في وسائل إعلام مختلفة وبمواقع الكترونية تناولت هذا الموضوع ، وهي تؤكد وجود شبه إجماع على خطورة الظاهرة في المجتمع التونسي:

  1.      ” احتفالات بها بكثير من الصخب وتتوجّس منه إدارات المؤسّسات والسّلط الجهويّة والمحليّة لما يرافق احتفالات التلاميذ به من تجاوزات خطرة…” 
  2. ” أسوأ هذه العادات هي (الكُورتيج) :“استعراض السيارات”حيث يخرج التلاميذ في استعراض بالسيارات يجوبون وسط المدينة  و شوارعها إضافة إلى الألعاب النارية و الشماريخ، عادتان تأتيان في المرتبة الثانية للائحة العادات السيئة حيث يعمد عديد التلاميذ إلى الاحتفال بالـ”فلام”و الألعاب النارية …”
  3. دخلة الباك سبور …وفاة تلميذ باكالوريا بعد سقوطه من نافذة السيارة خلال احتفاله مع أصدقائه…”
  4. “الآن وقد تمّ تسجيل وفاة التلميذ ( والتلميذة)… على إثر حادثي مرور خلال احتفاليات (الدخلة) الملعونة في الباك سبور…متى يتمّ التدخّل ومنع هذه الظاهرة الخطيرة.”

رابعا: انتشار الدروس الخصوصية في “الباك سبور” وتحوّلها إلى “عنوان فساد”

لاحظنا في السنوات الأخيرة، استفحال ظاهرة الدروس الخصوصية في “الباك سبور”، وذلك رغم غلاء أسعارها، فقد صرّح وزير التربية بتاريخ 16 أفريل 2019 ، أنّ”5  أيام دروسا خصوصية في (الباك سبور) بـ700 دينار” [3].  كما صرّح الوزير نفسه، بتاريخ 21 ماي 2019، أن :  “باكالوريا الرياضة في شكلها الحالي هي عنوان الفساد وهي  لا تحمل أي معنى …. من موقعي كوزير للتربية …. لا أسمح لنفسي بمباركة أشياء أعرف جيدا أنها غير مقبولة وغير معقولة . فهل يعقل مثلا أن يتحصل 99 بالمائة من التلاميذ في الباكالوريا رياضة على أعداد فوق 18 من عشرين، هناك تضخيم غير مقبول للأعداد التي تسند للتلاميذ على خلفية الدروس الخصوصية في الرياضة، ولو كانت هذه الأعداد تسند لها ميداليات ذهبية لكانت تونس بطلة العالم في الرياضة…”[4]

يبدو جليا  من خلال هذين التصريحين، أن الوزير قد كان يؤسس لحملة إعلامية، تمهيدا لاتخاذ قرار إلغاء “الباك سبور”، ولكن بعد أقل من سنة، تغيرت الحكومة وتغير وزير التربية، وتأجل اتخاذ القرار المذكور . ويبدو أن السبب الأساسي وراء التأجيل المستمر لاتخاذ  هذا القرار وعديد القرارات التي يحتاجها قطاع التربية في تونس منذ أكثر من عقد من الزمن، هو  عدم الاستقرار الحكومي وتعاقب أكثر من 10 وزراء على قطاع التربية منذ  2011.

خامسا:  “دخلة الباك سبور”

لا يفوتنا، في خاتمة هذا المقال، أن نُذكّر بنقطة إيجابية في “الباك سبور”، قد تدفع البعض إلى الدفاع عن استمرار هذا النوع من الامتحانات ونعني بذلك ما يمكن تسميته بـ”قصص النجاح في دخلة الباك سبور” والتي أكد  من خلالها التلاميذ في عديد الحالات، قدراتهم الإبداعية وتميزهم في التعبير عن حاجياتهم الأساسية وقيمهم الإنسانية أو احتجاجاتهم ومطالبتهم بحقوقهم. ومن المواضيع التي لاقت استحسان التونسيين وراجت في الاعلام: “تكريم الأساتذة والأولياء“،  “التحسيس ضد كورونا”، وآخرها الحضور البارز للقضية الفلسطينية في “باك سبور” 2024.

لضمان المحافظة على هذه النقطة الإيجابية، يمكن التفكير في تطوير  فكرة “دخلة الباك سبور”، دون إجراء اختبار التربية البدنيّة لآخر السّنة، وذلكعبر اعتماد صيغة مشاريع عروض فنية ورياضية وثقافية، تُطبّق فيها بيداغوجيا المشروع، حيثيمكن الاستفادة من دروس فشل تجارب سابقة للوزارة في هذا المجال. نعني بذلك تجربة “التعلمات الاختيارية” (2003- 2006)  أو “”مادة إنجاز مشروع” (2006-2015) [5]. واستنادا للوثيقة الرسمية للتجديدين المذكورين، يمكن أن تتكون مجموعات من التلاميذ، تنطلق في تصور مشروع “دخلة الباك” وإعداده وتنفيذه،  بداية من السنة الدراسية للسنة الرابعة ثانوي، أو انطلاقا من السنة الثالثة ثانوي . يؤطر المشاريع مجموعة من المربين من اختصاصات مختلفة كالتربية البدنية والموسيقى والمسرح وغيرها، وبالتعاون والدعم من أطراف أخرى من العائلات والمحيط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمؤسسة التربوية كدُور الشباب أو الثقافة أو مؤسسات أخرى ( طبعا في سياق مشروع المؤسسة التربوية وتطبيق القانون المنظم له منذ 2004، وهو الأمر المنظم للحياة المدرسية، أو ربما القانون الذي ننتظر أن يعوّضه) يمكن كذلك أن تُرصد جوائز جهوية ووطنية لأحسن العروض التي يتم تقديمها في الاحتفالات المدرسية لآخر السنة إلخ إلخ…


هوامش:

[1] مثال ذلك دفاعنا عن قرار إلغاء الاعداديات والمعاهد النموذجية ، في مقالين منشورين بجلنار  وهي  “مفارقات تونسية ( 2)(28 أفريل 2022) و”مفارقات تونسية” (3) بتاريخ 22 جوان 2022

[2]  معطيات هذا العنصر والعنصر السابق مستخلصة، أساسا، من دراسة حول “الباك سبور” منشورة بموقع “المدونة البيداغوجية” بتاريخ 26 أفريل2015.

[3]  https://www.guideparents.tn/article

[4] https://ar.espacemanager.com

[5]  تناولنا  هذا الموضوع  في  كتابنا ” المدرسون والتجديد” ويمكن الاطلاع على تقديم الكتاب من الصديق منصف الخميري بالمدونة البيداغوجية  بتاريخ 6 مارس 2022 وكذلك على الفصل الأول من الكتاب بنفس المدونة  في 4 تواريخ متتالية بداية من 29 جانفي 2023

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منبـ ... نار

لنُشعِلْ شمعة الإنصات: كلنا مسؤولون لتحصين المدرسة من العنف

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. مصطفى الشيخ الزوالي

Mustapha Cheikh Zaoueli مصطفى الشيخ الزوال

“خيرٌ لك أن تُشعل شمعة، من أن تلعن الظلام”؛ في هذا السياق، شهدت الأكاديمية الدبلوماسية بالعاصمة تونس، يومي 3 و4 فيفري 2026، انعقاد الندوة الوطنية لإطلاق “الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف”. وهي خطوة استراتيجية انتظمت تحت إشراف وزارة التربية وبمشاركة وازنة لممثلين عن 13 وزارة وهياكل وطنية، وبدعم من منظمة اليونيسيف. ورغم مناخ التذمر العام وحالة “الانتظارية” التي تُخيم على المشهد الاجتماعي العام، يظل الرهان معقوداً على وعينا الجماعي بضرورة الكف عن “لعن الظلام”. إن البديل الحقيقي يكمن في اجتراح “سياسة الانتصارات الصغيرة” عبر مساهمات ميدانية ملموسة، عوض الارتهان لانتظار حلول كبرى قد يطول أمدها.

الهدف هو تجديد تربوي حقيقي، يستند إلى جذور في التاريخ ويتجه نحو التحدّي، مع التزام عملي بالمسؤولية الأخلاقية: «هنا والآن»، كما يعبّر عنه شعار الخطّة: “كلنا مسؤولون”.

ولعل التجلي الأبرز لعمق هذا الرهان هي تلك المشاركة النوعية للتلاميذ؛ وهي سُنّة حميدة يجب تثمينها ومأسستها، فالتلميذ هو صاحب الحق الأول والمعنيّ المباشر بكل مسارات الإصلاح. لقد حضرت تلميذتان من المعهد النموذجي بنابل ثلاث ساعات كاملة من النقاش الحماسي والمتوقد داخل إحدى الورشات التي كنت مُيسّرها. ولم يكن وجودهما مجرد حضورٍ بروتوكولي، بل بلورت إحداهما جوهر المسألة في صرخةٍ مدوية وجّهتها للحاضرين: “أنصِتوا إلينا.. ثم أنصتوا.. ثم أنصتوا…”

فيما حرصت التلميذة الثانية، حين تعذر حضورها في اليوم التالي، على تكرار نفس المطالبة الجوهرية عبر رسالة تضمنت قراءتها لواقع المدرسة والمربين، محمّلةً إياي أمانة تبليغ صوتها إلى المسؤولين وعلى رأسهم السيد وزير التربية.. إن هذا “الإنصات” يبقى هو المقاربة الحقيقية التي تفتقدها مدارسنا؛ فالعنف المدرسي ليس قدراً حتمياً، بل هو نتاج طبيعي لغياب “الاحتضان”. وكما يقول المثل الإفريقي العميق: الطفل الذي لا يجد من يحتضنه، سيحرق القرية لكي يشعر بالدفء” [1]

أرقام تدق ناقوس الخطر: نحو “أنسنة” الفضاء المدرسي

إن الحاجة لإيقاد شمعة الإنصات تفرضها لغة الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الدراسة الميدانية؛ التي تم عرضها خلال الندوة، فحين يشير التشخيص إلى أن المعدل العام لتعرض التلاميذ للعنف الجسدي بلغ 28.4%، وأن 61.4% منهم يعانون من السخرية أو الإهانة، فنحن أمام حقيقة تؤكد ما وصفته تلميذة السنة الثالثة ثانوي في رسالتها بـ “عصر مادي يفتقر للتعاطف“. إن وقوع  57% من حالات العنف داخل أسوار المؤسسة التربوية، ليس إلا وجهاً من وجوه المدرسة المشحونة بالأجواء المتوترة التي يغيب عنها الدفء الإنساني.

هذه الأرقام تضعنا أمام ضرورة تجاوز الحلول الزجرية نحو “أنسنة الفضاء المدرسي”؛ فالمدرسة التي تتحول إلى فضاء طارد يفتقر للتفهم، تدفع التلميذ للبحث عن كيانه عبر العنف. الرهان اليوم هو الانتقال من منطق “التسلط باسم التربية” إلى “السلطة التربوية” القائمة على الاحتضان والحوار؛ فالمؤسسة لا تحصنها الأسوار، بل يحصنها شعور التلميذ بأنه أثمن الأشياء في قلب العملية التربوية”، وهي القيمة الجوهرية التي دافعت عنها التلميذة في مراسلتها للمسؤولين.

مدرسة خارج الزمن:  التقادم البيداغوجي واغتراب المتعلّم في العصر الرقمي تصطدم حاجتنا للإصغاء بمدونة تربوية تعاني “اغتراباً زمنياً” حاداً؛ فأغلب الكتب المدرسية المعتمدة حالياً، والتي صدرت طبعاتها الرسمية بين عامي 2003 و2005، لا تزال رهينة نصوص وتصورات تعود في أصولها إلى حقب أقدم بكثير من تاريخ صدورها. وهنا يبرز تحذير بيان اليونسكو 2023 الذي أشار إلى أن“الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”. [2]

بمنطق لافوازييه: “لا شيء يفنى، ولا شيء يُستحدث، بل كل شيء يتحول”، (Rien ne se perd, rien ne se crée, tout se transforme) فإن طاقة التلميذ لا تتبخر بل تتحول إلى عنف حين تصطدم بوساطة بيداغوجية متقادمة. فمن المفارقات أن نطلب الاحتضان من “مواطن رقمي“، يعيش في عام  2026بينما يقدّم له كتاب الجغرافيا للثامنة أساسي، طبعة  2003المعتمدة حاليا، الصين كدولة نامية، في حين يراها هو عملاقاً يغزو العالم! إن المتعلم اليوم يواجه ‘عتبة تقادم بيداغوجي مزدوجة’ تجمعه بكتاب مدرسي متجاوز ونصوص تعود في أصولها إلى حقب ما قبل الثورة الرقمية. هذا الاغتراب الزمني يطرد المتعلم قسراً من منطقة التعلم النشط ويضعه في قطيعة معرفية ومجتمعية مع مؤسسته. [3]

من “المأسسة الشكلية” إلى “المأسسة الاجتماعية

لا تكمن المعضلة في غياب الأطر المرجعية؛ فبالعودة إلى “القانون التوجيهي” (2002) و”الأمر المنظم للحياة المدرسية” (2004)، نجد نصوصاً جعلت التلميذ محور العملية التربوية. ورغم وجاهتها، إلا أنها بقيت رهينة “المأسسة الشكلية”، وتعثر تحويلها إلى مأسسة اجتماعية تتغلغل في “الهابيتوس” (Habitus) المهني اليومي. الحاجة اليوم ليست في تشريعات جديدة، بل في تفعيل وتطوير المرجعية لتحرير القوانين من الرفوف البيروقراطية وتحويلها إلى سلوك يومي.

مكاتب الإصغاء والإرشاد: نحو مأسسة العمل التشاركي المتعدد الاختصاصات [4]

كان محور مداخلتنا في الندوة هو العمل التشاركي حول مكاتب الإصغاء والإرشاد، مستنداً إلى تجربتنا المهنية كمستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي (من 1998 إلى 2014 على المستوى الميداني).

لقد عايشنا نجاعة هذه المكاتب في تقديم الدعم المبكر، رغم حيّزها الميداني المحدود وغياب السند التحفيزي الكافي؛ حيث لم يتجاوز عددها 108 مكتباً سنة 1999، ليتطور تدريجياً ويصل إلى 183 مكتباً سنة 2001. ومع ذلك، فقد استطاعت هذه التجربة أن تشكل حجر الزاوية لديناميةٍ متعددة الاختصاصات، صهرت جهود المستشار والطبيب المدرسي والأخصائي الاجتماعي في بوصلة واحدة. وقد تدعمت هذه النواة الهيكلية بتجربة ‘مجموعات الحوار الإقليمية(2001- 2006 ). وبالنسبة إلينا، كانت هذه المحطات مختبراً ميدانياً تعلمنا منه آليات تحليل الممارسات المهنية’ والكتابة حولها؛ مما أتاح لنا تحويل الخبرة اليومية إلى تراكم معرفي يخدم الإصلاح التربوي. لقد مكنت هذه الدينامية من ترسيخ ‘إحالة متبادلة’ ناجعة، حمت الكثير من التلاميذ من الانزلاق نحو العنف أو الفشل الدراسي.

مقترح عملي: مأسسة مبادرات الإصغاء المسبق

تفرضُ الخبرة المتراكمة اليوم ضرورةَ تحويل «الإصغاء المسبق» من ممارسةٍ اختيارية إلى إجراءٍ مؤسساتي قار. والغاية أن يعمل هذا الإجراء صمّامَ أمانٍ تربويًا، فلا يُفتح ملفّ التلميذ أمام مجلس التربية إلا بعد استنفاد مسارات الإسناد النفسي والاجتماعي الموثّقة بتقرير مختص. فالمقصود نقل الإصغاء من «فعلٍ تطوّعي» إلى مسارٍ قانوني منظّم يتيح فهم الدوافع السلوكية قبل ترتيب الجزاءات. غير أنّ ترسيخ ثقافة الإصغاء لا يُلغي الحاجة إلى الانضباط، بل يُعيد تأطيرها على قاعدة الفهم والإنصاف؛ إذ إنّ التحصين الحقيقي لا يتأتّى بالانغلاق أو بالاكتفاء بإجراءات زجرية، ولا بممارسة التسلّط باسم التربية، وإنما بجعل الإصغاء كفايةً مهنية ومؤسساتية تُذيب الجليد بين الأجيال داخل فضاءٍ تربوي يحتاج إلى التفهّم بقدر حاجته إلى قواعد واضحة تضبط السلوك وتضمن مناخًا تعلّميًا آمنًا.

ختاماً، لن يجدي نفعاً الاستمرار في لعن سنوات الخطط المعطلة. المسؤولية اليوم جماعية أفقية وتشاركية. لنبدأْ بإنصات حقيقي لصغارنا، ولنجعلْ من هذه الخطة بداية زمن “الفعل الميداني” الذي يحوّل المؤسسة التربوية إلى حصن منيع بالإنسانية، لا ساحة للانتظار أو التذمر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

[1] كانت صرخة التلميذة الأولى ورسالة التلميذة الثانية (من السنة الثالثة ثانوية بالمعهد النموذجي بنابل) هما القادح الأساسي لكتابة هذه السطور؛ حيث يهدف هذا المقال إلى استكمال تبليغ صوتيهما إلى فضاء الرأي العام. كما تناولتُ هذه الرسالة أيضا في الحوار الإذاعي يوم 5 فيفري 2026  والذي يمكن متابعته عبر هذا الرابط:”https://youtu.be/l5nOShz-C4s

[2]  اليونسكو(2023): “الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”، تقرير الرصد العالمي للتعليم (GEM)، بيان صحفي صادر بتاريخ 15 ديسمبر 2016 (وآخر تحيين: أفريل 2023). https://www.unesco.org/en/articles/out-date-textbooks-put-sustainable-development-risk?

[3]  يتجلّى أثر هذا التقادم بوضوح في تمثيل التكنولوجيا والواقع المهني داخل الكتب المعتمدة؛ كقصيدة الراديو، وجهاز الفاكس (نص ص170 من “مسالك القراءة”، السنة الخامسة، يعود أصله إلى 1993)، ومهن آيلة للاندثار كـ “الساعاتي” (نص ص13 من “مسالك القراءة”، يعود أصله إلى 1983).

[4] إن المراوحة بين مصطلحي الإنصات والإصغاء مقصودة؛ ففي حين نلتزم بلفظ “الإنصات” وفاءً لخطاب التلميذتين، نعتمد “الإصغاء” باعتباره المصطلح التقني المرجعي في الممارسة الميدانية والمؤسساتية.

أكمل القراءة

منبـ ... نار

الهامش والمقاومة الاقتصادية

هل نُطبِّع مع الهشاشة باسم “الواقعية”؟ أم أن صمود الفئات المنسية يفرض بديلاً؟

نشرت

في

تعاظمت التفاوتات الاجتماعية حتى انحسرت المراتب وتفكك السُلّم الاجتماعي؛ فـَعِلْيَة القوم لم يعودوا في قمّته بل يحلّقون فوقه، والمهمّشون لم يعودوا في أسفله، بل سقطوا دونه، معلّقين في فراغ اجتماعي. ” ألان توران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د . مصطفى الشيخ الزوالي:

حضرتُ، يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025، إطلاق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمؤلَّفه الجماعي “الهامش، المقاومة الاقتصادية، والديناميكيات غير المرئية على تخوم التنمية…”[1]. غير أنّ هذه المتابعة لا تكتفي بتوثيق الحدث، بل تتوقف عند لحظات الإرباك التي ميزت النقاش، خاصة في الحوار الذي تلا عرض نتائج البحوث الميدانية، حيث انكشفت فجوة واضحة بين التحليل النقدي الميداني الذي قدّمه الفريق البحثي، وبين تصوّرات راسخة في الفضاء العام ما تزال تُسوَّق باعتبارها “واقعية اقتصادية” أو “حلولاً جاهزة”.

وقد كشف النقاش عن رؤيتين متناقضتين عجزتا عن استيعاب نتائج البحث الميداني:

  1. الأولى: تقنوية-ليبرالية تشرعن الوضع القائم باسم “الواقعية” و”التوازنات الاقتصادية”؛ كما بدا في الدفاع عن “إجبارية الوسيط”، والاكتفاء بالدعوة إلى “تقنين دوره”، وهو توجه يحمي في جوهره مصالح أصحاب الأعمال ويحوّل المطالب العمالية إلى تهديد لاستقرار المنظومة.
  • والثانية أيديولوجية-شعبوية: تعتمد حلولاً جاهزة وشعارات قطعية، كشعار “الإسلام هو الحل” الذي لمّح إليه أحد المتدخلين، مما يجعله خطاباً عاجزًا عن تقديم بدائل ملموسة تعالج تعقيدات الواقع الميداني وتحدياته.

إن هذا التقابلَ بين خطابٍ يشرعنُ السوقَ وآخرَ يرفضه بلغةٍ شعاراتية، دون مساءلةٍ جدّية لشروط إنتاج الهشاشة وآلياتِ اشتغالها، هو بالتحديد أهمُّ ما استدعى فتحَ هذا النقاش وصياغةَ هذا النص.

في تقديري، تكمن قيمة بحوث الندوة، الموثّقة في الكتاب الموزّع على الحاضرين، في اختياراتها المنهجية بالأساس. فقد اعتمدت هذه البحوث المنهج الكيفي والمقاربة الإثنوميثودولوجية ضمن دراسة طولية امتدت على ثلاث سنوات، ما أتاح فهم الهشاشة من داخل الواقع المعيش لا من خلال الخطابات الجاهزة.

وقد قام هذا التمشي المنهجي على الجمع بين السرديات الحياتية، والملاحظة الميدانية، والمجموعات البؤرية، قبل الاستعانة بالاستبيانات المنظمة، وهو ما مكّن الباحثين من تفكيك آليات التهميش كما تُعاش يوميًا، لا كما تُوصَف في التقارير الرسمية. فبعد “الفصل التمهيدي” لريم الشتيوي، تضعنا سمية المعمري أمام إشكالية مفصلية في بحثها “بين التمثلات المؤسّسية والوقائع المعيشة: إعادة التفكير في الاقتصاد انطلاقا من الواقع الاجتماعي“، وهو ما يكسر القوالب الجاهزة حول مفهوم “الواقعية”.

كما يغوص العمل في مناطق ظلّ اقتصادية وبيئية عبر بحث إلياس شعبان حول “الهشاشة الخفية في الوسط الغابي بتونس“، وبحث أيوب منزلي “بين القيمة المهمّشة والقيمة المضافة: إعادة اكتشاف دور البرباشة البيئي في اقتصاد تونس“. وتكتمل هذه الرؤية الميدانية بتحليل سمية المعمري لـ “تقاطع ديناميات التهميش الاجتماعي والاقتصادي والتغير المناخي واستراتيجيات الصمود“، لتختم أمل الجماعي ببحثها حول “الفرص المتاحة للتحسين في إطار التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية: قراءة استراتيجية للديناميكيات الاقتصادية في الحضر، الريف والساحل“، وصولاً إلى “الفصل الختامي” لريم الشتيوي.

لم تقتصر الندوة على عرض نتائج البحوث، بل أتاحت فضاءً نادرًا لسماع شهادات حية لنماذج من  نساء الريف العاملات في القطاع الغابي كشفن عن معاناة يومية مركّبة: استغلال مزدوج، غياب للحماية الاجتماعية، يوم عمل شاق يبدأ من الثالثة فجرًا وينتهي بعد العصر، مقابل أجر لا يتجاوز عشرين دينارًا، في ظل مخاطر النقل، والتغير المناخي، وشحّ المياه، وهيمنة الوسطاء. كما عرضت الندوة شهادات مصوّرة لبحارة من المهدية والمنستير، ونماذج من شهادات البرباشة المشاركين في البحث، لتؤكد أن الهشاشة ليست رقمًا إحصائيًا، بل تجربة معيشة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف المسافة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس.

هذه الأصوات لا تطلب صدقة، بل تطالب بـ عدالة سوسيو-إيكولوجية وبحقها في تثمين مواردها خارج منطق الاحتكار والوساطة. وبهذا المعنى، يُعاد تعريف الهامش لا كمجال ضعف أو عجز، بل كـ فضاء مقاومة وصمود، قادر على مساءلة النموذج الاقتصادي القائم والمطالبة بالحق.

من هنا، يكتسب التقابل بين التمثلات المؤسسية والوقائع المعيشة، الذي يشكل أحد محاور المؤلف الجماعي، بعدًا يتجاوز الإشكال الاقتصادي المحلي. فنحن إزاء واقع لم تعد الأدوات النظرية التقليدية قادرة على الإحاطة به، بعد أن شهد السلم الاجتماعي تفككًا بنيويًا حوّل التفاوتات إلى انقسامات عميقة. ففي الوقت الذي اندمجت فيه النخب في فضاءات معولمة، ظلّت فئات واسعة خارج دوائر الاعتراف والحماية، لتصبح “غير مرئية” في ما يسميه آلان توران “التعليق في الفراغ“. لذلك، لا يمكن لأي تحليل جاد للهشاشة أن يكتفي بالأرقام أو المؤشرات، بل يقتضي استحضار سياقات إنتاج التهميش، وتمثلات أصحاب الحق لمعاني العمل والكرامة والعدالة، والتفاعلات غير المتكافئة التي تنظّم السوق خارج الخطاب الرسمي. وفي هذا الإطار، يظهر دور الوسطاء لا كحلقة تقنية محايدة، بل كآلية بنيوية لإعادة إنتاج الهشاشة وحرمان المجتمع والدولة من عدالة التوزيع.

إن إعادة التفكير في الاقتصاد انطلاقًا من الواقع الاجتماعي لا يقتصر على تعديل المصطلحات، بل يعني استرجاع الإنسان من تحت ركام الأرقام، وإعادة الاعتبار لوجوده وواقعه اليومي الذي لا يمكن اختزاله في مؤشرات وجداول: أن نرى في البرباشة فاعلين في التدوير البيئي، لا هامشًا غير منظّم، وأن نفهم أن أية سياسة لا تنطلق من معاناة الهامش وقدرته على المقاومة، محكوم عليها بالبقاء معلّقة في الفراغ.

ورغم أنّ الاعتراف بالهشاشة في الخطاب الرسمي التونسي بلغ اليوم مستوى غير مسبوق من حيث الحضور والتسمية، فإن هذا الاعتراف لا يوازيه تفكيك فعلي للشروط البنيوية التي أنتجت الهشاشة ورسّختها. فالهشاشة في تونس ليست طارئة ولا ظرفية، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل رافق تراجع الدور الاجتماعي للدولة، وانتقالها التدريجي منذ منتصف سبعينات القرن العشرين من دولة الرعاية الاجتماعية التي تبلورت ملامحها في ستينات القرن الماضي، إلى دولة فئوية أعادت توجيه السياسات العمومية لخدمة مصالح محدودة.  

وقد أظهرت عديد الدراسات، أنّ هذا التحوّل تجسّد في اختلالات هيكلية مزمنة، مثل معضلة الدعم غير الموجّه لمستحقيه، ونمو الاقتصاد الريعي[2] وترسخ روتين بيروقراطي معطل، وهي اختلالات لم يُغفلها أي خطاب رسمي أو سياسي بعد 2011، حيث استمر رفع شعار مواجهتها، غير أن أنماط التدبير اليومي للسياسات العمومية تُكرّس عمليًا التعامل معها على أنها أمور  راسخة، في إطار ما يُسمّى الواقعية الاقتصادية. هذا الاستخدام الانتقائي للواقعية يتجاوز مجرد وصف الوضع، ويوسّع الفجوة بين القول والفعل ويزيد شعور الناس بعدم الثقة والرضى، كما عبّرت عنه غالبية المشاركون في كافة البحوث الميدانية التي غطتها الندوة.

إن هذا التحوّل لم يكن مفاجئًا، بل ترسّخ في أذهان الناس عبر عقود من التهميش الخفي، والخطاب الذي يحمّل المهمشين مسؤولية وضعيتهم ويحوّل دعمهم إلى صدقة تُمنح لهم بدل أن يكون حقًا مكتسبًا. وفي ظل هذه التمثلات الراسخة، يبقى الاقتصاد التونسي، بصيغته الحالية، مولّدًا للهشاشة أكثر من كونه وسيلة للاندماج والحماية، بفعل سياسات غير ملائمة، وتراجع قدرة الدولة على التدخل، وتحولها من ضامن للعدالة الاجتماعية إلى طرف يعيد إنتاج اللامساواة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

[1] يمكن الاطلاع على فيديو فعاليات الندوة بالرابط التالي https://www.facebook.com/ftdes/videos/1912687292672702

[2] عزيز كريشان — اليسار وسرديته الكبرى: من أجل فهم الاقتصاد الريعي. جمعية  نشاز. تونس. 2021

أكمل القراءة

منبـ ... نار

“حين يتكلم الفن… يصمت العنف”

ورشات فنية وحوارات مفتوحة بالمركب الشبابي بالمهدية

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. مصطفى الشيخ الزوالي

د مصطفى الشيخ الزوّالي

تحت شعار “حين يتكلم الفن… يصمت العنف”، نظم المركّب الشبابي بالمهدية بالتعاون مع مجمع الصحة الاساسية بالمهدية، يوم السبت 20 ديسمبر 2025، يومًا دراسيًا خصص لموضوع السلوكيات المستجدة، ليكون فضاءً حيًّا للحوار والتفكير الجماعي حول التحوّلات السلوكية التي يشهدها المجتمع التونسي اليوم وانعكاساتها على الفرد والمجتمع، وبالأخص فئة الشباب. منطلق هذه التظاهرة قناعة مفادها أن العنف ليس ظاهرة معزولة أو سلوكًا فرديًا عابرًا، بل نتاج تراكمات اجتماعية ونفسية وثقافية، وأنّ الفن يمكن أن يكون مدخلاً فعّالاً للفهم، التعبير، والوقاية.

تضمّن برنامج اليوم مداخلات تمهيدية ساعدت المشاركين على تبسيط هذه الظواهر وفهم خلفياتها، إلى جانب ورشات تطبيقية شملت صناعة المحتوى، التعبير الجسماني، المسرح، وورشة التربية التشكيلية. وقد أتاحت هذه الفضاءات للمشاركين فرصة التعبير عن ذواتهم وتبادل الآراء حول الظواهر المذكورة، وتوّج المسار بعرض إنتاجات الورشات المختلفة ونقاش جماعي مفتوح، ما جسّد التفاعل بين التعبير الفردي والمشاركة الجماعية.

في هذا الإطار، جاءت اللوحة الفنية المصاحبة التي أنجزتها مجموعة من الشابات التونسيات باعتبارها إحدى مخرجات ورشة التربية التشكيلية، تحت إشراف فني للمنشط والفنان محمد بوفريخة، الذي أرشد المشاركات في التعبير الفني وتوظيف الرموز البصرية، وإشراف تربوي وحواري للمربي والباحث مصطفى الشيخ الزوالي، لتعكس بذلك تجربة جماعية متكاملة تتجاوز حدود الورشة نحو قراءة أعمق للمجتمع والتحولات المستجدة.

تُقرأ اللوحة كنافذة مفتوحة على تحولات المجتمع التونسي. فهي تبني دلالاتها عبر طبقات يتجاور فيها الماضي والحاضر، وتتقاطع فيها الذاكرة مع الأسئلة التي يطرحها الزمن الراهن، ضمن تفكير جماعي في الظواهر المستجدة التي باتت تؤثّر في الحياة اليومية، وفي أشكال التوتّر والعنف التي ترافقها.

في أسفل اللوحة، تبرز البوابة التقليدية المزدانة بالورود كعلامة على الجذور الأولى: ذاكرة جماعية وروابط اجتماعية وموروث ثقافي شكّل على امتداد عقود إطار العيش المشترك. لا تحضر هذه العناصر بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كدعوة ضمنية إلى التمييز داخل هذا الموروث ذاته، بين ما يظلّ قادرًا على الإسناد وبناء المعنى، وما تحوّل مع الزمن إلى عبء يعيق الفهم والتجدّد. الماضي، كما توحي اللوحة، ليس كتلة واحدة صمّاء، بل فضاء مفتوحًا للاختيار والانتقاء وإعادة التوظيف، حيث وجدنا في التعبير البصري للعمل صدًى لما حاولنا طرحه خلال الحوار، وكأنّ الرسم أتمّ ما بدأناه بالكلمة.

مع الصعود في طبقات العمل، تتجلّى رموز تنتمي إلى مرحلة وسيطة من تاريخ المجتمع: الهاتف القديم، الدفاتر، إشارات المرور، وعلامات التنظيم المؤسسي. هذه العناصر تستحضر ملامح فترة تمتدّ لنحو خمسين سنة بعد تأسيس الدولة الوطنية عام 1956، أي زمن ما قبل الرقمنة والإنترنت والذكاء الاصطناعي، حين ساد منطق التنظيم والضبط، وسعت المؤسسات إلى تأطير السلوكات داخل فضاءات محدّدة، من بينها الفضاء المدرسي.

في قراءتي للوحة، أجد صدىً مباشرًا لما سعيت إلى تبليغه خلال الحوار؛ فالرموز، رغم ما توحي به من انتظام واستقرار، تحمل بين طبقاتها توتّرًا خفيًا، كأنها تُبرز حدود هذا النموذج حين يواجه تحوّلات لم تعد تُختزل في الأمكنة التقليدية، وتدعونا للتفكير في كيفية تكييف القديم مع تحديات الحاضر. وهكذا، يصبح الرسم امتدادًا بصريًّا للحوار، حيث يلتقي التعبير الفني بما حاولنا صياغته بالكلمة، في تفاعل ثنائي بين الرؤية والتجربة.

في المستويات العليا، ينفتح المشهد على عالم رقمي متسارع، تتداخل فيه منصّات التواصل، الشبكات، والتقنيات الحديثة. هنا، لا يبدو العنف، إن وُجد، محصورًا في الساحات أو الأقسام أو الشوارع، بل انتقل بقوة إلى الفضاء الرقمي، متخذًا أشكالاً جديدة وأكثر تعقيدًا، من قبيل التنمّر الإلكتروني، التشهير، وتداول مشاهد العنف. وفي قراءتي للوحة، أجد انعكاسًا لما سعيت إلى تبليغه خلال الحوار: فهذه الرموز لا تُقدَّم في صيغة اتهام مباشر، بل كإشارة إلى الفجوة المتنامية بين واقع التلميذ “الرقمي” وتجربة الحياة المدرسية، وبين منظومة تربوية ما تزال، في جانب منها، تشتغل بأدوات الأمس وتتصوّر العنف بوصفه ظاهرة محصورة في فضاءات مرئيّة قابلة للضبط.

بهذا التدرّج البصري، تقترح اللوحة تأمّلاً في العلاقة بين الأزمنة، لا من زاوية القطيعة، بل من زاوية الموازنة والمسؤولية. فهي تلمّح إلى أن التعامل مع الظواهر المستجدة، بما فيها مظاهر العنف في الزمن الرقمي، لا يمرّ عبر إنكار التحوّل ولا عبر القطيعة مع الجذور، بل عبر قدرة جماعية على إعادة التفكير، حيث يلتقي ما يُرى في اللوحة بما حاولنا تبليغه بالكلمة، في تجربة مشتركة تُوازن بين القديم والحاضر، وبين الموروث والتحديات الرقمية.

في المحصّلة، لا تُفهم هذه اللوحة بمعزل عن ساعة ونصف من الحوار والنقاش الجماعي الذي رافق إنجازها. خلال هذا الوقت، إذ تداخلت الملاحظات المستمدة من الواقع مع محاولات التأطير التربوي والفني، لتنتج لغة بصرية تعبّر عن تجربة تفاعل مستمرة. وهكذا، يظل المعنى مفتوحًا، يترك لكل مشاهد حرية قراءة اللوحة وتأويلها وفق طبقاتها ودلالاتها، مع إدراك أن ما يظهر في الصورة يعكس تمازجًا بين التعبير الفني والإشراف الفني وما حاولنا إبلاغه بالكلمة في الحوار والتوجيه التربوي

أكمل القراءة

صن نار