“يا مادام بربي اشري من عندي ها الباكو … يا مسيو عيشك عاوني حتى بحق خبزة … عائلة سورية في حاجة إلى مساعدة … بربي كمّل لي حق الركوب … خرجت من السبيطار و ما عنديش باش نشري الدواء…”
عبير عميش
تتعدّد النماذج و التسوّل واحد .. تسوّل مباشر و تسوّل مقنّع … هذه الظاهرة تفاقمت في بلادنا في السنوات الأخيرة و بحّت حناجر المواطنين والمدونين و الإعلاميين و هم يتوسّلون إلى الدّولة و يتسوّلون منها حلّا لمعالجة هذه الصورة التي “تتزين” بها مفترقات شوارعنا الرئيسية و حتى أنهجنا الفرعيّة في كل المدن، و صار يلاحظها القاصي و الدّاني و باتت تشكّل مشهدا مشينا في بلد اعتقد سكانه يوما ما أنّ هذه المشاهد تكاد تنعدم لديهم، و أنهم أفضل من باقي دول العالم الثالث … فبعد أن كنّا نسوّق أنفسنا للعالم باعتبارنا بلد الفرح الدّائم صرنا نخشى بأن ننعت بأنّنا بلد التسوّل الدائم ..
لم يعد التسوّل في بلادنا حكرا على المواطنين بل هو سياسة دولة بامتياز … فنحن شعب يعيش على القروض و الهبات و لم يتحسّن وضعنا الصحّي و لم تتوفّر التلاقيح لأبناء الشعب إلا بعد ما حصل ما يطلق عليه رئيسنا “هبّة البلدان الشقيقة و الصديقة” التي تداعت لإنقاذنا من الفناء بعد أن كادت منظومتنا الصحية تنهار في بداية صائفة 2021 … و حتى بعد أن صدّق البعض أننا سنستغني عن القروض و لن نهتمّ لتصنيفات المؤسسات المالية الدّولية ، ها أنّ الحكومة عادت إلى التفاوض مع ممثلي صندوق النقد الدولي (مفاوضات سرّية لا يعرف الشعب و لا الفاعلون السياسيون و الاقتصاديون و الاجتماعيون شيئا عن فحواها باستثناء بعض التسريبات التي لا يمكن التعويل عليها تماما) و ها أنّ ميزانيّة الدّولة للسنة الحاليّة تُبنى على فرضيّة الحصول على قروض دوليّة بعد موافقة الصناديق المانحة
و في انتظار ذلك و أمام تفاقم عجز البلاد الاقتصادي جاء بيان مفتي الجمهورية الذي يطلب فيه من رجال الأعمال التبرّع لمساعدة الدّولة (التي ساهمت السياسات و الحكومات المتعاقبة عليها منذ ما قبل 2011 وإلى يوم النّاس هذا في إفلاسها و انخرام توازناتها الماليّة) .. و قد استهجن أغلب المواطنين و المتفاعلين مع الشّأن العام بيان الاستجداء هذا و رأوا فيه مؤشرا من جملة مؤشرات أخرى (أهمّها تأخر رواتب الموظفين و عدم توفّر الرصيد الكافي في خزينة الدّولة لدفع الأجور) على إفلاس البلاد، فاستقبلوا البيان بمسحة من السّخرية و ” التنبير” على عادة التونسيين في مزج الجدّ بالهزل و الهروب إلى النكتة عند مواجهة الأزمات .
و بعيدا عن الردود الساخرة فإنّ تساؤلات عدّة طرحها صدور هذا البيان عن مفتي الجمهوريّة، أبرزها الغاية من خلط الدّين بالسياسة في هذا التوقيت بالذّات ؟ خاصّة أنه هو نفسه يعتمد المرجعيات الدينيّة في نصّ البيان عندما يقول : ” في هذه الظروف الاقتصاديّة و الاجتماعيّة الصعبة فإنّ وطنكم و هو وطن آبائكم وأجدادكم يدعوكم إلى أن تهبّوا إلى مواصلة البذل و العطاء إلى حين الخروج من أزمته و هو واجب أخلاقي وديني فالله تعالى يقول (و لا تنسوا الفضل بينكم) و يقول (و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) فالبذل والعطاء من أجل رفاهيّة شعبكم ليس تضحية و لا فداء و لا خسارة بل هي تجارة مع الله عزّ و جلّ لن تبور”
و ما علاقة المفتي بالحديث مباشرة في الوضع الاقتصادي خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بيانه في شهر نوفمبر الماضي حول الفساد … فهل أصدر البيان من تلقاء نفسه سيرا في ركاب السلطة و خدمة لتوجهات رئيس الجمهوريّة أم دُفِع إلى ذلك دفعا ؟
و هل انتهت حلول الأرض بالنسبة إلى الحكومة لمواجهة الأزمة العاصفة و لم تبق أمامها إلا حلول السماء كما يعتقد البعض ؟
و في المقابل و بينما يستجدي مفتي الجمهوريّة أهل المال و رجال الأعمال لمساعدة البلاد، نجد أنّ رئيس الجمهوريّة ماض في مشروع الصلح الجزائي الذي يريد إرساءه ـ و قد نادى به منذ سنة 2013 اعتمادا على القائمة التي أعدّها المرحوم عبد الفتاح عمرـ و الذي حسب ما بلغنا من تسريبات أيضا أنه سينشئ من أجله محاكم استثنائية و يعيّن قضاة يعودون إليه بالنظر من أجل البت في قائمة الفاسدين و ناهبي أموال الشعب و الذين سيقع ترتيبهم في ما بعد ترتيبا تنازليا بحسب المبالغ المحكوم بها عليهم … ويتم ترتيب المعتمديات ترتيبا تنازليا من الأكثر فقرا إلى الأقل فقرا، ويتعهد كل محكوم عليه بإنجاز المشاريع التي يطالب بها الأهالي في كل معتمدية (طرق، مؤسسات استشفائية، مؤسسات تربوية…)
فأين التناغم في التصريحات بين هياكل الدّولة ؟ هل سيطلب من أصحاب الأموال النّجدة و المساعدة أم سيقع إخضاعهم للتحقيق و المساءلة حول مصادر أموالهم ؟
إنّ تأزّم الوضع الاقتصادي في تونس لا يخفى على أحد يشعر به المواطن العاديّ دون حاجة إلى أرقام أو إحصائيات … إذ يلاحظه في فقدان مجموعة من الموادّ الأساسيّة أو الارتفاع المشط لأسعارها، و ينتبه إليه وهو يقف عاجزا عن اقتناء احتياجاته فلم تعد أجرته قادرة على تغطية نفقاته .. هذا لمن يعمل فما بالك بمن هو عاطل عن العمل …
و لكنّ الأرقام و التقارير تأتي لتؤكّد هذا الشعور و توضح أسبابه
حيث أنّ تونس تصنّف حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي – إلى جانب خمس دول أخرى هي البيرو ، باناما ، فينيزويلا ، نيكاراغوا و لبنان – بكونها بلدا يعاني من مخاطر انهيار الدّولة و عدم قدرتها على إنجاز الإصلاحات اللازمة و تحسين الخدمات وتواصل الركود الاقتصادي و فقدان الموارد البشرية و غياب الاستثمار بسبب فقدان الثقة
و ينضاف إلى ذلك التقرير المتعلّق بالمنشآت العمومية الناشطة في القطاعات الإستراتيجية التي تتصرف فيها الدّولة الصّادر مؤخرا، و الذي يُثبت بما لا يدعو للشك أن سيناريو انهيار الخدمات العمومية من تنوير وتزويد بالماء الصالح للشراب وبالمحروقات ونقل وخدمات صحية ليس ببعيد، في حال تواصل الحال على ما هو عليه
كما تؤكّد عديد المواقع أنّ ما يتوفّر في خزينة الدّولة حاليّا غير كاف إلا لتغطية ثلث أجور الموظفين و يتساءل المراقبون عن الآليات التي ستلجأ إليها الحكومة لتغطية هذا العجز في الأيام القليلة القادمة … هذه الحكومة التي لم نسمع لها صوتا منذ تعيينها قبل حوالي 100 يوم و لا نعرف عن أولوياتها شيئا غير ما يوجهها إليه رئيس الجمهورية، سواء في اجتماعاته الوزاريّة أو أثناء استقبال رئيستها التي يبدو أنّ كل جهودها و جهود الوزراء و الولاة معها منصبّة فقط على إنجاح الاستشارة الكترونيّة التي سيُمتِّن بها سعيّد أركان حكمه … وقد نسي الجميع أنّ الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل أي تأجيل و أنّ الشعب قد لا ينتظر نتيجة استشارتهم، و قد لا يصبر على اهتمامهم بالجوانب السياسية بدل البحث عن الحلول الاقتصادية التي تقيه شر الجوع والتسوّل .
أتحفتني الصديقة الشاعرة المبدعة فاطمة التليلي حين وصلني منها اليوم إصدار جديد في شكل ديوانها الشعري الثاني بعنوان خفيف الظلمثلها: “تسابيح مملة“.
صدر هذا الكتاب ذو الإخراج الجميل الأنيق عن دار “الثقافية للنشر والتوزيع ” التي مقرها مدينة المنستير، وذلك في 127 صفحة من القطع المتوسط. وتنتمي مؤلفته الصديقة الشاعرة الرقيقة فاطمة التليلي مهنيا إلى مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالمركز العمراني الشمالي بتونس العاصمة، غير أن ولعها بالقصيدة أكسبها مقاما إبداعيا يسلك طريقه بثبات في المدونة الشعرية التونسية.
تؤثث صفحات ديوان “التسابيح” بكل حب 83 قصيدة بأطوال مختلفة تتخللها تعبيرات تفوق عشرات الأبيات… في هذا الكتاب الجميل لم تتحدث الشاعرة عن القحط أو الظلامية بل حملت لنا معها موسوعة من حالات يأس و فرح و تردد ومواقف أنثى و صدق عاطفة و حتى غضب يطفو من حين لآخر، وتتراوح المشاعر خلاله بين الحيرة والجنون و الاشتياق والغرور و الانزلاق واغتراب روح شفيفة تبحث عن مكمن يليق بأفراحها وأحلامها السياسية أحيانا والتشكيلية أحيانا أخرى بتعابير أكثر فأكثر صدقا وقربا.
“تسابيح مملة” لا ملل منها على الإطلاق، بل هي جملة من الخفقات الفنية والإبداعية لشاعرتنا المحبوبة فاطمة التليلي ولا أضيف على ذلك، بل أترك المجال للقارئ حتى يكتشف ويستمتع، ولي حتى أتعمق وأعود بأكثر تفصيلا في مقال آخر.
نيران هنا… ونيران هناك .. لكنها في النهاية تحرق القلب نفسه. ففي تونس، وفي كلّ المواسم والأعياد، تشتعل الأسعار، وبدل أن تشتعل الفرحة في قلوب الناس ترتفع الأسعار بشكل جنوني في كل السلع وكأنها في سباق ومنافسة محمومة دون رحمة ..
ملابس الأطفال التي كان يفترض أن تُدخل البهجة، صارت عبئًا ثقيلاً على الأُسر، والمواد الاستهلاكية —من حلويات ومشروبات وخضر وغلال وأسماك مملّحة في بعض الجهات — تحوّلت إلى رفاهٍ مؤلم وصارت وسيلة إضافيّة للضغط على المواطن الغلبان “اللي يشوف بعينه ويموت بقلبه أو يزيد يغرق في الديون والقروض …”. في بقية بلدان العالم، تُخفَّض الأسعار في مثل هذه المناسبات وتستقبل المحلات حرفاءها بأسعار تفاضلية وبعروض تحفّزهم على الشراء. أما عندنا… فتُستثمر الأعياد والمناسبات في استنزاف الجيوب.. وبين لهفة المواطن وجشع التاجر، تضيع فرحة العيد. لكن، هل هي مجرد حكاية محلية؟ أم أن الجشع بات لغة عالمية؟
في عالم أصبح فيه “تاجر مهووس” يحكم العالم، صارت الأزمات تُدار بجشع التاجر وعقلية الربح والخسارة لا بعقلية الحكمة والرصانة، فيُداس الانسان وتشتعل الحروب وفقا لرغبات و أهواء “شيلوك” العصر الحديث ، وتشتعل معها الأسواق وترتفع أسعار النفط والغاز ، وترتدّ ألسنة اللهب على كل بيت، حتى وإن كان بعيدا عن ساحة المعركة. ما يحدث في الشرق الأوسط غاية في العبثيّة ورغبة مسمومة في السيطرة على كلّ المواقع وخنق كلّ البلدان لفائدة “طفل مدلل” يتقن المساومة والابتزاز ويتعمّد قلب الحقائق وتسخير الوقائع لفائدته ..
حرب أرادوها خاطفة فغرقوا في وحل مستنقعها، ضربات من هنا وهناك ، دمار وتدمير ، تصريحات وتصريحات مضادّة … وبشر في المقابل يعانون الخوف والرعب والألم …و أسئلةٌ بسيطة لا نجد لها جوابًا فلا أحد اليوم يستطيع أن يجزم لمن هذه الحرب؟! ولفائدة من ستؤول وإلى أين تتجه؟! في زمن الصورة والرقمنة، حيث يُفترض أن العالم قرية صغيرة، و أنّ للمعلومة أجنحة من أثير ، وأنّ الحقيقة أقرب إلينا من أي وقت مضى، نكتشف أننا نعيش التعتيم ونسبح في ضباب كثيف من التضليل… فكل خبر قابل للتشكيك وكل صورةٍ تحتمل التأويل، وكأن الحقيقة نفسها أصبحت ضحية.
فإذا كنا اليوم —في عصر السرعة والانفتاح والتكنولوجيا المتطوّرة — نعجز عن فهم ما يجري ، ولا ندرك الحقيقة الفعلية للميدان ، فكيف كان حال من سبقونا؟ كم من “حقائق” آمنّا بها… وربما لم تكن كذلك؟ مَن كَتب التاريخ مِن أسلافنا هل كان أمينا؟ كيف وصلتنا أصداء الماضي وبأيّة رؤية و تأويل ؟!! إلى أيّ مدى يمكن أن نثق بما دوّنه السابقون وكتبوه ؟!!
وسط هذه النيران نعيش العيد… نعم… لكننا لا نعيشه في قلوبنا كما كان… منذ سنوات والفرح مؤجل، تحت رماد الحروب… ووطأة الغلاء… وثقل القلق والخوف .
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!