تابعنا على

جلـ ... منار

نتنياهو والكونغرس: لا حرج في استغفال عقول متبلدة

نشرت

في

صبحي حديدي:

ليسوا بلهاء، النساء والرجال أعضاء الاجتماع المشترك للكونغرس الأمريكي، الذين لم يتوقفوا عن التصفيق لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

صبحي حديدي

فشعائر الاحتفاء بمجرم حرب من طرازه تقتضي شتى صنوف التهليل، بل التنافس في إظهار الولاء أمام عدسات سوف تبلغ أنظار مجموعات الضغط المناصرة للكيان الصهيوني؛ ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في أربع رياح الأرض. هم، في المقابل، أردأ أخلاقاً وأدنى سلوكاً وأحطّ طوية من أيّ أبله يمكن أن يصفق لا على التعيين، إذْ لا أحد منهم لم يُبصر واحداً أو اثنين أو عشرة من مشاهد جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزّة وسائر فلسطين؛ أو لم تبلغه خلاصات محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية، أو اعتصامات الطلاب في الجامعات الأمريكية على اختلافها والنخبة النخبوية بينها أوّلاً.

فأنْ يصفق واقفاً أعضاء الكونغرس أمثال توم كوتون، ميتش ماكونيل، مارشا بلاكبرن، كاتي بويد بريت، تيد باد، كيفن كريمر، تيد كروز، بيل هاغرتي، بيت ريكتس، ماركو روبيو، ريك سكوت، وتيم سكوت، وسواهم عشرات من أنصار دولة الاحتلال، إزاء لافتة عنصرية بغيضة افتتح بها نتنياهو خطابه (على غرار أنّ هذه حرب بين البربرية والحضارة، أو إسرائيل أوّلاً، وأمريكا ثانياً)؛ أمر يتجاوز الهبل والانتهاز والتزلف والنفاق. إنه يعكس باطناً عنصرياً كريهاً لوقائع التاريخ عموماً، ولما يشهده قطاع غزّة وسائر فلسطين من توحّش إسرائيلي لا يُقارن بأيّة بربرية أو همجية أو وحشية.

الأرجح، أيضاً، أنّ نتنياهو لم يتوقف عند افتراض البلاهة المطلقة لدى مستمعيه والمصفقين له، حين أعلن أنّ “أمريكا دشنت تحالفاً أمنياً في أوروبا لمواجهة التهديد السوفياتي المتزايد، وبالمثل يمكن لأمريكا وإسرائيل اليوم تدشين تحالف أمني في الشرق الأوسط لمواجهة التهديد الإيراني المتزايد”. فهو يتقن دغدغة الأمزجة الشعبوية التي تستسهل ابتلاع “برشامة” جيو ــ سياسية هنا وهناك، فتطوّع باقتراح التسمية المثلى لذلك المشروع الأخرق: “تحالف أبراهام” نسبة إلى الاتفاقيات التي عقدتها دولة الاحتلال مع أنظمة خليجية مثل الإمارات والبحرين. وكي يضيف بعض التوابل إلى مَن يستسيغون الاستهبال، ذكّرهم بأنّ هجمة إيران ضدّ دولة الاحتلال، شاركت في التصدّي لها “خمسة جيوش حلّقت في الأجواء لإسقاط الهجمة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضدّ الدولة اليهودية”.

وعلى سيرة يهودية الكيان الصهيوني، لعلّ واحداً من أطرف التفاصيل، خلال خطبة نتنياهو، كان مشهد جيري مادلر، العضو الديمقراطي وممثل الدائرة 12 في نيويورك، الذي صرف الوقت وهو يقلّب صفحات كتاب “بين كاسبيت” (سنوات نتنياهو)؛ فهو عضو الكونغرس ذاته الذي اعتبر أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية هو “الزعيم الأسوأ في التاريخ اليهودي منذ أن بادر الملك المكابي إلى دعوة الرومان لدخول أورشليم قبل 2100 سنة”. ورغم أنّ المعطيات أشارت إلى تغيّب 68 عضواً ديمقراطياً، فإنّ ديمقراطيين بارزين أمثال شاك شومر وآمي كلوبشر وكريس مورفي حضروا، فكتموا الامتعاض تارة أو التعجّب تارة أخرى؛ لكنهم صفقوا وقوفاً مراراً، وهللوا أسوة بالقطيع الجمهوري.

وإذْ استعاد مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، حول “محور الشرّ” فحصره في إيران وحدها؛ هتف نتنياهو، في جملة أخرى كفيلة بدغدغة العقول المتبلدة: “أعداؤنا هم أعداؤكم، معركتنا هي معركتكم، وانتصاراتنا سوف تكون انتصاراتكم”. فإن الإضافة التالية، المكمّلة تلقائياً، هي هذه بالطبع: النصر على مرمى البصر، وحين يفلح الجيش الإسرائيلي في دحر “حماس” فإنّ ذلك سيشكّل ضربة قاصمة لــ”محور الإرهاب” في غزّة ولبنان واليمن؛ وللمرء أن يتخيّل حجم التصفيق وقوفاً حيال “برشامة” استغباء مثل هذه.

لكنّ المشهد كان سريالياً بعض الشيء، بين التصفيق الحارّ الذي واظب عليه ممثّلو الأمّة الأمريكية داخل قاعة الكونغرس الكبرى، ومظاهر الاحتجاج العارم الذي عبّرت عنه غالبية من ناخبيهم في محيط الكابيتول؛ وحتى طغيان الحضور اليهودي داخل صفوف الاحتجاج، تحت شعارات تطالب بوقف إطلاق النار باسم اليهود، مما استدعى من بعض النوّاب المصفقين وصف هؤلاء (اليهود، تحديداً) بالعمالة لــ”حماس”. ولم يكن ينقص سوى فقرة في خطبة نتنياهو تطلق صفة البلاهة على المحتجين في الخارج، ممّن يتجاهلون ما تفعله إيران (وليس “حماس” هذه المرّة!) بالمثليين والنساء غير المحجبات.

وهذه، للتذكير المفيد، هي خطبة نتنياهو الرابعة أمام اجتماع مشترك للكونغرس، ولم يسبق لأيّ سياسي أجنبي أن حظي بفرصة فريدة كهذه؛ مع التنويه إلى أنّ نصف تلك المناسبات انطوت على تجاوز للبيت الأبيض، وترتيب مع الأغلبية الجمهورية، وتدخّل في النزاعات بين الحزبين. لعلّ الأكثر استدعاء للذاكرة كانت خطبة أواخر العام 2015 حين سعى نتنياهو إلى تعطيل خطط الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بصدد الاتفاق النووي مع إيران. والتاريخ حفظ تصريح ران باراتز، مستشار نتنياهو الإعلامي؛ الذي اعتبر أنّ موقف أوباما من الاتفاق هو “الوجه الحديث للعداء للسامية في الغرب والبلدان الليبرالية”.

انزعاج الإدارة من تصريحات كهذه لم يتحوّل، البتة، إلى عائق أمام إقرار إدارة أوباما سلسلة مطالب إسرائيلية: تدعيم “القبة الفولاذية” التي تستقبل وتدمّر الصواريخ قصيرة المدى؛ و”مقلاع داود” للصواريخ متوسطة وبعيدة المدى؛ وأنظمة “سهم” المضادة للصواريخ بدورها؛ ومقاتلات F-35A التي مُنحت، للمرّة الأولى، إلى أيّ حليف؛ ومقاتلات V-22، التي تحلّق كطائرة وتهبط كحوّامة؛ فضلاً، بالطبع، عن اتفاقية مساعدة سنوية بقيمة 30 مليار دولار.

التفاف نتنياهو على أوباما خلال تلك الزيارة لم يمنع اتفاقهما على صيغة مكتومة من التواطؤ المكشوف، تتناسى ما دار بينهما أثناء زيارة أوباما إلى دولة الاحتلال، حين كان الأخير محض مرشّح للرئاسة، وكان الأوّل زعيم حزب “ليكود” الطامح إلى هزم “كاديما”. آنذاك، كما حرص نتنياهو على التسريب إلى الصحافة، انزوى الرجلان بعيداً عن الحشد، فقال أوباما: “أنت وأنا نشترك في الكثير. لقد بدأتُ على اليسار وانتقلتُ إلى الوسط. وأنت بدأتَ على اليمين وانتقلتَ إلى الوسط. كلانا براغماتي يرغب في إنجاز الأمور”. وللمرء أن يحدّث، ولا حرج، حول طبيعة تلك “الأمور” وطابع ذلك “الإنجاز”.

أيضاً، كان المعلّق الإسرائيلي عكيفا إلدار قد ذكّرّ العالم بقسط من النفور الذي اكتنف شخص نتنياهو لدى رجالات إدارة رئيس أمريكي اسبق آخر هو بيل كلينتون، وعند الرئيس نفسه (الذي استخدم تعبير “فضلات الدجاج” في إحدى ثورات غضبه على نتنياهو)؛ مروراً بالسيدة الأولى هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية في ولاية أوباما الأولى، والمرشحة الرئاسية الديمقراطية لاحقاً؛ وليس انتهاءً بأمثال دنيس روس، أرون دافيد ميللر، وجو لوكهارت.

فهل امتنع هؤلاء عن التصفيق الحارّ كلما صنع نتنياهو مناسبة للتطبيل له شخصياً، وليس التزمير لدولة الاحتلال فقط؟ كلا، بالطبع، فمن ذا الذي تجاسر (حتى داخل أمانات المجالس، وليس علانية على أيّ نحو) في فتح ملفات توسيع الاستيطان، أو تهويد القدس، أو مصادرة الأراضي، أو عربدة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في المناطق ذاتها التي تخضع للتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، أو وضع معظم بنود اتفاقيات أوسلو في سلّة المهملات الإسرائيلية، أو الإصغاء إلى حركات الاحتجاج في الشوارع والجامعات ومبنى الكابيتول؟

ولماذا يُلام نتنياهو إذا قرّع المصفقون أنفسهم لأنهم لم يتوقفوا عن التصفيق، فخاطبهم هكذا، كتلامذة في المدارس الابتدائية: “لا تصفقوا ! استمعوا !”؛ وهل كانوا أصلاً، في قليل أو كثير، سوى عقول مصفقة متبلدة؟!

ـ عن “القدس العربي” ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار