تابعنا على

جور نار

نحن شعب لا يخجلُ مِن نفْسه… يَسعَد لمأساة بعضِهِ…

نشرت

في

Les Verts veulent encadrer strictement l'usage de menottes pour des mineurs  - L'Avenir

تدخل بعض مواقع الحقد الاجتماعي عفوا التواصل الاجتماعي التي تقطر حقدا فتستغرب ما يكتبون…أول أمس بلغ إلى مسامعنا جميعا إيقاف الصادق شورو القيادي السابق بحركة النهضة ثم إطلاق سراحه…قلت في خاطري ماذا لو قمت بجولة بين مواقع الحقد الدفين لأرى ما يكتبون…أقول دخلت أحد هذه المواقع وهو لــ”سيدة” تجيد الصراخ والعويل واللطم و”النخّان” إن لزم الأمر، و”النخّان” هو رقصة هزّ ولطخ الشعر تقوم بها نسوة بعض جهاتنا…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

يا جماعة إن قرأتم ما كتبته وتكتبه هذه “السيّدة” ستخجلون من أنفسكم وستلعنون العالم أو ربما ستقسمون انكم ستغادرون هذه البلاد في اول فرصة تسنح لكم…هذه “السيّدة” يرتفع منسوب سعادتها مع كل خبر يصلها عن إيقاف او دعوة للتحقيق او اصدار بطاقة إيداع في أحد من تكرههم ومن تحقد عليهم ومن تتمنى لهم السوء ليلا نهارا ويوم الأحد…فأنت حين تدخل صفحتها تشتمّ رائحة الدم والهمّ والغمّ وبيع الذمم…لكن من هم هؤلاء الذين تكرههم سعادتها؟ هم كل من لا تتفق معهم… ولا يصفقون لمن تصفق…ولا يساندون من تساند…ولا يلعقون حذاء من تلعق علما وأن هذه “السيدة” أطال الله حقدها ولسانها وأظافرها تعشق سماع أغنية الشاذلي الحاجي “ميحي مع الأرياح” وتجيد العمل بما جاء في نصف البيت الاول من الاغنية التي كتبها عبد الصمد كورشيد.، كيف لا وهي التي لعقت كل الأحذية…و”الشلايك” أحيانا، نسيت ان أقول لكم ان شعار هذه السيّدة “من ليس معي فهو ضدّي”…أي نعم كل من ليس معها ولا يتفق معها في ما تأتيه وتحقد عليه هو خصمها وعدوها ووجب التنكيل به حيّا وميّتا…هكذا تفكّر هذه “السيّدة” وأظنّ أن المئات مثلها وأكثر…هم اليوم من يشعلون نار الفتنة وهم وقودها…وهم أيضا من يخدعون حكام البلاد ويزيّنون لهم مما يأتونه ما قد يسيء لهم ويوسع الهوّة بينهم وبين الشعب…

أسأل وأنا الفقير إلى ربّه، وأنا من لا يطمح لمنصب ولا جاه، ولا يريد شيئا من مولاه…أسأل وأنا الذي كنت رفقة بعض الأصدقاء وعددهم لا يتجاوز الألف ربما أكثر من عارضوا النهضة وشاكسوها واذاقوها طعم مرارة ما يكتبون وهي تحكم وتجلس على كراسي الحكم، حين كانت هذه السيّدة تكتفي بسماع أغنية “حليلي وي …حليلي وي” وهي تطبخ فطور زوجها وتتمايل على انغام قاسم كافي رحمه الله، وكانت حين تشاهد حمادي الجبالي وهو يفسر للشعب قانون المالية في نشرة اخبار الثامنة تصرخ في سرّها وعلنها “محلى زينو..مشبّو” ثم تجهش بالبكاء والعويل وتقفز إلى فراشها حافية القدمين لتنام والسلام، لتقوم صباح الغد على صوت زوجها وهو يصرخ “قوم طيب الفطور يا سخطة”…

أعود لأقول، ماذا سيستفيد الشعب من كل هذا الذي يحدث في البلاد؟ لماذا هتكنا عرض الدولة إلى هذا الحدّ؟ لماذا نسمح بنشر غسيل مؤسساتنا “المقدّسة معنويا واستراتيجيا” التي لا يجب المساس بها ولا نشر غسيلها ولا نشر حتى ما تفعله على قارعة شبكات التواصل الاجتماعي؟ لماذا نكشف “عوراتنا” لمن هبّ ودبّ، ألا تعتبر بعض مؤسساتنا بمثابة “ملابسنا الداخلية” التي وجب الحفاظ عليها… أليست شرفنا الذي وجب حمايته وعدم المساس به في كل الحالات وفي كل الظروف والأزمات؟ لماذا نصرّ على أن تكون عناوين صفحات صحفنا الأولى “بطاقة إيداع لفلان…” أو “الكشف عن مؤامرة…” أو “إيقاف الغنوشي وآل بيت الغنوشي ومن صاهر الغنوشي ومن جالسه…” أو “الكشف عن مجموعة من العملاء والخونة…”…والأغرب لماذا أصبح بعضنا يسعد ويفاخر بمثل هذه الأخبار؟ أهذا كان مطلبنا حين انتخبنا من يحكمنا بالأمس واليوم؟ لا أظنّ…فما نعيشه اليوم يذكرني ببرنامج إذاعي قديم “أغنية لكل مستمع”…فنحن اليوم نلبي رغبات كل مزاج شعبي …لنغطّي عن فشلنا وتأخرنا في إصلاح أوضاع البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا…

لماذا لا نرافق كل هذه الأمور العسكرية والأمنية والقضائية بالسرّية التامة ونكتفي فقط بكشف نجاحاتنا في حربنا على الإرهاب علنا تحفيزا وتشجيعا لقواتنا العسكرية والأمنية حفاظا على هيبتها وقداسة عملها ومهامها… وعلينا أن لا ننسى ان مزاج الشعوب لا يؤتمن فهو متحوّل وغير ثابت…كما علينا أن لا ننسى ان هذا الشعب حين يجوع غدا وحين يكتشف ان أوضاعه لم تتحسن…وأنه لا يزال يراوح مكانه في نفس الوضع الذي عاشه سابقا يكرر ما كان يطالب به لسنوات…فالبطالة تقتل أبناءه بالتقسيط…والاحباط يقضي على أحلامهم كل يوم …سيخرج ليطالب بالتشغيل …والخبز…والكرامة…والعدل والإنصاف وكل العناوين الثورية التي توشّح الشوارع والأنهج عند خروج الشعوب على حكامها…وسينسى كل ما كان يطرب لسماعه…وسيغني نفس الموال والأغنية التي كان يُسْمِعها لحكام الامس ولمن كان يصفّق لهم…ويفاخر بهم…ويلعق أحذيتهم “ارحلوا…” وسيعيد التاريخ المأساة في شكل آخر…أحقّا نحن في حاجة إلى إعادة فصول المأساة مرّة أخرى؟ لا أظنّ أننا في حاجة إلى إعادة كتابة بعض فصول التاريخ…فالوجع أصاب هذا الشعب ولن يقوى على تحمّله مرّة أخرى…

اتقوا الله في الناس…وأعراض الناس…وأسرار بيوت الناس…واتقوا الله في أبناء من تهتكون عرضهم…وفي عائلات من تشوهونهم بنشر أسرارهم…فربما غدا يهتكون أعراضكم…وينشرون أسرار بيوتكم…ألم تفكّروا في أن للناس أبناء…وللناس أمهات…وآباء…ليس هكذا تكسبون قلوب الناس…وليس هكذا تكسبون معارككم…وليس هكذا تحكمون البلاد غدا…وليس هكذا تكسبون معارككم السياسية…فإن اليوم “خصومكم تفضحون”…غدا لأسراركم وما تفعلون قد يفضحون…و”المسلفة مردودة…” كما يقولون… ألا تفقهون…

ألا يجب أن نعترف جميعا ان الحقد أصبح خبزنا اليومي… ألا نخجل مما نحن فيه يا سادة…ألم أقل سابقا حين طالبت بالمصالحة الشاملة أن الحقد سيقتلنا الواحد تلو الآخر دون أن نسمع كلمة حب واحدة… في عالم أصبح فيه الحقد عقيدة… والعنف ممارسة يومية… في عالم تضاءلت فيه مساحات الحب والتسامح… واستوطنت الأحقاد مساحاته الشاسعة…ألا يمكن أن ننسى بعض الوقت أحقادنا…ونفكّر للحظة واحدة في مستقبل أحفادنا…فلنعترف فقط، ولو مرّة أننا أخطأنا في حقّ البعض وهم أحياء…وأخطأنا في حقّهم وهم أموات…ففي الموت لا اختلاف…ولا تعددية…ولا محسوبية…جميعنا سنموت يوما…دون أن نعرف كيف …ومتى…ودون أن نعرف من سيبكينا …ومن سيفرح لموتنا…فصمتا يا جماعة فبعضكم قد يقتلنا بنفاقه…بعد موتنا…وكفانا طربا لوجع بعضنا…تعالوا معا نغلق قوس “الحقد”…فأرض الله واسعة …ومساحات الحبّ شاسعة…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار