تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة رقم 11

نشرت

في

Soutien scolaire lycée - Graine de Génie

عبد الكريم قطاطة:

وحانت ساعة الثانوي …. في زمننا كان عدد السنوات في التعليم الابتدائي ست سنوات ونفس هذا العدد كان بالنسبة للثانوي …ثلاث سنوات اولى ـ جذعا مشتركا ـ وبداية من السنة الرابعة تبدأ عملية التوجيه الى اربع شعب لا غير: آداب …علوم .. رياضيات … و ترشيح معلمين.

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

هذا التقسيم لم نكن نعرف عنه شيئا في السنة الاولى من تعليمنا الثانوي … وكيف لنا ان ندرك ذلك ونحن في جلنا اطفال يافعون من مدينة صفاقس واحوازها القريبة منها والبعيدة، ومن عديد المدن الاخرى التي تفتقر لمعاهد ثانوية انذك .. العديد منا وانا اولهم لم يكتشف بعد ماهية المدينة … صفاقس المدينة كانت بالنسبة إلي اكتشافا مذهلا سواء المدينة العتيقة او صفاقس خارج اسوارها .. وساعود لها بكل تفاصيلها في ورقة قادمة … دعوني اخصص هذه الورقة لمعهد الحي، 15 نوفمبر حاليا …

اول ما شد انتباهي في معهد الحي نوعية الاساتذة الذين يدرسون به شكلا ومضمونا ..اذ ان العديد منهم كان زيتونيا باتم معنى الكلمة، فلباسهم انحصر في الجبة والشاشية (كبوس او كبوس اسطمبولي) وهذا الاخير عشقته جدا نظرا إلى جماله الاخاذ الى درجة اني بحثت عنه عديد المرات وما زلت ابحث عنه ولكني لم اجد من نوعيته الا المقلد …وقيل لي انه يباع فقط في حانوت في المدينة العتيقة بتونس العاصمة ولأسفي الشديد لم اعثر عليه … ثم هؤلاء الاساتذة رحم الله جلهم، كانوا يطلقون عليهم لقب الشيخ ..الشيخان حبيب ومحمد التركي، الشيخان عامر ومحمد الجربي، الشيخ محمد قطاطة، ابن عم والدي، الشيخ يوسف المزغني، الشيخ الطاهر الحشيشة والتحق بهم في اواسط الستينات الشيخ احمد رويس …

كلهم دون استثناء هيبة ووهرة وكلهم ايضا دون استثناء يجهلون تماما اللغة الفرنسية …ولكل شيخ منهم بصمته المميزة وشخصيته المستقلة، فبعضهم كان آية في الطيبة الى درجة ان شياطين التلاميذ انذاك كانوا يذيقونهم اشد انواع الخبث (طبعا خبث الطفولة) فيسمعونهم الوانا من الصفات باللغة الفرنسية، ويعلو الضجيج والضحك وهم لا يفقهون اسباب ذلك …ورغم ما يحدث فان القليل منهم من يعاقب ابناءه التلاميذ لانه يعتبرهم ابناءه بحق فيغفر لهم زلاتهم …البعض الاخر كان من النوع الذي “يشمّها وهي طايرة” … المرحوم عامر الجربي مثلا، كان البعض منا يحاول ان يدس بعض الكلمات النابئة في سؤال ما او في اجابة ما (زعمة زعمة يغش فيه ويعديها عليه) … لكن اجاباته كانت من نوع رد الصاع صاعين وبكل ذكاء وردود مختارة ومنتقاة حتى لا ينزل الى مستوى الرداءة … وكنا “نشيخ” بردوده الضامرة وهو يبادلنا شيختنا بابتسامة كم هي معبرة ومن نوع “جيتو تتعلمو ا في الزلق في بيت الصابون”او “راني ولد … عليكم) !

نوعية ثالثة تحاول الرد على شغبنا باسلوب واقعي ينبثق من العصر المعيش …اتذكر جيدا الشيخ الطاهر الحشيشة رحمه الله … كان يكتب على السبورة محاور النص حتى نتدارسه وكان امامي الزميل عبدالعزيز الوكيل(امام الجمعة حاليا بجامع سيدي اللخمي) وكان الطقس حارا … نظرت الى رجلي عبدالعزيز فوجدت انه يرتدي “شلاكة” احدى فردتيها في رجله والاخرى اعتقها من سجن الرجل الاخرى …ادخلت رجلي بهدوء وجذبت تلك الفردة في غفلة منه وقذفتها تماما ككرة على مصطبة القسم …كنت اتصور اني ساكون بطلا مجهولا لعملتي تلك ..ولكن من سوء حظي ان لحظة قذف فردة الشلاكة على المصطبة تزامنت تماما مع لحظة استدارة الشيخ الطاهر الى التلاميذ (يعني جات الغمزة في عين القاضي) …

نظر الشيخ الى عبدالكريم مليا ووجهه محمر من كثرة غضبه وقال: “ايّا سجلت الهدف يا قطاطة .؟؟؟” ولا تسالوا عن ضجيج اترابي ضحكا ومرحا لا شماتة فيّ بل اعجابا بالشيخ الطاهر وهو يحكي كرة قدم ..ثم لا تسالوا عن جزعي مما سيقرره الشيخ من عقاب قد يصل الى حد الرفت من المدرسة …عقاب لا ادري كيف سيكون ؟؟؟… الا اني وطيلة مراحل تعليمي كنت افاجأ دوما بكل المربين في “حنّيتهم” وتسامحهم معي ..توعد سي الطاهر ومضى يكمل الدرس …وها انا لحد يوم الناس هذا انتظر العقاب … نعم انتظر العقاب …

نوع اخير من هؤلاء الاساتذة الزيتونيين هو الكاريزما في ابهى مظاهرها، ولعل الاستاذ المرحوم يوسف خماخم هو افضل من يمثلها ….. استاذ رهيب قصير القامة ممتلئ الجسم حاد النظرة ذو كفاءة عالية في التدريس وفي علاقته مع جميع التلاميذ دون استثناء (ما تسمعش عندو حس الذبانة) … نهابه بشكل عجيب رغم شقاوتنا مع الاخرين ..بل كان لا يتاخر لحظة واحدة اذا حاول البعض تجاوز الحدود سلوكا او تجاهلا لدروسه، ان يدعوه الى السبورة وان يناوله “شلبوق” (لا يقرا ولا يكتب) … بل احيانا وعلى قصر قامته “يتشعبط” للوصول الى وجه التلميذ الذي يفوقه طولا ليطبع على وجهه “داودي” لا يعرف سره الا سي يوسف رحمه الله …

بقية الاساتذة في معهد الحي كانوا جلهم من خريجي الجامعات المشرقية (سوريا والعراق) واكتشفنا فيما بعد انهم معارضون اشاوس لبورقيبة لانهم ايديولوجيّا هم اما قوميون او بعثيون وفئة قليلة منهم يوسفيون …لكن وفي اي زمان ومكان هنالك المنخرطون اما اقتناعا او انتهازا في الحزب الحر الدستوري (الحزب الحاكم انذاك) .. لكن الملفت جدا للنظر ان معهد الحي في تلك الحقبة به مدرّسة وحيدة، الانسة لاكوست … هي فرنسية عزباء وباحدى ساقيها عرج ومتوسطة الجمال رغم اناقتها ولكن كل رؤوس التلاميذ تتابع المرأة الوحيدة في المعهد بكثير من الاهتمام ….واهتمام واعجاب كل تلميذ له نوعيته حسب الاعمار وحسب ما يدور في خلد كل واحد منا من رغبات … والاكيد انه لا احد منا فكر في مشروع فلاحي او صناعي او تربوي مع الانسة لاكوست، خاصة وهي تدمر الاعين واشياء اخرى بالميني جوب التي لا ترتدي سواه وبكل سادية (واحنا صغيرين وما نعرفش الحاجات دي … ومظلومين يا بيه) …

ما يميز معهد الحي انذاك مديره الذي لا يشق له غبار السيد احمد الزغل اطال الله في عمره ومتعه بالصحة …دعوني اختصر لكم وصف هذه الشخصية الطاغية والمخيفة لحد الهوس، في المشهد التالي: سي احمد كنا لا نراه الا لحظة قدومه الى المعهد ينزل من سيارته السوداء ويتجه نحو مكتبه ..في تلك اللحظة هل تتصورون ماذا يحل بكل التلاميذ المتحلقين بالساحة قبل بدء الدروس ؟؟؟… عودوا بذاكرتكم اما للقرآن وهو يروي لنا قصة النبي موسى عندما يضرب يعصاه البحر فيشقه الى نصفين …او عودوا الى الفيلم الكبير الذي انتج في اواسط السبعينات “الوصايا العشر” بطولة يول برينير وهو يمثل دور فرعون، وشارلتون هيستون وهو يمثل دور موسى، لتعرفوا كيف كنا نتصرف لاشعوريا وسي احمد يتقدم بتؤدة و”السبسي” الذي كان يلازمه في فمه ورائحة تبغه الشهية (امستردام) هكذا كان يسمى تبغه الذي يحشوه في غليونه …رائحة تعبق بها ساحة الحي …

اقسم لكم اننا كنا ننقسم كالبحر الى نصفين حتى يشق سي احمد الساحة خوفا من ان “يكبّش” في احدنا … يااااااااااااه كم هو احد الفراعنة انذاك في جبروته …وكم اكتشفنا يوم قررت انا وزملائي زيارته في بيته بعد عشرات السنين كم اكتشفنا رجلا اخر تشعّ سعادته بنا من خلال دموع تترقرق في عينيه … تصوروا (وهذه اقولها لزملائي الذين عاصروني) ان سي احمد يرجوني بكل الحاح ان لا احرمه من كتاباتي الصحفية التي يعتبرها وساما له لاني وكما يقول، طلعت “ضنوة صالحة” كاغلب تلاميذ الحي انذاك الذين قلّ وندر ان تلقى في عرجونهم “صيشة” اي بلحة فاسدة …ما اريد ان اقوله اننا في جلنا ومهما كانت كاريزمتنا او بطشنا او الاعتداد بانفسنا، “اولنا صغار وعقابنا صغار” … ولاسفي الشديد والمؤلم انني يوم قررت تكريمه مع ثلة من زملائي (في الحي) ارتأت عائلته ان صحته لم تعد تسمح له بالتنقل الى صفاقس باعتبار سكناه في تونس، ورجتني ان اعتذر له بدعوى تاخير يوم التكريم لانه كان مشتاقا جدا للمجيء للحفل …

وها انا اتفهمه وبكل عمق وانا انزل ضيفا على اصدقائي واحبابي يوم تكريمي الاحد الماضي ….بعد سيناريو ممتع ومفاجأة مذهلة جعلتني “مزبهلا” الى حد لا يوصف خاصة وانا التقي عيونا كم كانت نافذة في وجداني لانها كانت الحب في اعمق واروع وامتع معانيه …

معهد الحي ايضا هو التقاء لمجموعة من القيمين الذين بصموا حياتنا التلمذية بخصوصيات عجيبة … فالسيد محمد شطورو كنا نهابه لانه مختص في فرك الاذن باصابعه كلما حدث شغب ما من احدنا، وهو يرى انه العقاب الامثل للتلميذ عوضا عن الحجز يوم الاحد او التقارير التي قد تصل به الى الرفت … أيضا السيد زين العابدين الفراتي وهو قيم داخلي شدنا بنظرته التي كلها “تنوميس” وبهنسة …والقيم السيد بلقاسم كان يحلو لنا ان نصيح من اي مكان نوجد فيه باسمه وبلهجة بدوية: “بلقاااااااااااااااااسم” ! وبثلاث نقاط على القاف، باعتباره بدوي طيب لحد السذاجة …ومن سذاجته تلك لم يستطع يوما المسك بمن يعزف تلك الصيحة … دون نسيان القيم العام الداخلي المرحوم “عبداللطيف ولها” وكنا نطلق عليه ولا ادري لماذا لقب “بحبح” … كذلك القيم العام الخارجي المرحوم احمد بالاسود ويمتاز ايضا بطيبته رغم انه يريد ان يوهمنا بنظراته با نه صعب المراس …

هذه التوصيفة لمعهدالحي قد لا تجد صدى في نفوس قارئيّ الذين لم يدرسوا بالمعهد …الا انني ذكرتها بتفاصيلها المملة بالنسبة للبعض، لعمق تاثيرها على الجيل الذي عاصرني في الدراسة بهذا المعهد الذي يعد وقتها من افضل معاهد الجهة مع معهد الهادي شاكر (الليسيه) وستجدون تفاصيل مثيرة عن ذلك في ورقاتي القادمة ..ثم انا لا اشك في ان كل واحد منا له ذكريات تتشابه مع هذه الذكريات في المعهد الذي درس به …ماضيا وحاضرا … حتى وان اختلفت التفاصيل والاغصان، الا ان جذع تلك الفترة واحد …

يوم زرت معهد الحي بعد عودتي من فرنسا، سنة 1979… ويوم زرت المعهد بعد الثورة (الغورة)، احسست بسعادة نوستالجية لا توصف ولكن احسست بألم كبير …ألم نفذ الى عمق اعماقي …ياه كم احسست باليتم وانا لم اجد رائحة معهدي الحي … بحثت عنها حتى في مراحيضه الشرقية جغرافيا والتي اصبحت لا شرقية ولا غربية ….بحثت عنها في زواياه الغربية حيث كان يقيم سي احمد الزغل … في زواياه الشمالية حيث كان يقيم جماعة الترشيح فاذا بالاماكن لا ترشح شيئا … بحثت عنه في اعين التلاميذ فلم اجد تلاميذ كنت عندما تراهم تقول “هذوما هوما”، هذوما هوما، تلاميذ الحي … واليوم اصبحوا في جلهم نسخا كربونية من تلاميذ المعاهد الاخرى ….دجاج حاكم …. بلا هوية في جلهم …بلا عنوان …

ما اصعب ان تهوى يا ولدي اي شيء اي كائن بلا عنوان … كم هو مدمر ان ترى معهدك بلا عنوان …التلاميذ ما عادوا تلاميذ والحي ماعاد حيا …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار