وحانت ساعة الثانوي …. في زمننا كان عدد السنوات في التعليم الابتدائي ست سنوات ونفس هذا العدد كان بالنسبة للثانوي …ثلاث سنوات اولى ـ جذعا مشتركا ـ وبداية من السنة الرابعة تبدأ عملية التوجيه الى اربع شعب لا غير: آداب …علوم .. رياضيات … و ترشيح معلمين.
عبد الكريم قطاطة
هذا التقسيم لم نكن نعرف عنه شيئا في السنة الاولى من تعليمنا الثانوي … وكيف لنا ان ندرك ذلك ونحن في جلنا اطفال يافعون من مدينة صفاقس واحوازها القريبة منها والبعيدة، ومن عديد المدن الاخرى التي تفتقر لمعاهد ثانوية انذك .. العديد منا وانا اولهم لم يكتشف بعد ماهية المدينة … صفاقس المدينة كانت بالنسبة إلياكتشافا مذهلا سواء المدينة العتيقة او صفاقس خارج اسوارها .. وساعود لها بكل تفاصيلها في ورقة قادمة … دعوني اخصص هذه الورقة لمعهد الحي، 15 نوفمبر حاليا …
اول ما شد انتباهي في معهد الحي نوعية الاساتذة الذين يدرسون به شكلا ومضمونا ..اذ ان العديد منهم كان زيتونيا باتم معنى الكلمة، فلباسهم انحصر في الجبة والشاشية (كبوس او كبوس اسطمبولي) وهذا الاخير عشقته جدا نظرا إلى جماله الاخاذ الى درجة اني بحثت عنه عديد المرات وما زلت ابحث عنه ولكني لم اجد من نوعيته الا المقلد …وقيل لي انه يباع فقط في حانوت في المدينة العتيقة بتونس العاصمة ولأسفي الشديد لم اعثر عليه … ثم هؤلاء الاساتذة رحم الله جلهم، كانوا يطلقون عليهم لقب الشيخ ..الشيخان حبيب ومحمد التركي، الشيخان عامر ومحمد الجربي، الشيخ محمد قطاطة، ابن عم والدي، الشيخ يوسف المزغني، الشيخ الطاهر الحشيشة والتحق بهم في اواسط الستينات الشيخ احمد رويس …
كلهم دون استثناء هيبة ووهرة وكلهم ايضا دون استثناء يجهلون تماما اللغة الفرنسية …ولكل شيخ منهم بصمته المميزة وشخصيته المستقلة، فبعضهم كان آية في الطيبة الى درجة ان شياطين التلاميذ انذاك كانوا يذيقونهم اشد انواع الخبث (طبعا خبث الطفولة) فيسمعونهم الوانا من الصفات باللغة الفرنسية، ويعلو الضجيج والضحك وهم لا يفقهون اسباب ذلك …ورغم ما يحدث فان القليل منهم من يعاقب ابناءه التلاميذ لانه يعتبرهم ابناءه بحق فيغفر لهم زلاتهم …البعض الاخر كان من النوع الذي “يشمّها وهي طايرة” … المرحوم عامر الجربي مثلا، كان البعض منا يحاول ان يدس بعض الكلمات النابئة في سؤال ما او في اجابة ما (زعمة زعمة يغش فيه ويعديها عليه) … لكن اجاباته كانت من نوع رد الصاع صاعين وبكل ذكاء وردود مختارة ومنتقاة حتى لا ينزل الى مستوى الرداءة … وكنا “نشيخ” بردوده الضامرة وهو يبادلنا شيختنا بابتسامة كم هي معبرة ومن نوع “جيتو تتعلمو ا في الزلق في بيت الصابون”او “راني ولد … عليكم) !
نوعية ثالثة تحاول الرد على شغبنا باسلوب واقعي ينبثق من العصر المعيش …اتذكر جيدا الشيخ الطاهر الحشيشة رحمه الله … كان يكتب على السبورة محاور النص حتى نتدارسه وكان امامي الزميل عبدالعزيز الوكيل(امام الجمعة حاليا بجامع سيدي اللخمي) وكان الطقس حارا … نظرت الى رجلي عبدالعزيز فوجدت انه يرتدي “شلاكة” احدى فردتيها في رجله والاخرى اعتقها من سجن الرجل الاخرى …ادخلت رجلي بهدوء وجذبت تلك الفردة في غفلة منه وقذفتها تماما ككرة على مصطبة القسم …كنت اتصور اني ساكون بطلا مجهولا لعملتي تلك ..ولكن من سوء حظي ان لحظة قذف فردة الشلاكة على المصطبة تزامنت تماما مع لحظة استدارة الشيخ الطاهر الى التلاميذ (يعني جات الغمزة في عين القاضي) …
نظر الشيخ الى عبدالكريم مليا ووجهه محمر من كثرة غضبه وقال: “ايّا سجلت الهدف يا قطاطة .؟؟؟” ولا تسالوا عن ضجيج اترابي ضحكا ومرحا لا شماتة فيّ بل اعجابا بالشيخ الطاهر وهو يحكي كرة قدم ..ثم لا تسالوا عن جزعي مما سيقرره الشيخ من عقاب قد يصل الى حد الرفت من المدرسة …عقاب لا ادري كيف سيكون ؟؟؟… الا اني وطيلة مراحل تعليمي كنت افاجأ دوما بكل المربين في “حنّيتهم” وتسامحهم معي ..توعد سي الطاهر ومضى يكمل الدرس …وها انا لحد يوم الناس هذا انتظر العقاب … نعم انتظر العقاب …
نوع اخير من هؤلاء الاساتذة الزيتونيين هو الكاريزما في ابهى مظاهرها، ولعل الاستاذ المرحوم يوسف خماخم هو افضل من يمثلها ….. استاذ رهيب قصير القامة ممتلئ الجسم حاد النظرة ذو كفاءة عالية في التدريس وفي علاقته مع جميع التلاميذ دون استثناء (ما تسمعش عندو حس الذبانة) … نهابه بشكل عجيب رغم شقاوتنا مع الاخرين ..بل كان لا يتاخر لحظة واحدة اذا حاول البعض تجاوز الحدود سلوكا او تجاهلا لدروسه، ان يدعوه الى السبورة وان يناوله “شلبوق” (لا يقرا ولا يكتب) … بل احيانا وعلى قصر قامته “يتشعبط” للوصول الى وجه التلميذ الذي يفوقه طولا ليطبع على وجهه “داودي” لا يعرف سره الا سي يوسف رحمه الله …
بقية الاساتذة في معهد الحي كانوا جلهم من خريجي الجامعات المشرقية (سوريا والعراق) واكتشفنا فيما بعد انهم معارضون اشاوس لبورقيبة لانهم ايديولوجيّا هم اما قوميون او بعثيون وفئة قليلة منهم يوسفيون …لكن وفي اي زمان ومكان هنالك المنخرطون اما اقتناعا او انتهازا في الحزب الحر الدستوري (الحزب الحاكم انذاك) .. لكن الملفت جدا للنظر ان معهد الحي في تلك الحقبة به مدرّسة وحيدة، الانسة لاكوست … هي فرنسية عزباء وباحدى ساقيها عرج ومتوسطة الجمال رغم اناقتها ولكن كل رؤوس التلاميذ تتابع المرأة الوحيدة في المعهد بكثير من الاهتمام ….واهتمام واعجاب كل تلميذ له نوعيته حسب الاعمار وحسب ما يدور في خلد كل واحد منا من رغبات … والاكيد انه لا احد منا فكر في مشروع فلاحي او صناعي او تربوي مع الانسة لاكوست، خاصة وهي تدمر الاعين واشياء اخرى بالميني جوب التي لا ترتدي سواه وبكل سادية (واحنا صغيرين وما نعرفش الحاجات دي … ومظلومين يا بيه) …
ما يميز معهد الحي انذاك مديره الذي لا يشق له غبار السيد احمد الزغل اطال الله في عمره ومتعه بالصحة …دعوني اختصر لكم وصف هذه الشخصية الطاغية والمخيفة لحد الهوس، في المشهد التالي: سي احمد كنا لا نراه الا لحظة قدومه الى المعهد ينزل من سيارته السوداء ويتجه نحو مكتبه ..في تلك اللحظة هل تتصورون ماذا يحل بكل التلاميذ المتحلقين بالساحة قبل بدء الدروس ؟؟؟… عودوا بذاكرتكم اما للقرآن وهو يروي لنا قصة النبي موسى عندما يضرب يعصاه البحر فيشقه الى نصفين …او عودوا الى الفيلم الكبير الذي انتج في اواسط السبعينات “الوصايا العشر” بطولة يول برينير وهو يمثل دور فرعون، وشارلتون هيستون وهو يمثل دور موسى، لتعرفوا كيف كنا نتصرف لاشعوريا وسي احمد يتقدم بتؤدة و”السبسي” الذي كان يلازمه في فمه ورائحة تبغه الشهية (امستردام) هكذا كان يسمى تبغه الذي يحشوه في غليونه …رائحة تعبق بها ساحة الحي …
اقسم لكم اننا كنا ننقسم كالبحر الى نصفين حتى يشق سي احمد الساحة خوفا من ان “يكبّش” في احدنا … يااااااااااااه كم هو احد الفراعنة انذاك في جبروته …وكم اكتشفنا يوم قررت انا وزملائي زيارته في بيته بعد عشرات السنين كم اكتشفنا رجلا اخر تشعّ سعادته بنا من خلال دموع تترقرق في عينيه … تصوروا (وهذه اقولها لزملائي الذين عاصروني) ان سي احمد يرجوني بكل الحاح ان لا احرمه من كتاباتي الصحفية التي يعتبرها وساما له لاني وكما يقول، طلعت “ضنوة صالحة” كاغلب تلاميذ الحي انذاك الذين قلّ وندر ان تلقى في عرجونهم “صيشة” اي بلحة فاسدة …ما اريد ان اقوله اننا في جلنا ومهما كانت كاريزمتنا او بطشنا او الاعتداد بانفسنا، “اولنا صغار وعقابنا صغار” … ولاسفي الشديد والمؤلم انني يوم قررت تكريمه مع ثلة من زملائي (في الحي) ارتأت عائلته ان صحته لم تعد تسمح له بالتنقل الى صفاقس باعتبار سكناه في تونس، ورجتني ان اعتذر له بدعوى تاخير يوم التكريم لانه كان مشتاقا جدا للمجيء للحفل …
وها انا اتفهمه وبكل عمق وانا انزل ضيفا على اصدقائي واحبابي يوم تكريمي الاحد الماضي ….بعد سيناريو ممتع ومفاجأة مذهلة جعلتني “مزبهلا” الى حد لا يوصف خاصة وانا التقي عيونا كم كانت نافذة في وجداني لانها كانت الحب في اعمق واروع وامتع معانيه …
معهد الحي ايضا هو التقاء لمجموعة من القيمين الذين بصموا حياتنا التلمذية بخصوصيات عجيبة … فالسيد محمد شطورو كنا نهابه لانه مختص في فرك الاذن باصابعه كلما حدث شغب ما من احدنا، وهو يرى انه العقاب الامثل للتلميذ عوضا عن الحجز يوم الاحد او التقارير التي قد تصل به الى الرفت … أيضا السيد زين العابدين الفراتي وهو قيم داخلي شدنا بنظرته التي كلها “تنوميس” وبهنسة …والقيم السيد بلقاسم كان يحلو لنا ان نصيح من اي مكان نوجد فيه باسمه وبلهجة بدوية: “بلقاااااااااااااااااسم” ! وبثلاث نقاط على القاف، باعتباره بدوي طيب لحد السذاجة …ومن سذاجته تلك لم يستطع يوما المسك بمن يعزف تلك الصيحة … دون نسيان القيم العام الداخلي المرحوم “عبداللطيف ولها” وكنا نطلق عليه ولا ادري لماذا لقب “بحبح” … كذلك القيم العام الخارجي المرحوم احمد بالاسود ويمتاز ايضا بطيبته رغم انه يريد ان يوهمنا بنظراته با نه صعب المراس …
هذه التوصيفة لمعهدالحي قد لا تجد صدى في نفوس قارئيّ الذين لم يدرسوا بالمعهد …الا انني ذكرتها بتفاصيلها المملة بالنسبة للبعض، لعمق تاثيرها على الجيل الذي عاصرني في الدراسة بهذا المعهد الذي يعد وقتها من افضل معاهد الجهة مع معهد الهادي شاكر (الليسيه) وستجدون تفاصيل مثيرة عن ذلك في ورقاتي القادمة ..ثم انا لا اشك في ان كل واحد منا له ذكريات تتشابه مع هذه الذكريات في المعهد الذي درس به …ماضيا وحاضرا … حتى وان اختلفت التفاصيل والاغصان، الا ان جذع تلك الفترة واحد …
يوم زرت معهد الحي بعد عودتي من فرنسا، سنة 1979… ويوم زرت المعهد بعد الثورة (الغورة)، احسست بسعادة نوستالجية لا توصف ولكن احسست بألم كبير …ألم نفذ الى عمق اعماقي …ياه كم احسست باليتم وانا لم اجد رائحة معهدي الحي … بحثت عنها حتى في مراحيضه الشرقية جغرافيا والتي اصبحت لا شرقية ولا غربية ….بحثت عنها في زواياه الغربية حيث كان يقيم سي احمد الزغل … في زواياه الشمالية حيث كان يقيم جماعة الترشيح فاذا بالاماكن لا ترشح شيئا … بحثت عنه في اعين التلاميذ فلم اجد تلاميذ كنت عندما تراهم تقول “هذوما هوما”، هذوما هوما، تلاميذ الحي … واليوم اصبحوا في جلهم نسخا كربونية من تلاميذ المعاهد الاخرى ….دجاج حاكم …. بلا هوية في جلهم …بلا عنوان …
ما اصعب ان تهوى يا ولدي اي شيء اي كائن بلا عنوان … كم هو مدمر ان ترى معهدك بلا عنوان …التلاميذ ما عادوا تلاميذ والحي ماعاد حيا …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.