في حياة الواحد منا هنالك لحظات فارقة فيها القدر وفيها نحن والقدر … تلك اللحظة الفارقة لا نقدر فيها على وصف ما يعترينا ..هل عشتم مرة في حياتكم لحظة بداية الاغماء، بعيد الشر عليكم ؟ ..
عبد الكريم قطاطة
هي لحظة زمنية وما اكثر اغماءاتي ..يتزاوج فيها الوعي باللاوعي ..احسست فيها عديد المرات برهبة الموت وهي تتمازج مع ما تبقى من وعينا بما حولنا ..وحتى الاستفاقة من تلك الاغماءة هي عودة الروح الى الجسد (سلّة سلّة) كذلك هي الاقدار في كلّ ما نعيشه ..ومضة برق تُحيلك الى اشخاص لم تكن ابدا تفكّر في لقائهم يوما ما..لقاؤهم يعني انفتاح السماء على اشياء لم ترها من قبل ..ومضة برق تُحيلك على فراق البعض منهم وانت على يقين من انّ ذلك لن يحدث ابدا ..ومضة برق تعيد اليك توازنك الذي فقدته منذ قرون ..واخرى تثبّت قدميك على ارض ما كنت ابدا تنتظرها بمثل ذلك الثبات …حياة الواحد منّا كصفحات مجلّد لا يمكن اطلاقا للورقة رقم 2 فيه ان تطّلع عليها الا بعد ان تكون قد اتممت قراءة الورقة الاولى ..اي يستحيل على الواحد منّا ان يتطلّع الى غده الى المجهول .بيقين…والاغرب من ذلك ان المجهول اي الورقة الثانية قد تنسف ما قبلها ..وقد تثبت جمالها او قبحها …
وهنالك ايضا في حياتنا لحظات فارقة اخرى ..لحظات مفترق الطرق ..تصوروا انك تجد نفسك يوما في مفترق طرق وكلّها تؤدّي الى روما ..وكلّها شهيّة وتعجز تماما عن اختيار الاجمل فيها لأنها جميلة ..جميلة كفم طفل صغير وهو يضحك دون رياء ..جميلة ككمنجة رضا القلعي وهو يعزف على جرجيس وبناويتا ..جميلة كعاشق او كعاشقة وهو يحكي بصمته الجميل الممتع احلى الكلمات ..جميلة كثغاء الكبش يوم عيد الاضحى وهو يستجدي لا ادري امّا الرأفة به او لالحاقه باترابه ..جميلة كقطة بيضاء اللون وهي تشتم رائحة السمك وتربت على كتفيك بمواء خافت فيه الحنّية لتقول لك: اطعمني بورك فيك وفي غذائك ..جميلة كقطرة الندى تتارجح دون ان تسقط من ورقة غصن شجرة اللوز في صباح ربيعي ناعم ..
هل رأيتم معي كم هي عديدة لوحات الجمال الربّاني ؟؟ والتي قلّ وندر ان تكون لنا اعين تبصرها وتترشف جمالها؟؟… كانت لحظة زمنية فارقة وصديق عمري رضا يطرح ذلك السؤال المزلزل بعد خروجنا من الحوش: ايّا اش قررت ..؟؟؟… دعوني اقل لكم انه في تلك اللحظة وجدتُني في مفترق طريقين ..وفيهما من نقاط الاغراء الكثير… فالنجاح في الجزء الاول من الباكالوريا يعني الحصول على رتبة مدرّب اوّل…. والعودة الى الدراسة يعني الارتقاء بي الى درجة تعليمية متقدمة ..فماذا عساني ان اختار .؟؟ ثغاء الكبش او نظرة العاشق …؟؟ مواء القطة ام كمنجة رضا القلعي ..؟؟لعاب طفل ينساب على فمه عسلا وشهدا او قطرة الماء التي تتارجح على جبين ورقة شجرة اللوز وهي تهمس لا تسقطوني من فوق الغصن الاخضر ..؟؟كلّها شهيّة ..شهيّة جدّا كالجلوس على حافة البحر وانت تعشق اسراب السنونو ترقص على نغمات اندريه ريو معزوفة الدخول الى الجنة ..فاين ستكون جنّتي ..؟؟؟
ما وصفته لكم ليلتها وصديق عمري يطرح ذلك السؤال الزالزال (اش عملت) هو في زمنه كومضة برق …اللحظة الفارقة لم تتجاوز الثواني بمقياس الزمن العادي ولكن ولانها لحظة فارقة عمّرت في فكري وقلبي طويلا ..وجدت صديقي رضا يقول: اش قولك نكمّلو الباك مع بعضنا …؟؟؟ نعرف هو صعيب عليك خاصة وانك استانست بالفلوس ..اما احنا عمرنا ما قسمنا ..واللي في جيبي هو في جيبك… صديقي هذا بدات علاقتي معه منذ بداية التعليم الثانوي… هو يصغرني بسنة وابدا ان كنّا نفترق ..كنا دائما معا في كل شيء ..وكان العديد من اصدقائنا يحسدوننا على علاقتنا المتينة وكنت في عائلتهم واحدا منهم والعكس صحيح ..ولكنّ الاقدار مرّة اخرى قصمت ظهر علاقتنا ذات سنة ..ولبقية القصة حضور كبير في قادم الورقات …
عندما عبّر صديقي رضا عن رغبته الجامحة في ان نعيش معا سنة الباكالوريا …لم اترك لفكري او لقلبي او لايّ عامل آخر مهلة للتفكير في اخذ القرار … كانت اجابتي وبسرعة بليون كلم في الثانية: مشات معاك ..انا هكذا تعوّدت ان اخلص لمن احب ..انا تعلمت في الحب ان ابحث عن سعادة الآخر قبل البحث عن سعادتي ..انا في الحب اريد ان ارى في عيني من احب رقرقة الدمع وهو يريد معانقتي.. دموع الارتواء والانتشاء ..وفي تلك اللحظة لا اريد كلمات قد تفقد معاني الكلمات ..عندما قلت له “مشات معاك” كان سعيدا كطفل صغير ..وكنت الاسعد بسعادته ولسعادته … تصافحنا بحرارة وعدت الى الحوش ..واعلمتهم بقراري بالعودة الى طاولة الدراسة ..قراري فاجأهم وبكثير من المشاعر ..فبقدر ما كانت عيّادة تريد ان ترى طفلها ذات يوم طبيب او مهندس… وتلك كانت اعمق امنيات الامهات في ذلك الزمن ولعلّها مستمرّة لحدّ الان… وهو ما يفسر حرص العائلات في صفاقس على حثّ ابنائهم على “التمحريث” في الدراسة ..
اذن عودتي للدراسة ستكون بالنسبة لها تحقيقا لامنية غالية عندها علاوة على انّها ذات سنة عالجها طبيب وهي مقيمة في المستشفى بسبب ولادة عسيرة… وهذا الطبيب يُدعى “عبدالكريم” مما جعلها تُسقط صورته (لا ادري الوظيفية او الجمالية) على طفلها … اليس الله جميلا يحب الجمال فكيف عباده وعيادة لا يعشقون ..؟؟؟ اما الوالد فكان صامتا …ربّما لأن عودة ولده للدراسة تعني مصاريف اخرى وهو الذي تخلّص نسبيا منها في سنة التدريس بالسبّالة …بالنسبة له ..هذي تكوي وهذي تشوي ..هكذا فهمت صمته رغم انه لم يعبّر بتاتا عن رفضه لقراري واكتفى بالقول ( اللي تشوفو صالح اعملو) … طلبت منه ان يذهب الى السبالة للعودة بكل ما تركته هناك من ادباش وبسريري الحديدي الضيّق …وكم هنالك من اسرّة واسعة وهي في الواقع اضيق من اضيق مضيق
وكان ذلك ..وانتقل سي محمد رحمه الله الى السبالة واعلمهم بانقطاعي عن التدريس ..ولم اعد منذ نهاية 1969 الا في اواسط الثمانينات عندما قررت الرجوع الى كل الاماكن التي عشتها في طفولتي وفي شبابي، لاقدّم لها ولساكنيها ولمن عرفت فيهم آيات الشكر والعرفان ..لأني لولاهم لما كنت ما انا عليه اليوم . دعوني احك لكم عن آخر واقعة لي مع الاماكن …يوم امس كانت لي زيارة خاطفة الى مدرسة واد القراوة طريق تونس التي نلت فيها شهادة السيزيام …هي ليست الاولى ولكن امر على الديار ديار ليلى اقبّل ذا الجدار وذا الجدار، وما حل الديار سكنّ قلبي .. وهذه المرة فعلا حب الديار ..احسست وانا ادخل باب المدرسة الخارجي بنظرات موسيو دوميناتي معلّمي في الفرنسية تلاحقني واحسست بيد معلّمي في العربية سيّدي علي الشعري رحمه الله تربت على كتفي ..وتطبطب عليّ وتحضنني ..وآه من نعمة الاحتضان والطبطبة …
ولم استفق الا على صوت مديرها يقول بلهجة المدير (اتفضل حاجتك بحاجة ..؟؟) اجبته بكثير من التنوميس: لا، حاجتي ببرشة حاجات ..ولان رجل التعليم عادة وفي جل مستوياته لا يميل الى الفذلكة بل ان العديد مهم يتصوّر ان الفذلكة “تطّيح قدر”، فقد اجابني بجدّية: اشكون سيادتك ..؟؟ فاجبته بشيء من الاستعباط: خلّي بطاقة الهوية تعرفها في نهاية الفيلم .. حدّق فيّ مليّا ثم احتدّت جدّيته وقال: لا ..من فضلك ما انجمش نحكي معاك قبل ما نعرفك اشكون انت … وقتها ادركت انّو زايد ..رغم انّي اتفهّم وضعه كمدير ..اي كمسؤول عن مؤسسة في زمن اصبح فيه الزائر يُخيف ..من يدري قد اكون صهر ابي بكر البغدادي او حلاّق ابن لادن او طباخ الظواهري ….لا يمكن ان اكون فقط احد حراسهم الشخصيين (جسديا)… و بالمناسبة ابقى دائما مندهشا من البنية الجسدية لهؤلاء ..هل توحّمت امهاتهم على ابقار وحشية ..؟؟ هل تصدّقون اذا قلت لكم اني عندما ارى جثّة الواحد منهم اقف امام المرآة لاعشق عبدالكريم هذا الذي لا يزن فخذا منهم… فقط احس بأني انتمي لدنيا البشر في هذا الزمن لا لقوم عاد ..في عهود غابرة …
قدّمت لمدير المدرسة اوراق اعتمادي فكان العناق والترحيب والف اهلا ومليون سهلا …وتساءل عن سبب زيارتي تلك ..فقلت له هل تسمح بزيارة قسم وحيد من المدرسة ..وكان لي ذلك بكل ترحاب ..وقصدنا معا وانا دليله هذه المرة الى اقرب قسم لباب المدرسة..وقفت امامه بحنين لا يوصف وقلت له: شفت هذيكة البقعة، طاولة التلاميذ الاولى المقابلة لطاولة المعلّم؟ … ودون ان اتركههيجيب قلت له تلك طاولتي التي جلست عليها وانا تلميذ في السنتين الخامسة والسادسة ابتدائي …بل تلك هي حجر الاساس في تكويني ..تلك هي الشجرة التي اثمرتني وتلك هي الينبوع التي ارتويت منه وتلك هي سبب من اسباب سعادتي ..تهلّل وجه المدير فرحا وقدم المعلّمون عندما شاهدوني احكي بلساني وبيديّ على الطريقة الايطالية وانا ارقص مثلهم بكل جوارحي وبغبطة لا توصف …
اقبل الجميع ربّما مؤازرة لمديرهم ..ظنا منهم اني ربّما اكون وليا (كجدّ طبعا لا كأب) جاء ليعبّر عن غضبه في زمن اصبح فيه جل الأولياء يذهبون للمدارس والمعاهد وكل واحد عنتر على حالو … وعندما قدّم المدير هويّتي لهم قفز احدهم وقال .._يا سي عبدالكريم امّي قرات معاك هنا فرد قسم “انت ويّاها”… واضاف هل تعرف بنت الزيّاني ..؟؟ تلك امي ..وقفزت اكثر منه وقلت له ..طببببببببببببببببببببعا ..بجاه ربي سلملي عليها وبوسهالي .باااااااااارشا ….هل اقتنعتم اني لا يمكن ان انتمي لا للظواهري ولا للبغدادي ولا لابن لادن ..لان هؤلاء ابدا ان يتجرؤوا على القول (بوسهالي) رغم انهم في داخلهم لن يفلّتوا لا بوسة ولا ما اعمق منها ..
لا علينا ..نظر اليّ احدهم وقال لى..سي عبدالكريم نريد منك كلمة في السّجل الذهبي للمدرسة ..اننا نفتخر بك جدا وانت احد تلاميذها .. اعتذرت سريعا لسببين احدهما اعلنته وهو اني على موعد هام على الساعة 12 ..وثانيهما اني لا ارى نفسي يوما اكتب في السجل الذهبي لمدرستي الابتدائية او ايّ موقع اخر نهلت منه.العلم … كيف لقطرة من بحر تكتب في السجل الذهبي لبحرها ..؟؟ كيف لغصن نحيف مهما علا شأنه علميا ان يكتب على جذع الشجرة الشامخة زيتونة كانت ام نخلة ام صنوبرة .. ؟؟ كيف لـ”صغنّن” مثلي كان وسيبقى، ان يكتب في سجل ذهبي لهامة كبرى وقامة عظيمة والتي هي من انشأته وربّته وصنعته ؟؟…سجلّها الذهبي عندي هي ارضها التي اجثو فيها على ركبتيّ وابوسها ..سبّورتها التي الثمها ..طباشيرها الذي لو كنت امرأة لوضعته احمر شفاه على شفتيّ ..محبرتها العتيقة التي اكحّل بها عينيّ …هكذا انا ارى تكريم الاماكن ..وهكذا انا مفهومي للعشق وللجمال وللوفاء ..
بدأت سنة الباكالوريا وعدت الى معهدي الغالي على قلبي (الحي)… كانت سنة اخرى مفصلية في حياتي ..مفصلية بكل المقاييس.. مفصلية بكل الاحداث التي اتوقّعها والتي لم اتوقعّها بتاتا ..الم اقل لكم انه يستحيل على الواحد منّا في قراءة مجلد ان يبدا بالورقة الثانية ..مجلّد حياتنا تبقى فيه ورقة الغد في عداد المجهول مهما كانت استعداداتنا ومهما كانت توقعاتنا ..فانا لم اصدّق يوما عرّافا ونحن في اسبوع العرّافين ولم اصدّق يوما نشرة جوّية رغم ايماني العميق بالعلم .. مرة اخرى انها الاقدار بحلوها وبمرّها ..رغم ان الحلو منها ما زال يستعبط ويتدلّل ..والمليح يبطى ..وساواصل دلالي عليكم ان ابطأت في الورقة 32 وربّما في الورقة 33 . وكل عام ونحن نتدلل على بعضنا البعض ..كتهنئة مني لكم بمناسبة حلول 2017 ..رجائي ان يكون عام الطبطبة والحب والخير ..
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟