وها انا بصفاقس في اكتوبر 79 …. كمّ الفرح الجماعي في عائلتي في حومتي لدى خطيبتي وعائلتها وخاصة امّها التي لم تكن تنتظر قدرا ابنتها الوحيدة تتزوّج يوما وتبتعد عنها لتستقرّ بعيدا عن صفاقس …
كانت تفضّل في قرارة نفسها ان يفوز بوحيدتها ابن اخيها الذي كان، واعتقد انّه مازال، يحبّها بشكل مهووس .. الله غالب، ليس كلّ من يحب ينال ما ومن يحبّ ورُبّ ضارة نافعة… لأن هذا الحرمان هو الذي اعطى وجعا جميلا للقلم عبر تاريخ القصة والرواية التي كُتبت والتي لم تُكتب في العشق والحب …فماذا عن معظم المبدعين في القصة والرواية والمسرحية والشعر والموسيقى لولا وجع العشق المجنون ؟؟؟؟ (توة عاد ولّى الممنوع والاسود ونستناو السيكلاما والفاروزي زادة) …هل كنّا نستمتع يوما وابن بني عبس يهيم حول ديار عبلة وينشد (يا دار عبلة بالجواء تكلمي)؟… ماذا عن شمشون ودليلة ..؟؟ ماذا عن ابي فراس واراك عصيّ الدمع ..ماذا عن احمد رامي و(ياما حليتلك اهاتي انت والايام عليّ) …ماذا عن (حتى في احضان الحبايب شوك يا قلبي)؟ …
وبجاه ربّي ما تقولوليش انت موش مريڨل وانا موش مريڨلة … ماذا عن القباني وهو يغمس ريشة قلبه في اوجاع الحب… ماذا عن بنت المستغانمي في ذاكرتها او فوضاها او في الاسود الذي لم يلق ببطلتها رغم انّ مجرّد عبارة (الاسود يليق بك) اوقعتها في شراك العشق الموجع …ماذا عن عاشقي التيتانيك لولا تلك النهاية الفاجعة… ماذا عن “ذهب مع الريح” (ذلك الفيلم الاسطوري الرهيب) لولا انّ الحبّ فيه ذهب مع الريح ..ماذا عن ميشال بيكولي ورومي شنايدر في فيلم (آخر اشياء في الحياة) والذي ينتهي بحادث مُميت لحظات قبل انتصار الحبّ … لكأن الحب في جُلّه يُولد توأما مع الالم .. بل ولكأن الحب في جلّه لا طعم له دون ألم … وهو ما اُُطلق عليه كثيرا توصيفة ثنائية العذوبة والعذاب …
في اليوم الاوّل الذي ولجت فيه باب الاذاعة وانا احمل معي مشروع اوّل نواة تلفزية للانتاج، كنت لا اعرف عميقا الا مجموعة اقلّ عددا من اصابع اليد الواحدة …المدير انذاك المرحوم قاسم المسدّي والزميل الهادي المزغنّي (ومعرفتي بهما من خلال فترة عملي بالمؤسسة الام حيث كان يشتغلان هما ايضا بالمركزية ثم انتقلا لاذاعة صفاقس) ..وايضا مختار اللواتي الذي كان زميل دراستي الثانوية بالحيّ (معهد 15 نوفمبر حاليا)… البقية اعرف منهم سماعا اذاعيا لا غير وحتى السماع كان عرضيا ايضا … المرجوم قاسم المسدّي كان سعيدا بدخولي لاذاعة صفاقس وهذا طبيعي جدا ..ليس فقط لان كلينا يعرف الآخر جيدا… بل لأن ولادة مشروع النواة التفزية في عهده كمسؤول اوّل عن اذاعة صفاقس سينضاف لتاريخه المهني … وللامانة ..الجلسة معه لم تطل كثيرا فقد خصًني بثقة عمياء وقال لي بالحرف الواحد: اعرفك قادرا على تحقيق كل ما نصبو اليه معا ..اخدم على روحك ومن جهتي ساوفّر لك كلّ الامكانيات …
ولو تدرون ماهي الامكانيات المُتحدّث عنها ..كاميرا فيلم من تونس جلبها معه واحد من افضل المصورين التلفزيين في المؤسسة وهو ابن حومتي وابن دفعتي واطيب خلق الله (الهادي ملّاك) و”ناغرا” آلة تسجيل الصوت كُلّف بها واحد من امهر تقنيي الصوت في صفاقس الزميل الهادي العكروت .. وطاولة مونتاج فيلم وهي طاولتي التي عملت عليها دائما في قسم المونتاج ..طبعا وسيارة ادارية متى احتجنا للتصوير ..وفقط … شفتو الامكانيات الهائلة …؟؟؟… كنت واعيا جدا بضحالة تلك الامكانيات ولكن اصراري على نحت العمل باظافري كان ايضا كبيرا …
ارتايت في اوّل حلقة من الانتاج بعد ان وقع الاتفاق على ان تكون شهرية (وهذا يعني عمل يومي لا يقل عن 12 ساعة حتىّ نفي بوعدنا الشهري) ..ارتأيت ان اجلس لبعض المثقفين المنتمين لاذاعة صفاقس لاستقراء اوّلي لافكارهم والتي يجب ان تخرج من التصوّر السمعي البحت الى السمعي بصري …واخترت من ضمنهم الزميل محمد الحبيب السلامي ليُعدّ لي تصوّرا نقديا لسلوكياتنا وهو المعروف بذلك الاسلوب …ثم تحادثت مع الزميل عبد الله الوافي حتى يُعدّ لي عملا تمثيليا قصيرا بالاشتراك مع الزميل منصف الوكيل ..في الجانب الغنائي ارتايت ان اصور اغنية من اغاني اذاعة صفاقس تحمل عنوان (يا نسمة جاري) وهي تعدد مزايا الجار .. لكن من جانبي اردتها سخرية سوداء حول سلوكيات بعضنا البعض في الجيرة …
في الحلقة الاولى من انتاج النواة كذلك لم احصر الانتاج في مدينة صفاقس… كنت افكّر في برمجة موضوع واحد على الاقلّ من احدى ولايات الجنوب …لذلك وقع اختياري على الطريقة التقليدية في عصر الزيتون بمطماطة حيث الحمار يدور ليلا نهارا يجرّ (الرحى وسط المدار)… ولمن لا يعرف الرحى هي عجلة حجرية تزن اطنانا… ولمن لا يعرف المدار هو حوض يوضع فيه الزيتون وتنهال عليه الرحى وهي تدور وقائد رحلتها حمارنا المسكين المُعذّب باشغال شاقة لمدة ساعات، وهو يدور حول الحوض في علاقة غرامية مدمّرة مع الرحى …. قمت باعداد المخطط التقني لتصوير هذه المواد حسب دليل برنامج واضح ودقيق المعالم من حيث الشكل والمحتوى، وكانت رحلة مطماطة آخر محطة في دليل العمل ذلك الاسبوع ..
قبل السفر بيوم جاءني احدهم بكل لطف الدنيا ورجاني ان يكون في الرحلة رغم انه لا ينتمي لفريق التصوير او الاعداد …اجبته دون ايّ تردّد وهل مثلك من يُردّ له طلب …دعوني اعود في فلاش باك اسبوعين الى الوراء منذ انتمائي لاذاعة صفاقس رسميا بمشروع نواة الانتاج التفزي … ثاني مكتب دخلت له في اوّل يوم لوجودي بصفاقس بعد مكتب المدير، كان مكتب الزميل الهادي المزغني … علاوة على انه زميل لي في مؤسسة التلفزة كمنتج ومنسق برامج، فقد كان اوّل من شجّعني … وقتها كنت قمت بمونتاج فيلم قصير حول حديقة الحيوانات بالبلفيدير على طريقتي ..دعوته للمشاهدة فاعجبه وبرمجه في برنامجه الاسبوعي التلفزي (من هنا وهناك)… اذن واعترافا بالجميل في زمن كنّا نعترف فيه بالجميل، كان ثاني مكتب ادخله هو مكتبه ..فتحت الباب وفوجيء بي اُطلّ عليه من نصف فتحته ..اهلا اش تعمل هوني يا طفل ..؟؟؟ ضحكت وسلّمت عليه ثم سلّمت على سيّدة كانت جالسة في مكتبه قائلا: اهلا ابتسام ..؟؟ وبابتسامتها المعهودة الملفوفة بشيء من التعجّب والسعادة ..قالت مرحبا ..تعرفني ..؟؟ اجبت اعرفك منذ كنت تلميذة تكتبين القصص والشعر وتقرئينها علينا نحن عشّاقك كتلاميذ مراهقين نتلهّف لا فقط اسماعك بل لرؤيتك …
ازاددت تعجبا وايضا سعادة وهي تسمع كلمة وقحة من نوع (عشّاقك)… ابتسام في آخر مراحل دراستنا الثانوية كانت شعلة من النشاط والحيوية وكنا اذا تناهى الى مسامعنا انه سيكون لها نشاط بالاتحاد الثقافي بصفاقس (مندوبية الثقافة الان) نتسارع صدقا للحضور ..كيف لا وفتاة من معهد الفتيات بباب البحر هي نوارة تلك العشوية …وهي فعلا انذاك كانت محط انظار المعجبين من تلاميذ الاقسام النهائية كلّ يطمع في ابتسامة من ابتسام ..بل ويلهث من اجل ذلك ..انا صدقا لم اتجرّأ يوما على ان اكون من ذلك الفيلق فحتّى ثيابي التي على قدّها (اشي ترقيع واشي تكميش واشي ازرق على اسود) لم تكن لتضعني في مرتبة القافزين والطامعين … يومها كان اوّل حوار مع زميلتي ابتسام المكوّر انذاك … و”الغطاسي” ايام التعليم الثانوي…
ولأن ذاكرتي البصرية على درجة قصوى من الحدّة تذكرتها وهي بمكتب الزميل الهادي المزغني ودون عناء ..وكان ردّ فعلها ايجابيا للغاية بعد ان قدّمني لها الزميل المزغنّي الى درجة انّها عرضت عليّ استضافتي في برنامجها (العاب وانغام مع ابتسام) في حلقته المقبلة …حذّرها سي الهادي بقوله اخطاك راهو “وحيّد” … فكان ان ردّت عليه: وانا اخترتو على خاطرو يظهر وحيّد … ابتسام و لي معها الف حكاية وحكاية في الاوراق القادمة كانت اوّل زميلة عرفتها وافضلهنّ …
قبل الخروج من مكتب سي الهادي سالته عن قريبة مازالت في خطواتها الاولى بالاذاعة… انّها زكيّة بن عياد وهي زوجة ابن خالي والذي بدوره يشتغل تقنيّ صوت ومنذ اليوم الاول من افتتاح الاذاعة قادما من الاذاعة الامّ … زكية وهذا يعرفه الجميع احبّها عشرات المرات اكثر من ابن خالي رحمه الله… هي الطيبة… دماثة الاخلاق… الروح المرحة… وخاصة بنت باب الله… ماذا تريدون عنها اكثر من هذا ؟؟… سالت عن مكتبها فعرفت انها تعمل بمكتب المنتجة الزميلة السيدة القايد… طرقت الباب فجاءني صوتها: (تفضّل) ..فتحت الباب فاذا بها كعادتها …ضحكة السعادة والفرح الغامر من اعماق الحُشاشة …ولكنّها فوجئت ببرودتي وانا انظر الى ذلك الكائن البشري المنغمس في كراسته والتائه في ملكوت الله… ولأنها زكيّة، انهالت عليّ كعادتها وباسلوبها الذي لا زيف فيه متوعدة ثائرة: “تي اشبيك يا عزاء متلّه يعطيك بلحاط (هذه دعوتها التي اصبحنا نتبادلها كلما غبنا عن بعضنا البعض، من جانبي او من جانبها) ..يعطيك بلحاط قداش توحشتك” …ولأنها تضرب في الاعماق بجمالها الفريد وبعمق صدقها لم ابحث يوما عن معنى (بلحاط) … قبلت بها كما هي لأن هناك تفسيرات لبعض الكلمات او التعابير تفسد رونقها …
افقت بعجالة من غيبوبتي وقلت لها هامسا: يا سخطة تي هذا موش ..؟؟؟ لم اكمل تساؤلي حتى قالت: ايه هاكة هو ..؟؟ نظرت اليه… النافع ربّي، ما عبرنيش اصلا، ما فاقش بيّ اللي انا دخلت… مددت له يدي وسلّمت عليه (عالسلامة سي محمد)… ردّ عليّ السلام بنغمة جدّ حنونة: يسلمّك ولدي… وعاد الى عالمه (كراسة وستيلو بيك)… ارادت زكية استدراجه للكلام فقالت له: تي هاكة ولد عمّة عبدالقادر (تعني زوجها)… لم يرفع راسه ولكنه همهم بصوت مسموع: نتشرفو، اما موش بهاكة الراجل المهباط اللي عندك… اقتربت منه وقالت: يا سي محمد الشيء بعيد على بعضو… هاذا قماش آخر وهابط من فرانسا… ولم تُكمل جملتها حتى نهض سي محمد من كرسيه ومدّ يده بحرارة لي وقال: مادام جاي من فرانسا الشيء يولّي شيء آخر …ايّا ايجا نشرّبك قهوة …كنت في قمّة السعادة ..رجل اسمع عنه الكثير، اقرأ عنه القليل في تونس (كيف العادة يحبّونا برشة) ولكن الاهمّ انّي احسّ به وبجماله…
انه الجمّوسي وما ادراك…
خلتني يومها طائرا يحلّق وهو في طريقه الى مقهى الاذاعة باب البحر انذاك، مع علم من اعلام تونس شعرا فنا ادبا وانسانا … كانت قهوة واحدة لتجعل منّا متلازمين كلّما سمحت لي اوقاتي المهنية بذلك… كنّا نشترك في حبّنا المهبول لفرنسا… وفرنسا ان لم تعلّمك اشياء تعلّمك فن الحبّ المهبول وماهي بعض التربّصات القليلة في ذلك الميدان حتى تصبح لديك قناعة بان العشق مهبول او لا يكون… تصوروا بالله معي: يأتي الواحد منّا ليُعبّر عن عشقه لشخص ما، لقصيدة ما، لشاعر ما، لاغنية ما، ويقول بكل برودة اعصاب: باهية يعطيه الصحّة مولاها …توة هذا عشق ..؟؟ انا اجزم انّ التعبير عن عشقك لأي شيء لأي شخص لأي شاعر لأي موسيقي ..لأي ..لأي ..لأي …عليه ان يكون من نوع (يلعن جد والدين بوك العاشر محلاك) وهذه في قاموسي لا تدخل ضمن خانة السبّ ولا تحت طائلة القانون ..وحتى ان دخلت يوما تحت طائلة القانون وحكم عليّ القاضي بالجزاء الذي يراه مناسبا لقوانيننا المعلّبة فاني ساقول له شكرا سيدي القاضي لانك اثبتّ ان الحمار يستحيل ان يلد انسانا ولكن بمقدور الانسان ان يلد حمارا مثلك ..
براف …تتذكّرون ذلك السيّد الذي رجاني بكل لطف ان يرافقني الى مطماطة في رحلتي المهنية لتصوير اسلوب عصر الزيتون التقليدي …؟؟؟ انه هو ..الفنان الانسان محمد الجموسي … وكان لنا ذلك، بعد اعلام المدير طبعا …كانت رحلة لا تُنسى لاّنه يومها اكتشفت جانبا آخر لا اعرفه في الجموسي: النكت “الخضراء” كما يقال عنها اي تلك التي (زايدة حبتين) وليتها كانت ثلاث في الجرأة وفي المسكوت عنه…ت صوّروا فقط ان سائق السيارة الاذاعية زميلي حبيب بيوض اطال الله عمره اوقف السيارة بجانب الطريق لانه اصبح عاجزا عن السياقة من فرط الضحك… صدقا والله هذا ما حدث…
اتممت عمليات التصوير… ارسلت الاشرطة الى المخبر المركزي بتونس العاصمة… قمت بعملية المونتاج وبمعدل 10 ساعات يوميا وشددت الرحال لتونس العاصمة لعملية الميكساج، ثم لعرض العمل على المسؤولين عن المتابعة… كان الموقف الجماعي يمكن تلخيصه في: برافو عبدالكريم …عدت الى صفاقس وانتظرنا ساعة بثّه في اليوم المقرّر لذلك… واسمع يللي ما تسمعش… البعض ينتظر بشوق وتوق ..آخرون وهم موجودون في كل زمان وكان: ايا توة نشوفو هاللي يقولولو سي عبدالكريم اش ماشي يعمل …وصنف حاقد خُلق ليكون حاقدا وبشكل مجاني…
اقول هذا لانّ الحكاية (حكاية وجودي الفعلي في اذاعة صفاقس من طقطق لسلامو عليكو) اخذت زمنيا شهرا واحدا فقط… وحتى اختلاطي بزملائي لم يكن كافيا بتاتا حتى لنتعرّف على بعضنا البعض كما ينبغي …فقط مع تقدّم العمر وبعد العديد من الهزّات، ايقنت انّ جينات قابيل ستوجد في البشر حتّى البعث … …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟