تابعنا على

ضوْءُ نار

أدب التسوّل

1ـ عند الجاحظ

نشرت

في

ظاهرة الاستجداء علمونا من الصغر أنها فعل شائن و أفهمونا في الكبر أن القانون يعاقب عليها … و كم رأينا في الشوارع من حملات تقوم بها الشرطة و البلديات لزجر المتسولين من أي مكان، خاصة في المواقع التي يمر بها السياح و الأجانب عامة … و لكن للزمن تقلبات عجيبة، فها أن الحكومات التي كانت تمنع التسول، هي نفسها التي صارت تمارسه باسم بلادنا، و تجعل منا في نظر الدول الأخرى شعبا من الشحاذين …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

و بما أن الأمر أصبح موضة رسمية و الناس على دين ملوكهم كما قال ابن خلدون … بما أن هذا كهذا، لا بأس من العودة إلى أصول المهنة و بعض من سوابقها … و لها كما سنرى، سوابق و تاريخ و صفحات عدة في مدونة الأدب … و كتبت عنها طائفة ضخمة من الكتّاب عندنا و في العالم، من تحليل و تعداد و تصنيف و أمثلة، فضلا عما استقاه الفن الروائي من شخوص و أحداث قادمة من عمق هذه الظاهرة … و عربيا، تعرض كثيرون للتسوّل و المتسولين … و لكننا اخترنا منهم خاصة علَمين لمعا في توصيف ما نسميه الآن بمجتمع قاع المدينة، و منه فئة المتسولين أو أهل الكدية كما كانوا يلقبونهم في ذلك الزمان … العلَمان هما الجاحظ و الهمذاني، فلنبدأ بالجاحظ …

في كتابه “البخلاء” و تحديدا عند فصل عنوانه حديث خالد بن يزيد، ينقل الجاحظ نص وصية تركها أحد أصدقائه البخيلين لابنه (الأبخل منه !) و ينبهه إلى أنواع الساعين إلى النيل من ماله بشتى الطرق و الحيل … و يعلمه و يعلم كافة الناس أنه هو نفسه ـ أي خالد بن يزيد ـ لم يجمع ثروته إلا بعد المرور بهذه التجارب و ممارستها، و أنه صار كما تقول أنت ملقحا ضدها … و يعدد بن يزيد أصناف المتسولين، و منهم المخطرانيّ، و الكاغانيّ، و البانوان، و القَرَسيّ، و المشعّب، و الفلّور، و العوّاء، و الإسطيل، و المزيديّ، و المستعرض، و المعدّس إلخ …

فالمخطرانيّ ـ حسب الجاحظ ـ هو الذي يأتيك في زي ناسك، و يريك أنه كان يشتغل مؤذنا و لكن ملكا مستبدا قطع لسانه، ثم يفتح فاه كأنه يتثاءب، فلا ترى له لسانا البتة. و لسانه في الحقيقة كلسان الثور، , و أنا (أي الجاحظ) أحد من خُدع بذلك. و لا بدّ للمخطرانيّ أن يكون معه واحد يعبّر عنه، أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه و قصته.

و الكاغانيّ، هو الذي يتجنّن و يتصارع و يُزبد، حتى لا يُشكّ أنه مجنون لا دواء له، لشدة ما يُنزل بنفسه، و حتى يُتعجّب من بقاء مثله على مثل علّته.

و البانوان، هو الذي يقف على الباب و يسلّ الغلق، و يقول: “بانوا”، و تفسير ذلك بالعربية: يا مولاي.

و القرَسيّ: الذي يعصب ساقه و ذراعه عصَبًا شديدا، و يبيت على ذلك ليلة. فإذا تورّم اختنق الدم، مسَحه بشيء من صابون أو دواء للجلد، و قطر عليه شيئا من سمن، و أطبق عليه خرقة، و كشف بعضه. فلا يشكّ من رآه بأن به الإكلة (الجرب)، أو بلية تشبه الإكلة.

و المشعّب: الذي يحتال للصبيّ حين يولد، بأن يُعميه أو يجعله أعسم (معوجّ الأطراف) أو أعضد (مصابا في العضد)، ليسأل الناس به أهله. و يقوم أبوه و أمّه حتى بكرائه لمتسولين آخرين.

و الفلّوْر: من يحدث نفس العاهات و لكن بأعضائه التناسلية … نعم !

و العوّاء: الذي يسأل بين المغرب و العشاء، و ربما طرّب(أي غنّى) إن اكان له صوت حسن و حلق شجيّ.

و الإسطيل: هو المتعامي، و إن شاء أراك أنه منخسف العينين، فإن شاء أراك أن بهما ماء، و إن شاء أراك أنه لا يبصر

و المزيديّ: الذي يدور و معه دريهمات، و يقول: هذه دراهم قد جُمعت لي في ثمن قطيفة، فزيدوني فيها رحمكم الله، و ربما حمل معه صبيا على أنه لقيط، و ربما طلب في الكفن.

و المستعرض: الذي يعارضك و هو في هيئة و في ثياب صالحة، و كأنّه قد هاب من الحياء، و يخاف أن يراه معرفة، ثم يعترضك اعتراضا، و يكلمك خفيّا.

و المعدّس: الذي يقف على الميت يسأل في كفنه، و يقف في طريق مكة على الحمار الميت، و البعير الميت، فيدّعي أنه كان له، و يزعم أنه قد أحصِر (أي أعاقه موت الدابة عن مواصلة الحجّ). و قد تعلّم لغة الخراسانية و اليمانية و الإفريقية، و تعرّف تلك المدن و السكك و الرجال. و هو متى شاء كان إفريقيّا، و متى شاء كان من أهل فرغانة، و متى شاء كان من أيّ مخاليف اليَمن …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ضوْءُ نار

محطة برشلونة… حملة لاستقصاء السكري وضغط الدم

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

ببهو محطة الأرتال الكبرى بساحة برشلونة، تنظم الإدارة الجهوية للصحة العمومية بتونس، أياما صحية مجانية للاستقصاء عن أمراض السكري و ضغط الدم،

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari

وتعد هذه المبادرة متميزة ليس عبر عملية الاستقصاء في حد ذاتها بل لأنها تمثل دفعا توعويا للمواطنين بمختلف شرائحهم وأعمارهم بالجانب الوقائي خاصة لدى كبار السن المعرضين أكثر من غيرهم لبعض الأمراض، في ظل ديمغرافيا تتميز بنوع من التهرم السكاني لعدة عوامل منها ارتفاع مستوى العيش وتطور الاهتمام بالجانب الوقائي والعلاجي رغم بعض ثغرات القطاع الصحي العام والاكتظاظ اوالضغط على العيادات الخارجية خاصة.

ورغم ان نسبة المراكز الصحية المنتشرة بكامل البلاد تستوعب جزء محترما من المرضى طبقا لامكانيات العلاج فيها، فإننا نلاحظ لحدود اليوم ازدحاما كبيرا وتمديدا في آجال العرض على طبيب مختص بالقطاع العام خاصة في المستشفيات الكبرى بالعاصمة وسوسة وصفاقس.

و ترجع أهم الأسباب إلى عجز هذه المؤسسات رغم جهودها وجهود إطاراتها الطبية وشبه الطبية وحتى الإدارية، إلى توجيه أعداد كثيفة من مرضى الولايات الداخلية نحو هذه المستشفيات. وحسب نظرنا نرى أن الوقت قد حان لتجاوز هذه المعضلة وهذا العبء الذي تتحمله مستشفيات العاصمة والمدن الكبرى المذكورة عبر جملة من المقترحات أو الإجراءات التي قد تكلف الوزارة ضغوطا مالية إضافية لكنها في المقابل ستنهض بجودة العلاج و راحة المرضى، ويمكن تلخيصها كالتاليك

أولا، إيلاء أهمية قصوى لكبار السن وتقليص معاناتهم وساعات الانتظار والعودة او السفر أيضا عبر أحداث قسم كبير في كل مستشفى لمرضى الشيخوخة( Gériatrie) الذين يمثلون نسبة لاباس بها من جملة القادمين للعيادات الخارجية أو الإقامة بالمستشفيات.

ثانيا، مزيد تأهيل المستشفيات الجهوية والمحلية وتحسين أوضاعها على مستوى التجهيزات العصرية وأطباء الاختصاص لامتصاص اكبر قدر ممكن من الملتحقين بالعاصمة والمدن الكبرى للمستشفيات غاصة إلى درجة حتى لا وجود لأسرة لبعض المرضى او ازدحام مفزع على مكاتب التسجيل و عيادات الأطباء بما يعرفه الجميع من عناء وثقل على الإطارات الصحية او المرضى و موافقتهم.

ثالثا، مزيد تعصير الخدمات الصحية وربما يمكن تقديم مقترح الـ ، biocarte المعمول بها بالخارج و هي بطاقة إلكترونية تختزن معلومات أساسية عن صحة حاملها وهذا مما من شأنه أن يساعد على ربح الوقت وجودة العلاج وتقليص متاعب أعداد وافرة من الممرضات والممرضين الغارقين في مهام تنظيمية وإدارية.

وعوْدا إلى حملة تقصي الأمراض المتعلقة بالسكري وضغط الدم أمس بمحطة السكك الحديدية بساحة رشلونة، لاحظنا إقبالا مهما حتى الساعة الحادية عشرة والنصف حيث ناهز العدد حوالي مانتي مواطن.

أكمل القراءة

ضوْءُ نار

عندما تحتضن توزر الجميلة، لقاء حول الحق في الصحة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

شهدت مدينة توزر يوم السبت 2 ماي 2026 انطلاقا من الساعة التاسعة تقريبا بالمركب الشبابي، تنظيم يوم ممتاز بالتنسيق بين إطارات التعليم و”الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة” التي يمثلها كل من الدكتور عبدالكريم زمزاري عضو الهيئة المديرة، والدكتور رشاد داني الطبيب بتوزر ورئيس فرع الجمعية بولاية توزر، ومن جانب قطاع التعليم السيد عمر الجملي وهو دكتور في علوم التربية و متفقد جهوي.

بالإضافة إلى هؤلاء تم تسجيل حضور ممثل عن المندوبين الجهوية للتعليم وبعض المتفقدين، كما حضرت مجموعة هامة من المعلمات والمعلمين وعدد من الطلبة.

جاءت هذه المبادرة الهامة تحت عناوين متعددة تصب في مبدإ الصحة كحق للجميع وتطرح مفهوم الصحة وتعريف الحق في الصحة للجميع وخاصة لبعض الشرائح كالأطفال والمسنين.

وتطرق المتدخلون إلى المحددات الاجتماعية والعلمية والأخلاقية للصحة مثل العناية الضرورية بالأطفال وحمايتهم من العنف و الحوادث، كما بيّن ذلك الدكتور نسيم الشكماني وهو طبيب نفساني في مداهلة قّمة له.

والواقع أن الاهتمام بضرورة صحة أطفالنا قد كان أحد اهم المواضيع المطروحة.في هذا اللقاء الذي جمع بين الإطارات الصحية وإطارات التعليم مما ساهم في نجاح النقاشات العلمية التي تناولت أهم موضوع ألا وهو الصحة وحق كل إنسان في الصحة والعناية.

Motif étoiles

أكمل القراءة

ضوْءُ نار

انتظارات 2025 في المجال الثقافي: نحو مؤسسة ثقافية رائدة في جندوبة خلال العام الجديد

نشرت

في

منصف كريمي*:

لأن المؤسسة الثقافية العمومية هي محمل رئيس للفعل الثقافي والإبداعي لمختلف الفئات الاجتماعية والشرائح الاجتماعية وهي همزة الوصل المحلية بين الفاعل الثقافي ومنتجه ومتقبّله، فان دورها أساسي ومهم في العملية التثقيفية والتأطيرية

ومن هنا من الضروري التفكير في مشروع مؤسسة ثقافية بديلة تكون رائدة وتتوفّر على الظروف الضرورية والمريحة للعملية الإبداعية انطلاقا من بنيتها التحتية وتجهيزاتها وخصوصيات الفاعل الثقافي المشرف على إدارتها وتنشيطها… والمؤسسة الثقافية العمومية اليوم في حاجة إلى مزيد العناية بها بنية وتأطيرا وتجهيزا وموارد بشرية عبر صيانتها بمتابعة برامج تهيئة الفضاءات وتجهيزها وإضفاء المعمار التقليدي الخصوصي عليها والعناية بجماليتها وفق الخصوصيات المعمارية المحلية المميّزة، والعمل على تسوية الوضعيات العقارية للمؤسسات الثقافية والأثرية المعطّلة وذلك بالتنسيق مع المصالح المعنية المركزية والجهوية (تشعب ملكية دار الثقافة بني مطير، فضاء “الكازينو”، لاستغلاله كمقر لمركز الفنون الدرامية والركحية بجندوبة،الحصن الجنوي بطبرقة المستغلّ من وزارة الدفاع الوطني ودون استغلاله والتصرف فيه من قبل مصالح التراث بولاية جندوبة)

كذلك متابعة الإسراع بانجاز مشاريع البنية التحتية الثقافية المعطّلة بتذليل الصعوبات حسب الإمكانيات المتاحة مع ضرورة مراجعة إعادة تصنيف دور الثقافة باعتماد معايير وظيفية مع مراجعة إشكاليات تعطّل انجاز بعض المشاريع (عدم مشاركة المهندسين المعماريين في منظومة “TUNEPS” خاصة بالنسبة إلى بناء قاعة العروض بطبرقة مثلا إلى جانب سرعة تهرأ البناءات مما يتطلب مراجعة البنية الأساسية بدور الثقافة والمكتبات العمومية والتي تشكو من تردّ، اذ أنها غير متطابقة مع الظروف المناخية والطبيعية للجهة خصوصا المناطق الجبلية ذات المناخ الصعب مما أوجد مباني متداعية للسقوط وتهرأ في الشبكة الكهربائية)

كما تحتاج المؤسسات الثقافية العمومية ومنها الأثرية إلى التوسعة اذ أضحت اليوم الحاجة مؤكّدة لتوسعة المسرح الأثري ببيلاريجيا وترميمه باعتباره يحتضن مهرجان بيلاريجيا الدولي وطاقة استيعابه محدودة لا تفي بالحاجة، كما تعاني بعض الجهات من نقص في الفضاءات الثقافية (دور ثقافة جديدة، متاحف، مراكز ثقافية خاصة) ومسارح الهواء الطلق.

وفي ما يخص الإطار البشري بهذه المؤسسات من الضروري تعزيز الرصيد البشري بالمندوبيات الجهوية للشؤون الثقافية (نقص في الإطار المختص في مجالات التنشيط وأعوان الحراسة والنظافة والصيانة والتقنيين) وتعزيز تكوين الأعوان من خلال خاصة برمجة محاور تكوينية ذات صلة بخصوصيات القطاع التنشيطية والبيداغوجية، مع ضرورة تشريك تقنيي المؤسسات الثقافية بالجهة في التظاهرات الوطنية الكبرى وضمن دوراتها التكوينية (ايام قرطاج السينمائية والمسرحية، مهرجاني قرطاج والحمّامات الدوليين..) وإعادة تفعيل دور المراكز الإقليمية للإعلامية لتكوين إطارات وأعوان المؤسسات الثقافية.

كما أن الضرورة تحتّم اليوم بعث مركز للدراسات والبحوث الثقافية لتأطير الفاعلين الثقافيين بآخر مستجدات البحث الثقافي الأكاديمي والميداني وبما يؤهّلهم لمواكبة التطورات الحاصلة في العلوم الثقافية وتوفير فرص جديدة لتبادل التجارب والخبرات مع المؤسسات التنشيطية المماثلة والإسهام في مزيد التعريف بالخصوصيات الثقافية المحلية وبسلم القيم الذي تنتجه.

ومن المهم وضع نظام داخلي يضبط قواعد العمل بالمؤسسة الثقافية مع ضرورة مراجعة توقيت العمل بالمؤسسات الثقافية عبر إصدار نص قانوني منظّم وعبر فتح آلية الإرشاد البيداغوجي للفاعل الثقافي ولان الفاعل الثقافي في نظرنا هو شريك أساسي بل هو جوهر عملية تطوير الفعل الثقافي والانخراط بصفة ذاتية أو موضوعية، ذلك أن الفاعل الثقافي إن لم يجدّد آليات عمله سيشعر بالرتابة والنمطية وعليه ألاّ يستكين إليها بإعادة المراجعة الدورية لأساليب عمله بابتكارات جديدة حتى يظلّ فعله الثقافي حيّا متطورا ومتفاعلا مع محيطه باقتراح البدائل والبراعة في ابتكار نماذج وبرامج ريادية مرجعية وخاصة تحسين عنصر التكوين بالشكل الذي يتناسب مع مرحلة العمل، ومزيد العناية برسكلة المؤطّرين، وبالانفتاح أكثر على المحيط السوسيوثقافي عبر الشراكات والتشبيك التشاركي مع الفاعلين الثقافيين بالوزارات الأخرى لتبادل التجارب وفي صياغة المشاريع التنشيطية عند إنتاج المضامين.

حيث من المفترض أن يعتمد الفاعل الثقافي على الإعلامية كمحور أساسي في نوادي الاختصاص إلى جانب ضرورة تركيزه على محيطه الثقافي والاجتماعي في صياغة المضامين، واستغلاله للفضاء الافتراضي للترويج والاستقطاب من أجل بناء مؤسسة ثقافية ذات مضامين راقية وبجودة عالية تواكب الحداثة وتصنع الحدث وفي تجدّد مستمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاهية مدير المؤسسات بالمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار