تابعنا على

جلـ ... منار

الطغيان و شركاؤه

نشرت

في

يجب أن يدرك كل إنسان، أنه عندما يتعلق الأمر بقراراته الشخصية وخصوصياته، كلمة (لا) هي جملة كاملة ومفيدة،ليس هذا وحسب، بل وتقال مرة واحدة. الشخص الواثق من نفسه يقولها بحزم، ولا يحتاج أن يكررها!

وفاء سلطان
<strong>وفاء سلطان<strong>

المثل العربي يقول: رحم الله رجلا عرف حدّه فوقف عنده.وأنا أقول:رحم الله رجلا عرف حده فمنع أحدا من أن يتجاوزه!الحدود المباحة هي الحدود التي تفتقر إلى حراسها، وليست الحدود التي تُحاط بغزاة! أيا كانت تلك الحدود وطنية أو شخصية، وأيا كان هؤلاء الغزاة أعداء يحيطون بوطن أو أشخاصا أجلافا يحيطون بك! كل تجاوز لشخص داخل حدودك سيجردك من حق لك، وفي نهاية الأمر سترى نفسك مباحا بالكامل ومجردا من كل حقوقك!

الحقوق لا تُنتهك دفعة واحدة، بل إنشا إنشا حتى يجدالإنسان نفسه كالممسحة أمام عتبة الدار، تدوسها أحذية الداخل والخارج!!!

وما ينطبق على الأشخاص بهذا الخصوص ينطبق على الشعوب،فأرض بعض البلاد العربية اليوم مرتع لكل طواغيت الأرض!!! لم تُباح دول في تاريخ البشرية كما اُبيحت هذه الدول، لأن الطغيان الذي مورس بحق شعوبها كان قد طال واستفحل بشكل قل نظيره.لقد اُستنزفت هذه الشعوب من طاقاتها، وجُردت من حقوقها، وبالتالي من إحساسها بوطنيتها !!

تمّ ذلك على مدى عقود طويلة، ولم يحدث بين ليلة وضحاها….تذكر: أنك تُباح لأنك ضعيف ومستنزف وخنوع، وليس لأن عدوك قويٌّ وجبار! الحدود ـ شخصية كانت أم وطنية ـ تُباح عندما تفقد حراسها، وليس عندما يحيط بها أشخاص شرسون أو غزاة طامعون!!!

……..

يولد الطغاة من رحم اللامبالاة…عندما لا تبالي بخطوة واحدة خرقت حدودك، لن تستطيع لاحقا أن ترد جيشا من الغزاة اقتحم تلك الحدود.عليك أن ترسم حدودا حولك وتدافع بكل قوتك عن تلك الحدود، وهذا ـ بالتأكيد ـ لا يعني أنك أناني، فأنت في تلك الحالة لا تحدد أين تبدأ وتنتهي حدودك وحسب، بل تحدد أيضا أين تبدأ وتنتهي حدود الآخرين.وبالتالي بقدر ما تمنع غيرك من أن يتجاوز حدودك،تمنع نفسك من أن تتجاوز حدود ذلك الغير.فرسم الحدود بقدر ماهو حريّة هو أيضا مسؤولية!

ضع في الحسبان أن الشخص الذي يعيبك لأنك رسمت حدودا حولك وفرضت عليه احترامها، هو نفسه الشخص الذي سيخترق خصوصياتك لو لم ترسم تلك الحدود.ليس هذا وحسب، لكنني ومن خلال تجاربي في الحياة لاحظت أن أكثر الناس احتراما لحدود الآخرين، هم أكثر الناس دفاعا عن حدودهم، والعكس صحيح.فالإنسان الذي يعرف حده ويدافع عنه، لا شك أنه يحترم حد الآخر، ويرفض أن يتجاوزه!

……..

أكبر دليل على أنك تحترم نفسك هو أن تجبر الآخرين على الإلتزام بحدودك!

فبدلا من أن تستاء، وتبدأ بالنق كالضفادع، لأن البعض يستمرون في استباحتك، عليك أن تستاء وتبدأ بتوبيخ نفسك لأنك أعطيتهم الضوء الأخضر وسمحت لهم بأن يتمادوا. ففي تلك الحالة تكون المشكلة مشكلتك، وليست فقط مشكلتهم!!

……..

أحد وأهم الأسباب التي تمنعك من أن تدافع عن حدودك الشخصية، هو خوفك من الناس ومما سيقولون عنك.أنت تسمح لهم بأن يستبيحوا حدودك أملا في أن تنال رضاهم.

الإنسان الذي يهمّه تقييم الناس له، ويرى نفسه من خلال ذلك التقييم، هو إنسان يعيش في قبضتهم، ومن يعيش في قبضة الآخرين هو ملك لهم، وليس له حدود!

جميل، بل وجميل جدا أن تأخذ بعين الاعتبار مشاعر الناس، وتحاول جاهدا أن لا تؤذيها، ولكن ليس على حسابك! فإرضاء الناس غاية تستنزف صاحبها، ومتى بدأ الإستنزاف سيستمرحتى يمص آخر قطرة في دمك!

……..

مفهوم الاحترام في ثقافتنا الشرقية القمعية هو مفهوم مشوّه، وأبعد ما يكون عن الاحترام الحقيقي.الاحترام في الثقافة العربية، وعموما الإسلامية، يعني الطاعة العمياء والسيطرة والرضوخ… الاحترام يعني أن لا تقل لهما أفٍّ، حتى ولو أجرما بحقك…أن لا تصرخ في وجه من هو أكبر سنا منك، حتى ولو داس على قدمك وهرس أصابعك عن سابق قصد وتصميم…

هناك مثل عربي طالما كرهته واحتقرته، يقول: (من داس على عتبتك داس على رقبتك)يتبجحون به على أساس أنهم كرماء ومضيافون. أما أنا فأقول: من داس على عتبتي ولم يحترم تلك العتبة سأدوس على رقبته!

لا شكّ أن احترام الضيف واجب مقدس، ففي تقديس ذلك الواجب تقديس للحياة نفسها، بشرط أن يكون الاحترام متبادلا بين الضيف والمضيف!

لم يكن كل ضيوفي محترمين، فالأمر لا يخلو من ضيوف ثقيلين.لكن لم يتجاوز ضيف حدا من حدودي، عن سابق قصد وتصميم، و لو مقدار شعرة واحدة، إلا ورميته على الفور سنينا ضوئية بعيدا عن تلك الحدود.

بالمقابل لم أدخل بيتا إلا واحترمت عتبته وجدرانه وسقفه وكل صحن وملعقة فيه،ناهيك عن أهله!!

كونفوشيوس يقول:Every house guest brings you happiness. Some when they arrive, and some when they’re Leaving

(كل الضيوف يجلبون لك سعادة. بعضهم عندما يصل، والبعض الآخر عندما يغادر!)

أما أنا أقول: من سيسعدك عندما يغادر لا تسمح له أن يصل!!!

لأنه سيكرر مجيئه إلى بيتك حتى يطغى على حياتك

……..

الطغيان لا يجلب إلاّ التعاسة، وأنت ـ دون غيرك ـ مسؤول عن أية حالة طغيان تعيشها، سواء على الصعيد الشخصي أو الجمعي.بدءا من علاقتك بوالديك وكل فرد من أهل بيتك، مرورا بأصدقائك ورجال دينك، وانتهاء بالطاغية الذي يتربع على كرسي رئاستك!!إ

ذ لا يوجد حالة طغيان جمعي في تاريخ البشرية إلا ومرّت بثلاث محطات.البيت أولها والمعبد ثانيها وكرسي الحكم آخرها!!!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار