تابعنا على

جلـ ... منار

ثورة في النظام العالمي أم فوضى؟

نشرت

في

عادت أوروبا تعيش ذكريات بعض أسوأ أيامها. كان الظن أن سنوات الجوائح والأوبئة والمجاعات والحروب والهجرات، كلها ولت إلى غير رجعة. كان الظن أيضا أن العصر الذهبي الذي كانت تعيشه دول أوروبا لسنوات بعد انقضاء الحرب الباردة هو التعويض المناسب لقارة عانت طويلا وكثيرا.

<strong>جميل مطر <strong>

خاب الظن، أو كهذا يبدو لنا. نحن أهل الجنوب الذين دفعوا ثمنا باهظا للتعامل مع آثار هذه المعاناة الأوروبية على امتداد عصور ما بعد الظلام. دفعناه وبعضنا فى إفريقيا ما يزال يدفع تحت ضغط استعمار قديم متوحش أو جديد ظالم وإن متطور ومتجمل، وفي ظل عنصرية تكشف أحيانا عن قبح مقزز؛ كما يحدث في فلسطين، وكما كشف دفء استقبال أوروبا السعيدة لموجات الهجرة نتيجة أحداث أوكرانيا، وكما تكشف الآن تطورات داخلية متشابهة في عدد من دول الغرب، أو في ظل عنصرية تتخفى في أنماط مبتكرة من السلوك التمييزى بين مواطني الوطن الواحد وفي التعامل مع دول العالم النامي. من هذه الأنماط ما درجنا أن نطلق عليه تأدبا واعتدالا عبارة ازدواجية المعايير.

دفعنى إلى هذه المقدمة حالة في العلاقات الدولية تبدو فى مظهرها غير جديدة وليست طارئة وهي في جوهرها جديدة وطارئة. تبدو في المظهر تكرارا لسياسة عدم الانحياز التي دشنتها الهند مع دول في العالم النامى منتصف خمسينات القرن الماضي للتعامل مع حالة دولية بعينها، وهي ليست كذلك … الحالة الدولية الراهنة تختلف جذريا عن الحالة الدولية في الخمسينات من القرن العشرين … هي أقرب ما تكون إلى حالة اندفاع متهور ورهيب نحو فرض هيمنة دولة كبرى واحدة ومحو نفوذ كل الدول الكبرى الأخرى، أو نحو تعددية قطبية تتوازن القوة فيها بعد حرب ضروس وتتوزع مسئولية القيادة على قطبين أو ثلاثة لا أكثر. يدرك العالم النامي بخاصة أن لا ناقة له أو جمل في هذا الاندفاع المتهور إلا حقيقة أن المعارك الكبيرة بين القوى المتصارعة حتى النهاية سوف تمتد لتجري فوق أرضه وضد مصالحه وثرواته ومستقبله.

• • •

السؤال المفجر لهذا المقال أثاره موقف الهند من الصراع الأمريكي الروسي الدائر على الأرض الأوكرانية … للهند دور في نشأة وقيادة حركة الحياد الإيجابي. ولكن الهند فى خمسينات القرن العشرين ليست هي الهند في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وآسيا ليست آسيا والعالم ليس العالم … الهند اختلفت. الهند التي كانت دورا وقائدا في حد ذاتها أو مع أقران لها هي الآن، رغم تقدمها فى التكنولوجيا والإنتاج الصناعي والزراعي، تقضي بعض وقتها باحثة عن اعتراف بها كإمبراطورية تاريخية من حقها لم شملها المتناثر … يؤمنون في حزبها الحاكم بسردية أمة هندية تعيش على أراضٍ تمتد في الشمال من أفغانستان وباكستان وبنغلاديش والتبت ونيبال وبهوتان وسكيم وشرقا من ميانمار وجنوبا حتى سيريلانكا وفي المحيط الهندي حتى جزر المالديف.

يجمع بين فلاسفة العقيدة وقادة الحزب ومنهم الرئيس نارندرا مودى فكرة أن باكستان ليست أكثر من نبتة نزعتها بريطانيا من تربة الوطن الهندي، وأن استعادتها بكل الطرق هدف من أهداف حكومة الهند. أما الهيمنة الأمريكية وقبلها السوفييتية وقبلهما الاستعمار البريطاني والزحف الإسلامي من أقاليم وسط آسيا نحو الهند، فقد حاصرت جميعها أراضي وشعوب الحضارة الهندية وسلخت منها أقاليم شاسعة فى وسط آسيا وجنوبها … الهند تاريخيا سابقة على نظريات وتطبيقات معاهدة “وستفاليا” ومبادئها … الهند التاريخية حسب عقيدة الحزب الحاكم ليست دولة ولن تقبل في مستقبل الأيام أن يعاملها الآخرون كدولة، لأن هذه المعاملة تفرض قسرا وعمدا إنكار حقها فى الجزء الأغلب من إقليم جنوب آسيا وتفرض الخناق على ثقافة ممتدة في بطون التاريخ وقد آن أوان بعثها … الهند حسب وثائق العقيدة القومية والدينية كيان إمبراطوري لا يتسع له مفهوم الدولة. الهند فى المستقبل لن تكون فقط دولة الهند كما خلفها الاستعمار البريطاني دولة مستقلة عند رحيله فى نهاية عقد الأربعينات من القرن العشرين.

• • •

تابعت مسيرة الحزب الحاكم في الهند وصعوده العنيد، وتابعت تاريخ الرئيس مودي منذ ظهر على مسرح السياسة في ولاية جوجارات. تابعت أيضا نواحي الإثارة الجماهيرية في أنشطة التنظيم الأم الذي أنشئ عام 1925 ويقوده الآن موهان باجوات، كما تابعت أنشطة الحزب الذي يتفرع عنه، وبفضله وصل نارندرا مودي إلى الحكم … جدير بالذكر أن الرجل الذي اغتال المهاتما غاندى وكان من أتباع التنظيم، هتف صارخا بشعار التنظيم لحظة شنقه، “تعيش الأمة الهندية غير مجزأة”.

ورث مودي تراثا متعدد الأبعاد. ورث نظاما سياسيا ديموقراطيا استمر عن اقتناع من جانب جميع حكام الهند بعد الاستقلال وكان مصدر فخرهم. تسبقهم فى زياراتهم وفى المؤتمرات السياسية الدولية وتتكرر على ألسنة السياسيين الغربيين عبارة “الهند.. الديمقراطية الأكبر في العالم”. تحميهم في الداخل وتصون مكتسباتهم بيروقراطية حسنة التنظيم والإدارة وضع الإنجليز أسسها هي والنظام القضائي وتقاليد تضبط علاقة المدني بالعسكري، هكذا بقيت الهند حتى وقت قريب ليست فقط الديموقراطية الأكبر وإنما أيضا الدولة النامية ذات الاستقرار السياسي الأطول.

أقول بقيت حتى وقت قريب لأن الهند مثلها مثل معظم الدول النامية الأخرى لم تفلح تماما في التخلص من داء القومية المتطرفة ومشكلات العقيدة الدينية المتشددة وحساسيات التفرقة الدينية والعنصرية ووهج الأساطير الموروثة … كل واحدة من هذه المعضلات كان يمكن أن تتسبب في انفراط الهند مجددا بعد انفراطها الأول إلى دولتين فور الاستقلال … لم تنفرط مجددا لسببين على الأقل: السبب الأول، أنها تمتعت خلال معظم الفترة التي أعقبت إعلان الاستقلال بنخبة سياسية متفتحة وعلمانية ومؤمنة بالديمقراطية استطاعت باعتدالها ومرونتها التغلب على الصعوبات المترتبة عن رسوخ هذه المعضلات. السبب الثاني أن الهند انتهجت نهجا فى السياسة الخارجية جنّبها الوقوع في شراك دوائر العنف في علاقاتها الخارجية. تجنبت سياسات الأحلاف وتفادت التبعية الاقتصادية والمالية وامتنعت عن ممارسة أطماع التوسع على حساب الجيران … الخلاصة أحسنت الهند في سياساتها الخارجية حين تمسكت بمبدأ عدم الانحياز إذ كافأها العالم باحترام مواقفها وحرص على عدم الضغط عليها لاستتباعها لطرف أو آخر.

• • •
فجأة نشطت من جديد قوى الصراع فى النظام العالمي. وفى رأي أصدقاء من الخبراء أن ما نشب لا يحمل كل صفات الفوضى، إنما هو طلائع ثورة فى النظام العالمي قد تثبت لنفسها استحقاقها لقب الثورة الخاتمة فى سلسلة ثورات وانتفاضات ثانوية نشبت خلال الفترة من سبعينات القرن الماضي إلى اليوم … نتمعن فى أمر هذه الفوضى أو الثورة فنرى بالوضوح الممكن دولة عظمى تستخدم كل أساليب العنف باستثناء أسلوب التدخل المباشر، الهدف غير المعلن هو إخلاء الساحة من القوى المنافسة الصاعدة بتدرج أو الصاعدة قفزا نحو القمة. على الناحية الأخرى تسعى روسيا الصاعدة بتدرج إلى استرداد شعوب ودول كانت تعيش في كنف موسكو، انفصلت عنها وتركتها لقيادة فاسدة أهملتها ثم لقيادة أخرى عازمة بكل العناد الممكن على استعادة ما سلب بالغواية والإغراء والتآمر وما انفصل بإرادته الحرة.

على هذه الناحية من النظام الدولي تقف أيضا الصين الصاعدة قفزا نحو القمة، تقف فى انتظار هجمة أمريكية قادمة دون أدنى شك. ومع ذلك أو بسبب ذلك أعلنت منذ بداية الأزمة الأوكرانية تعاطفها مع روسيا والاستعداد لدعمها إن دعت الحاجة … كان واضحا أن الصين، وهى مدركة التهديد المتوقع لأمنها الاقتصادي ولخطط صعودها لو أنها تحالفت مع روسيا ضد أمريكا، وضعت فى حسبانها ضرورة كسب الوقت للاستعداد لما بعد انتهاء أمريكا من حملتها على روسيا … يتوقعون فى موسكو وخارجها أن الصين لن تسمح قرب النهاية بسقوط روسيا وخروجها من سباق القمة. يتوقعون أيضا أن الصين بحكم تاريخها وموقعها وإنجازاتها فى العالم النامي تستطيع أن تكسب تعاطف شعوبه وحكوماته، وهو ما فشلت فى تحقيقه كل من روسيا وأمريكا على حد سواء.

الهدف من الحرب غير المعلنة والناشبة الآن هو تغيير بنية وقواعد عمل النظام العالمى ومؤسساته لصالح طرف أو طرفين أو الأطراف الثلاثة مجتمعة … النجاح فى صنع وتنفيذ هذا التغيير يعني وقوع ثورة فى النظام الدولي وفى مجمل العلاقات الدولية. الفشل فى صنع هذا التغيير أو فى تنفيذه يعنى بدون شك كبير أن العالم دخل أو على وشك أن يدخل مرحلة تنذر بالفوضى. بعض مكونات هذه الفوضى ليست خافية …. نعرف مثلا أن الصين أدركت منذ سنوات أن روسيا القوة العظمى انحدرت ويتواصل انحدارها …. نعرف أيضا أن الصين أدركت أن الولايات المتحدة انحدرت هي الأخرى ويتواصل انحدارها وهذا باعتراف وتصريحات آخر رئيسين أمريكيين وتقارير عن تراجع خطير فى مخزون السلاح وتدهور البنية التحتية …. نعرف كذلك أن الصين القوة العظمى الصاعدة قفزا لا تزال بعيدة عن الوصول إلى مبتغاها.

غير خاف السباق الآخر، سباق الأقطاب الثلاثة على الهند. وغير خاف أن للهند مشروعها الخاص، وغير مستبعد أن يكون لها دور أساسي فى صنع الثورة أو الفوضى.. أيهما أقرب.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب ومحلل سياسي و دبلوماسي سابق ـ مصر

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار