تابعنا على

جور نار

ثلاثة أصناف كُبرى من التلاميذ

نشرت

في

كنتُ بصدد مطالعة بعض ما كُتب في وظيفة المصعد الاجتماعي التي تضطلع بها المدرسة في شتّى بلدان العالم والاطلاع على ما قيل في العطب الهيكلي الذي أصاب هذه الآلية الارتقائية خلال العقود الأخيرة، وكيف يمكن إصلاحها من أجل عدم ترك مزيد من الناشئة على قارعة الأميّة (البدائية منها والرقميّة) والعجز على كسب ما به تحقّق سعادتها وحقّها في العيش الكريم… حتى تاه بي التفكير ورُحتُ أعُدّ النماذج المُمكنة للتلاميذ في مدرستنا، فتوصّلتُ – بشيء من المرح الطّارد للتوتّر المُميت- إلى رصد ثلاث مجموعات كبرى :

الفئة الأولى : التلاميذ الذين يمتطون المصعد الآلي وهم العدّاؤون الرّاكضون بسرعة قصوى Les sprinters

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

هم مجموعة غير وفيرة العدد من التلاميذ المقتدرين القادمين إلى المدرسة برصيد متنوع ومُثمر دراسيا متكوّن من مهارات أساسية في الحساب والقراءة والكتابة وحُمولة تعبيريّة شفوية وكتابية هائلة، وأولياء يُجِلّون الكتاب وعائلات لها شبكة علاقات مُرسملة وقصص نجاح عائلية مؤسِّسة ونماذج مهنية يمكن التماثل معها (حيث يوجد في العائلات الميسورة المختصُّ في الطب النووي وصانع المحتوى والمختصّة في التغذية والتّنحيف وصاحبة الخبرة في التأثير الرقمي… بينما لا يتعرف سليل الأوساط الاجتماعية المتواضعة الا على المُعلّم وخدّام الحزام وعامل الحظائر ومُقدّمة أخبار الثامنة مساءً). ..

هؤلاء تنفتح أمامهم المصاعد تلقائيا بفعل اللاقطات الإلكترونية المجهّزة بها وبإمكانهم الضغط على أيّ زرّ يريدونه ليبلغوا أي طابق يستهويهم حتى وإن كان في أعلى ساطعات السّحاب. مسارهم مُحدّد بدقّة قبل الانطلاق، يعرفون تماما أية الباكالوريات يختارون وأية مواد أو لغات إضافية يدرسون وأية دروس خصوصيّة يرتادون وبأية معدلات ينجحون وأية جامعات يؤمّون… وفق منطق يشبه القدريّة التي تهزأ من الإكراهات والكوابح المختلفة.

الفئة الثانية : التلاميذ الذين يسْلُكون السّلالم Les grimpeurs

هذه المجموعة عددها كبير نسبيا وأهم ما يميّزها أن المدرسة معبر أساسي بالنسبة إليهم ولا بديل لهم عنها بحكم نُدرة إمكانيات عائلاتهم ومحدودية مداخيلها. تزدحم بهم السلالم وتتنوّع سلوكاتهم وأشكال تعاطيهم مع المضامين التي تُعرض عليهم. يكثر هرجهم ومرجهم أيضا لأنهم لم يتعوّدوا على الممرّات الضيقة والقواعد المقيّسة التي تحكم حركاتهم وسكناتهم ويصعب التكيّف السّريع معها، خاصة إذا اقترن ذلك مع هبوب رياح المراهقة والمصادقة… فتكثر زلاّتهم وهفواتهم وتستأسد المدرسة في ممارسة سلطانها حتى يجد العديد منهم نفسه في مسالك موازية يصعب توقّعها، أو في أحسن الحالات، يبتدعون ردود فعل “فنية” يردّون بها على هذا الاستعلاء الذي تمارسه المدرسة ضدّهم من قبيل شعار “ملاّ راحة من الدراسة” وهو وريث شرعي لشعار “إليك يا مدرستي قنبلة ذريّة”…بدلا من “تحيّة زكيّة”.   

هذا الحشد من التلاميذ لا تتساوى حظوظه وقدراته على الصّعود والصّمود، فمنهم من تبرُكُ جِماله في الطوابق الأولى ومنهم من يثبت ويستمرّ في مسيرته وصولا إلى بعض الطوابق الأعلى … ولكنّنا نعثر وسط هذه الفئة الثانية على كوْكبة صغيرة من “المقاومين البواسل” المتمتّعين بقدرة فطريّة على تحييد الموانع وعدم التأثّر لا بالبرد ولا بالعطش ولا برداءة الأحوال وقلّة الأموال فيتعبون ويكدّون ويُثابرون ويبلغون نفس المواقع التي أحرزتها عناصر الفئة الأولى المرفوعون إلى أعلى les ascensionnistes وبدون أية منشّطات أو مجلوبات عائلية واجتماعية خاصة.

هذا ويُعتبر تناول هذه الفئة من المتفوّقين بدفع ذاتي محض بالدراسة والتحليل مهمّ جدا لأنه يساعد على فهم ما وراء الدافعية الداخلية القويّة الكفيلة لوحدها بتعويض كل الدافعيات المُساعدة الأخرى، ويساهم في تأكيد الفرضيّة البنّاءة والتي مفادها أن الخلط المتعمّد بين الحتمية والقدريّة لا يخدم استراتيجية الأمل المفتوح على مصراعيه أمام كل القادمين من أوساط غير محمولة على النجاح والتميّز في الذهنية العامة، لأن “الحتميّة” تُعيق التقدم ولكن من الممكن “التعامل معها لتحييدها ودحرها” كما في لغة العسكريين والأمنيين عندما يواجهون فلول الإرهاب، بينما “القدريّة” تُكبّل معتنقها وتجعله يقتنع سريعا بأن “الرضا بالقدر حكمة لا يفهمها الجاهلون”.

الفئة الثالثة : الُمراوحون (وفي العاميّة التونسية هم كذلك مُمَرْوِحون لأنهم يسترخون في وضعيات اللاتعلّم بعد استبطان فشلهم أو مُروّحون أيضا لأنهم سريعا ما يغادرون مقاعد الدراسة)

وتتكوّن من التلاميذ الذين ضاقت بهم السّبل فلم يقدروا لا على امتطاء المصعد الآلي ولا على صعود الدّرج التقليدي، لأسباب مُركّبة فيها المُجتمعي والسياسي والمدرسي الداخلي فظلوا يراوحون مكانهم لا شيء يعجبهم ولا يُعجِبون أحدا، يُقضّون أوقاتهم في التمسك بخيوط أمل رفيعة في الإقلاع يوما ولكن كلما تسارع نسق التعلمات وحمي وطيس المعركة الدراسية تراهم يتناثرون ويتطايرون أفواجا خارج الدواليب الطّاحنة لمدرسة مُنفّرة لا تحتفظ إلا بمن يُذعن لمشيئتها ويتماهى تماما مع قوانينها الرافضة لمن “يُربك السير العادي للدرس ويُشوش على النسق الطبيعي للتعلمات”.

هؤلاء المُراوحون و المُكتفِون بالترويح عن النفس في انتظار قرار الإبعاد غير القابل للطعن، يجدون لأنفسهم كل المبررات التي تجعلهم يحقدون على مجتمع ضالع في تمكينهم من نصف حياة ويكرهون مدرسة لا تسمع صرخات عجزهم ولا تُصغي إلى صدى إخفاقهم ويُعادون نظراء لهم لا ذنب لهم سوى كونهم يبدون متحرّرين من أية وطأة كانت.

يغادرون المدرسة بعشرات الآلاف سنويا (أي بالملايين خلال جيل واحد) ولا يعترض سبيلهم أي إجراء جدّي يحتضنهم ولا أية آلية تأخذ بأياديهم ولا أية ثورة عمياء صمّاء بكماء تلتفت ناحيتهم لتجعل منهم جيشا من الماهرين والبارعين في شتى مناحي الحياة لا جيشا منسيّا من احتياطيّي الجريمة والشتيمة والانخراط السهل في مسالك الجُنوح وتدمير الذات والمجموعة.

نحن إذن أمام مدرسة بثلاثة أنساق سيْر متفاوتة : عدّاؤون متفوّقون، ومتسلّقون متعثرون ومُراوحون متروكون على ذمّة من ينتدب من الشطّار والعيّارين.

المشكل حسب اعتقادي هو في طبيعة المنوال الذي بالإمكان أن تتصوّره مدرستنا لمواجهة هذا المشهد المعتلّ ! ولا أعتقد بالمرة أنه لدينا في الوقت الحاضر تصوّرا لتدعيم الفئة الأولى وإسناد الثانية واحتضان الثالثة لإعادة دمجها في الدورة المدرسية أو تلقّفها بالتكوين والتدريب والتأهيل إن تعذّر ذلك، خاصة بعد اتضاح فشل تجربة النموذجي وارتفاع كُلفة الفصل بين التربية والتكوين المهني والانعكاس المُدمّر للدروس أو المدارس الخصوصية على مستوى عيش العائلات التونسية.

إذن لا بدّ من إعادة إنتاج المدرسة التونسية.

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار