تابعنا على

جلـ ... منار

سبعينية ثورة يوليو.. الأيام الأخيرة للملك!

نشرت

في

خطر للمؤلف المسرحي والسيناريست الكبير الراحل “محفوظ عبدالرحمن” ذات يوم بعيد أن يكتب قصة الأيام الأخيرة للملك “فاروق” من (18) حتى (26) يوليو (1952) في مسلسل تليفزيوني طويل، حيث تتفاعل مشاعر وتضطرب أوضاع وتتغير دول.

عبد الله السنّاوي

من دواعي الدراما في تلك الأيام المتقلبة، أن الملك فكر في “انقلاب أبيض” يعلن بعده “ديكتاتورية عسكرية” تحكم بمراسيم لها قوة القانون وتأجيل أية انتخابات برلمانية إلى أجل غير مسمى ـ كما تكشف البرقيات البريطانية. غير أن
حركة “الضباط الأحرار” أجهضت تفكيره وسبقته قبل أن تذهب به إلى المنفى.
ففي لحظة تصدع النظام الملكي قبل
سبعين سنة بالضبط تبدت قدرات “جمال عبدالناصر” على إدارة المواقف الحرجة
أطاح بالحكومة ولم يكن يستهدف ذلك في البداية عندما رآها تترنح أمامه
وأطاح بالملك الذي لم يكن مخططا مسبقا عندما رآه يتهاوى أمام نظره

هناك قصةــ أوردها الأستاذ “محمد حسنين هيكل” في كتابه الوثائقى “سقوط نظام”ــ تكشف طبيعة الموقف المضطرب، وكيف أديرت حساباته المتغيرة وحجم الدور الذي لعبه عبدالناصر.

في اللحظات الأولى للحركة قبل أن تعلن بيانها الأول سأل رئيس الوزراء “نجيب الهلالي”، الذي تمكن من الوصول هاتفيا إلى الصحفي الشاب المتواجد فى مقر القيادة بغريزة الصحافة: “هل تستطيع سؤالهم إذا كانوا يريدون من الوزارة أن تستقيل؟”.
التفت “هيكل” إلى اللواء “محمد نجيب” ناقلا السؤال فظهرت الحيرة على ملامحه من مفاجأة سؤال لم ينتظره، وتولى عبدالناصر الإجابة قائلا: “له حق.. الأفضل أن تستقيل الوزارة”.
“حاولت أن أتدخل برأيي لأول مرة فقلت ما معناه إن الهلالي رجل نزيه وقدير، وهو بالكاد عاد أمس الأول إلى رئاسة “لوزارة بعد موقعة هائلة من أجل التطهير.

رد عبدالناصر بما مؤداه: (إن ذلك خارج الموضوع.. قل له إن ذلك طلبنا، وقد وفر علينا أن نحرجه بأن نطلبه منه)””.

قلت للأستاذ هيكل والحوار يستفيض حول تلك القصة ودلالاتها: “إنها مؤسسة لما بعدها، كان يمكن ليوليو أن تأخذ مسارا آخر لولا ما أبداه عبدالناصر من قدرة على اتخاذ القرار فى لحظته، فلم يكن هناك وقت للتفكير، والصباح يوشك أن يطل على بلد جرت فيه حركة عسكرية”.

قال: “أردت أن أقول إنه رجل مختلف وقدراته غير عادية منذ اليوم الأول الذي ظهر فيه على المسرح السياسي”.
لم تكن الحركة مفاجئة تماما، فقد كان الجو العام يشى بأن شيئا ما داخل الجيش يمكن أن يحدث فـ”هناك سخط منتشر بالجيش، ومن المحتمل أن يفضي إلى عملية من نوع ما”ــ حسب برقية الوزير البريطاني المفوض في القاهرة “مايكل كرسويل” إلى وزير خارجيته “أنتوني إيدن” يوم الأحد (20) يوليو (1952).

في برقية أخرى أرسلت اليوم التالي إلى هيئة أركان الحرب الإمبراطورية في لندن: “المعلومات التي لدينا أن هناك توترا على نطاق واسع في الوحدات العسكرية المصرية واحتمالات العصيان واردة”.

كان نجاح الحركة فى صبيحة (23) يوليو ملغما باحتمال تدخل القوات البريطانية، التى تبلغ (120) ألف جندي في معسكرات قناة السويس لإحباطها.

بدا كل احتمال مرتهنا بمدى الدعم الشعبي الذي تحوزه الحركة.

إذا ما كان قويا فإنه قوة ردع لأي احتمال تدخل.

هذا ما حدث بالضبط.

بحكم الوثائق البريطانية كانت هناك خطة جاهزة يطلق عليها “روديو” لاحتلال القاهرة والدلتا والإسكندرية لدى أي طارئ مفاجئ وجرى الاستعداد لتنفيذها.

بحكم نفس الوثائق فإن الملك فاروق طلب التدخل العسكري البريطاني لإفشال التمرد عليه على نحو ما فعله عمه الخديو توفيق عام (1882)، لكنه لم يتلق إجابة.

بدا “فاروق” مذعورا ــ وفق برقية للسفير الأمريكي “جيفرسون كافري”، الذي أخذ يهدئه دون جدوى.

لم تكن هناك أية معلومات لها قيمة عن توجهات الحركة، ولا من يمسكون بزمام الموقف فتبدت تناقضات في الاستنتاجات والتصرفات.

بقوة الوثائق الدامغة فإن أي حديث عن صلة ما ربطت “الضباط الأحرار” بالاستخبارات الأمريكية محض كلام فارغ.

غابت بالكامل أية إشارات إلى عبدالناصر، أو أي أحد آخر من مجلس القيادة باستثناء “أنور السادات”، الذي كان وجها معروفا بعد محاكمته في قضية مقتل أمين عثمان، واللواء “نجيب”، الذي صدر البيان الأول باسمه.

جرت اتصالات لضبط ردات فعل البريطانيين، ولم يكن الأمريكيون في وضع يسمح لهم بتقدير موقف على قاعدة معلومات واضحة.

وفق الوثائق الأمريكية والبريطانية لم تكن هناك أية معلومات ذات قيمة عن شخصية اللواء نجيب صبيحة (23) يوليو، فرغم أنه انتخب رئيسا لنادي الضباط في مواجهة صريحة مع رجال الملك، ورشح مرتين وزيرا للحربية في حكومتي “حسين سري” و”نجيب الهلالى”، لم يكن الملك مستعدا لإسناد هذه المهمة إليه مبديا غضبه كل مرة من مجرد ذكر اسمه.

كانت انتخابات “نادي الضباط” فى ديسمبر (1951) اختبارا للقوة والتأثير في صفوف الجيش من قبل الضباط الأحرار، وكان حل مجلس إدارته المنتخب إيذانا على مواجهة محتملة تقترب مواقيتها.
وكان تغيير الوزارات بعد حريق القاهرة في (26) يناير (1652) حدثا متوقعا كل لحظة.

شهدت تلك الفترة إقالة وزارة “الوفد” برئاسة مصطفى النحاس، وتولى “علي ماهر” مقاليدها، ثم جاء الملك بـ”نجيب الهلالي” بعد شهر واحد قبل أن يقيله هو الآخر في ظروف مريبة بصفقة مالية بلغت مليون جنيه، دفعها “أحمد عبود” وسجلتها برقيات السفارة البريطانية، ثم كلف حسين سري بحكومة رابعة قبل أن يعود للهلالي، لكن حكومته لم تتمكن من الاجتماع، فقد أطاحت “يوليو” باللعبة كلها.

جرى ذلك كله في أقل من سبعة أشهر.

بدا أن كل شىء يؤذن بالمغيب قبل أن تحل النهاية وتطوى صفحة حكم أسرة “محمد علي”.

وصف الأستاذ “أحمد بهاء الدين” المشهد الأخير لـ”فاروق” بالتفصيل وختمه بالعبارة التالية:
“.. وتحركت (المحروسة) إلى عرض البحر.. والشمس تغرب.. وقال الذين سافروا معه.. إنه دخل مباشرة إلى حجرته.. وأخذ يبكي بكاء حارا، طويلا، مسموعا.. ندم على خطايا وآثام لا تغسلها مياه البحر ولا يطمسها ظلال الليل الذي أطبق على المركب”».

كان هناك اتجاه قوى لدى عدد من ضباط القيادة لإعدام الملك،

اعترض «عبدالناصر»، وفي ذاكرته الحكمة التى انطوت عليها رواية “قصة مدينتين”» لتشارلز ديكنز من أن الدم يجلب الدم.

عندما سقط الملك، صعد رجل آخر إلى المسرح السياسى ليغير وجه التاريخ فىي مصر وعالمها العربي.

ـ عن جريدة “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار