ما حدث من أزمات متتالية خلال التحول الحالي في تونس، هو في حقيقة الأمر أزمة سياسية تشعبت في أغلب المجالات وعلى مدى عديد السنوات نتيجة سوء تقدير في طرق معالجتها مما نتج عن ذلك مضاعفات وتراكمات معقدة، وجميعها نتجت بشكل أساسي عن طريقة التعاطي السطحي والأعرج والجاهل مع الأحداث والملفات الهامة.
محمد الأطرش
هذا التعاطي الأعرج صاحبته نزعة انتقامية من كل من حكم قبلنا، فكل من حكموا لم يقرؤوا التاريخ ولم يتعظوا من دروس الماضي فالانتقام يولد الانتقام والثأر ينادي بالثأر، وهكذا لا أحد يمكنه أن يحكم البلاد على مدى عقود قبل أن يعود للجميع العقل والمنطق ويجلسوا حول طاولة واحدة، طاولة المصالحة الشاملة التي لا تستثني أحدا غير من أجرموا حقّا…ومن أكبر الأخطاء التي ارتكبتها كل الحكومات التي تداولت على حكم تونس بعد 14 جانفي إعلان القطيعة الكاملة مع جيل العهود السابقة من السياسيين والكفاءات التي لا تزال قادرة على خدمة البلاد والعباد…
جميع من خرجوا علينا بعد 14 جانفي شيطنوا القديم ووضعوه في خانة المستبد والفاسد دون حتى أدنى تدقيق في ملفات أغلب من أطردوا ومن أعفوا ومن أحيلوا على التقاعد الوجوبي… ومن سجنوا وعوقبوا بسبب ذنب لم يقترفوه، فقط لأنهم انتموا إلى ما قبل 14 جانفي…فحتى الرئيس قائد السبسي رحمه الله الذي يعتبر أحد أبناء المنظومة القديمة تعامل مع من سبقه وكأنه جاء إلينا من خارج البلاد بعد 14 جانفي فلم يلتفت إلى من صنعوا ربيع البلاد ونهضتها، بل ساهم بالصمت في ما وقع للآلاف منهم وهذه حقيقة لا يجب نسيانها أو محوها من تاريخ البلاد…وقد يكون رفضه لفصل الإقصاء أيام حكم النهضة محاولة لإصلاح الخطأ الذي وقع فيه لغاية لا يعلمها غيره…لذلك أقول اليوم لكل الذين يجلسون على كراسي السلطة اليوم وغدا إن هذه المنظومة لن تنجح في البقاء طويلا إن واصلت سياساتها الحقدية والاجتثاثية لخصومها، ولمن كانوا إلى وقت غير بعيد شركاء في الحكم معها…هذه المنظومة بنت شعبيتها على ضرب كل قديم وإن كانت معه، لذلك ولدت عرجاء لا تقوى على المشي بعيدا…
أعود لأقول لكل من يجلسون على كراسي الحكم اليوم وغدا لا تنسوا أن تتفقدوا السياسيين القدامى من جيل بورقيبة ومن جيل بن علي …فقد ينفعونكم بخبراتهم وأنتم الذين لا خبرة لكم ولا بيوم واحد في الحكم وتسيير شؤون الدولة والتصرّف وقت الأزمات…وقد تستفيد الدولة من تجاربهم للخروج من أزمتها التي طالت…فالاستفادة من خبرة السياسيين القدامى يمكن أن تكون داخلية وخارجية، وعلاقات بعضهم وأنا أعرف أغلبهم معرفة جيدة تفوق علاقات أغلب من هم في السلطة اليوم…وهنا وجب الاعتراف أن “الوحدة الوطنية” تضررت كثيرا من إدانة الفترة السياسية السابقة وما شابها من مظالم وأخطاء في حق الآلاف من الكفاءات التي لا تزال قادرة ولو بالنصح والمشورة على إفادة البلاد والعباد…فأغلب هؤلاء عوقبوا لمجرّد خدمتهم الوظيفية في العهود السابقة…ولنعترف مرّة أخرى أن الدولة في عهدي بورقيبة وبن علي كانت تستوعب كل الطبقة المتوسطة في دواليبها ودوائرها في الداخل والخارج…وهؤلاء وللتاريخ أقولها لأني عشتها وأعيشها خدموا الدولة والبلاد والعباد بنزاهة وإخلاص لذلك فمن الجحود مواصلة معاملتهم بتلك التفرقة والميز العنصري السياسي والمجتمعي…ومن العيب تجاهل ما فعلوه من أجل البلاد فقط لأنهم انتموا إلى منظومة قد تكون ظلمت البعض وهمشتهم أقول “قد تكون” فالواضح أنها لم تظلم أغلب من كانوا يصرخون ضدّها “شاهرين” بدائلهم التي كشف الحاضر زيفها…فأغلب من عوقبوا من رجالات المنظومة القديمة، عوقبوا ظلما، فهم لم يدانوا بجرائم ضدّ الإنسانية ولا بالفساد المالي ولا بالمحسوبية التي تعيشها بامتياز تونس في عهدنا اليوم ومنذ 14 جانفي 2011…
وهنا أقول ألم يحن الوقت للاعتراف بفضل هؤلاء على البلاد والعباد…ألم يحن الوقت لاستشارة بعضهم في ما يخصّ ما تعانيه البلاد، أليس من الأجدر الاستفادة من خبرتهم وتجربتهم الطويلة في تسيير دواليب الدولة وفي خدمتها داخليا وخارجيا من خلال استشارتهم في بعض ما لم ننجح في معالجته وما لم نجد له حلولا جذرية…ألا يجب أن نحترم هؤلاء على ما فعلوه من أجل البلاد…ألا يجب أن نشركهم معنا في معركتنا…في أم المعارك اليوم… معركة الخروج من الوضع الذي وصلنا إليه…يقول بعضنا إننا نعتبر استثناء في العالم…كيف نكون الاستثناء ونحن على قطيعة مع تاريخنا القريب الذي صنع أجمل ما كنا فيه وبعض بقايا الجمال في ما نحن اليوم فيه…فأين نحن اليوم مما كنّا عليه قبل انقلاب “الربيع العربي” المزعوم؟ بعضهم اليوم يصفّق لصانع تحوّل 25 جويلية ويقارنه بتحوّل السابع من نوفمبر فتراه يعامل من يعارضون مشروع 25 جويلية معاملة العدو لعدوه، وحين تسأله لماذا؟ يقول لك أن الوضع الحالي وصانعه يشبهان كثيرا الوضع حين أزاح الرئيس بن علي رحمه الله الزعيم بورقيبة لاستفحال شيخوخته، هكذا بكل بساطة يقارنون عهدا مستقرا لم نعرف فيه المعاناة التي نعيشها اليوم…أيمكن مقارنة عهد كنّا نشعر فيه بالأمان، بعهد أصبحنا نخاف فيه على مستقبل أبنائنا … نحن اليوم نعيش عهدة الفشل في أتعس مظاهرها…
الفشل في تبني مشروع سياسي وطني يشمل جميع مكونات الشعب التونسي من خلال تقديم رؤية واضحة لاحتواء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد منذ 25 جويلية 2021 وما قبل ذلك…فاليوم عدنا إلى التجريب وكأننا في مسرح التجريب، فما تعيشه البلاد اليوم فشلت فيه العديد من الدول التي جربته منذ أكثر من قرن مضى فعاشت أوجاعه وذاقت ويلات مآسيه…كما علينا الاعتراف بفشلنا في توفير ابسط المستلزمات الخدماتية والنقص الحاد في العديد من المواد الأساسية …فالاضطراب نعيشه يوميا في خدمات الماء والكهرباء، وخدمات الصحة وبقية الخدمات اليومية، إضافة إلى غياب الإمكانيات المادية على مستوى خزينة الدولة لتوفير كل ما غاب عن الأسواق والحدّ من ارتفاع الأسعار…كما أننا فشلنا تعنتا وحقدا في الوصول إلى اتفاق حول مصالحة وطنية شاملة حقيقية بين أبناء هذا الوطن الواحد…والفشل الأكبر والأخطر على مستقبل هذه الدولة كان في بناء مؤسسات الدولة التي خربناها وهدمنا ما بقي من جدرانها حقدا على من بناها…وعلينا اليوم إعادة بنائها بناءً علمياً قائما على أساس الخبرة والكفاءة وبعيداً عن المحسوبية والمحاباة التي نعيشها اليوم من خلال تعيين كل من خدموا حملات صانع تحول 25 جويلية الانتخابية والحقدية على خصومه والبقيّة في مواقع لم يكونوا يحلموا يوما بالجلوس على كراسيها…
أما الفشل الدائم فهو في القضاء على البطالة و توفير فرص العمل لطبقات وفئات كبيرة في المجتمع مما أجبر عشرات الآلاف على مغادرة البلاد بكل الطرق المتاحة حتى وإن اعترضهم الموت بالأحضان في الطريق…فبعض الشباب خيّروا الموت على البقاء في وطن يقتلهم كل يوم احباطا ويأسا…لذلك أقول لمن يقارن أيامنا هذه بأيام بن علي الأولى، لا يمكن مقارنة العهدين ولا حتى الصانعين…فصانع تحوّل السابع واصل البناء والتحديث والاستقرار والأمن والأمان وإن أخطأ في بعض مراحل حكمه…وإن أساء تقدير بعض المراحل والمحطّات…وصانع تحوّل الخامس والعشرين من جويلية لا يزال يصدّق أكاذيب من حوّلوا وجهته نحو اهداف لا تخدم البلاد ولا مصالح العباد…ومن أوهموه بأشياء لا صلة لها أصلا بواقعنا وأوضاع البلاد…
في الأخير أقول أليس من الظلم ضرب من كانوا سببا في بقاء الدولة على قيد الحياة يوم ماتت بعض الدول الأخرى التي عاشت وباء “الربيع العربي” بين ليلة وضحاها…افتحوا أبواب غرف التبريد فمن العار أن تقبع كفاءاتنا فيها والبلاد تختنق من ثقل هواء الأزمة…فالانتقام ممن سبقونا لن يملأ بطون الشعب إذا جاع…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.