تابعنا على

جور نار

مئات المدارس لتدريس السّعادة في ألمانيا

حوار مع إرنست فريتز شوبيرت، مؤسس دروس السعادة

نشرت

في

“عندما يسُوء كل شيء، يرتقي التفاؤل إلى درجة الواجب الوطني”

جدول الأوقات في مئات المدارس الألمانية قد يكون على النحو التالي : الاثنين 24 أكتوبر، الثامنة صباحا : درس في الحساب يليه درس في الألمانية ثمّ درس ثالث في السعادة… وهو درس نظامي إجباري يدوم ساعة كل أسبوع في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

أليست سعادة حقيقية هذه أن ترى ابنتك أو ابنك يحضُر درسا إجباريا يُؤمّنه معلّم أو أستاذ تلقّى تكوينا خصوصيّا لمدة سنة كاملة بالإضافة إلى تكوينه الأساسي في مجال التدريس، ويتعلّم خلاله كيف يكون مُتصالحا مع ذاته ومع أقرانه وكيف يكون قويّا في وجه الاحباطات التي تعترضه ؟

أؤكّد بشكل متعمّد على التكوين الأكاديمي والعلمي المختصّ لمن يتولّى تدريس هذه المادّة في ألمانيا والنمسا للتفريق منذ البداية بين “تنمية الذات” كمفهوم علمي أسّس له عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو مُطلِقا عليه “تحقيق الذات” في أعلى هرم الحاجيات البشرية (وهو حاجة الفرد إلى تحقيق ذاته مُوظّفا كل مُقدّراته) وبين “التفكير الإيجابي” و “علم النفس الإيجابي” اللذين تدعو لهما الخيمات الدعويّة للتنمية البشرية التي تؤسّس لتيار فكري كوني يلقى رواجا كبيرا اليوم خاصة بين النفوس المرتجّة يسمّونه “السعادوقراطية” happycratie أي أن تكون سعيدا رغما عنك ورغم ظروفك.

يقول الصحفي الفرنسي جان لوران كاسيلي الذي ألّف كتابا حول موضوع  مغالطات التنمية البشرية: “خلال الفترة التي تلت أزمة 2008 والتي تعمّقت فيها الفوارق وتقلصت فيها حظوظ الحركية الاجتماعية وانكمش فيها سوق العمل، أصبحت الدعوة إلى التحلي بالحماس والإيجابية والاستقلالية عبارة عن تحميل الأفراد مسؤولية كل التوازنات المختلة”.

وُلدت فكرة بعث دروس نظامية في السعادة بمدينة هايدلبرغ (عاصمة الرومانسية في ألمانيا التي ألهمت الشاعر الكبير هولدرلين وحيث توجد أعرق الجامعات التي يؤمّها بعض المتفوّقين التونسيين من شعبة الرياضيات) على يد إرنست فريتز شوبرت الذي مارس مهنة التدريس لمدة ثلاثين عاما قبل أن يؤسس معهدا متخصّصا يُكوّن المدرسين في مجال تقنيات تدريس السعادة .

وهذا نص الحوار الذي أُجري مع مؤسّس هذا الدرس في أحد المواقع الرسمية الألمانية :

سؤال : كيف خطرت ببالك هذه الفكرة ؟ وهل من الضروري أن نُعلّم تلاميذنا في ألمانيا كيف يتحسّسون السعادة ؟

جواب فريتز شوبيرت :

كنت حينها (بدايات القرن الحالي) مدرّسا منذ ثلاثين عاما وكان واضحا لديّ أن التلاميذ لا يتمثّلون المدرسة كفضاء يهِبُهم بعض السعادة بالرغم من أن دور المدرسة بالنسبة إليّ ليس محمولا فقط على بلوغ أهداف أكاديمية، بل كذلك على إيقاظ بهجة التعلم وجعل شُعلة الإقبال على التعلّم متّقدة بشكل مستمرّ…. أعتقد أن المدرسة غالبا ما تُجرّدنا من الفضول والاندهاش. وعكس كل تأكيدات المعارف في علم النفس، كثيرون هم المدرّسون الذين يعاملون تلامذتهم باعتبارهم “آلات للتعلّم”  تُعيد إنتاج محتويات معيّنة. بينما لو اعتبر المعلّمون أنه يتعين عليهم البحث عن الكنوز بدلا من البحث عن الأخطاء لاستفاد الطرفان.  كنت منشغلا خاصة بالتلاميذ القادمين من أوساط اجتماعية متواضعة والمتأثرين بشكل سلبي جدا على مستوى علاقتهم بالمدرسة حتى فقدوا تماما متعة التعلم. دروس السعادة تصلح لتأكيد الشخصية وإحكامها وعديد الدراسات تُظهر أن الأشخاص الفرحين والمُبتهجين يتخاصمون أقل ويكونون في حالة صحية ونفسية أفضل ويستوعبون أكثر ويبدعون أحسن.

سؤال : ما هو برنامج دروس السّعادة ؟

جواب : أن تكون مسرورا ومتملّكا للكفايات الاجتماعية الأساسية، هذه هي غاية دروس السعادة. ويتضمن ذلك، البحث الدائم عن المعنى وحرية الفعل وأن تُحسّ بالأمان وأن تبني علاقات اجتماعية نقية وأن تتعلّم كيف تتآلف مع ذاتك وتسيطر على المحيط وتُنمّي شخصيتك.

ويمكن تنظيم كل هذا ضمن أربع أسئلة : من أنا ؟ ما هي حاجياتي ؟ ما الذي أقدر على فعله ؟ ماذا أريد ؟ يتعلم التلاميذ كيف يكونون واعين بأحلامهم وحاجياتهم، وكيف يبلورون أهدافا انطلاقا من ذلك والبحث عن الوسائل والإمكانيات الكفيلة ببلوغها. لكنهم يتناولون أيضا الفشل ومواطن القصور في ما يأتونه من أفعال وتمارين. فمن المهم التدريب بشكل مُبكّر على التصرف في الفشل واعتباره فرصة ثمينة حتى يكون الفرد قادرا على مواجهة تحديات اللاحقة.

سؤال : كيف تُشبّه ساعة درس في السعادة ؟

جواب : تبيّن أنه من المُجدي المزج بين المعارف النفسية والتمارين التطبيقية التي تستهدف نقاطا حساسة من أجل ترسيخها بشكل أفضل في الذهن. أحد تلاميذي يُعرّف الدرس على النحو التالي : “ما يُعلّموننا إياه في درس القيم والأخلاق، نتدرّب عليه في درس السعادة“. بالنسبة إلى تلاميذ الابتدائي، هنالك تمرين جيد لتكريس قيمة تثمين الذات: طفل جالس والآخرون يمرّون ويهْمِسون بكلام عذب وطيب في أذنه. وتكون النتيجة أن الأغلبية المطلقة من التلاميذ يشعرون بمتعة كبيرة في تلقّي المجاملات أو إرسالها ويكتشفون أن الانسان يشعر بالقرف عندما يوجّه ملاحظات مُهينة نحو الآخرين. أما بالنسبة إلى الإعدادي، فقد ابتكرت لعبة “معبد الفضائل” التي تتأسس على تعليم الفضيلة على طريقة أرسطو (حلّ المشكلات والصعوبات المتأتية من الاعتقادات السائدة حول موضوع ما) يقوم خلالها التلاميذ بتحديد ملمحهم الشخصي ويحاولون تحسّس مواطن القوة في مزاجهم.

البروفيسور إ. ف.شوبرت

سؤال : ما هو أثر دروس السعادة على الناشئة ؟

جواب : المتابعة العلمية تؤكد أن التلاميذ يُطوّرون تثمينا أفضل للذات ويُعبّرون عن تفهّم وانفتاح أكبر على بعضهم البعض ويجرؤون بشكل أوضح ويتابعون أهدافهم بتفاؤل بيّن. واللافت أيضا أن التلاميذ يكتشفون خصالا في شخصيتهم هم غير واعين بها.

سؤال : كم من مدرسة تبنّت هذا المنوال ؟

جواب : مئات المدارس في ألمانيا ومثلها في النمسا وكونّا منذ 2009 أكثر من 700 من المدرّسين المختصّين في معهد فريتز شوبيرت.

ثلاث حقائق ذات دلالة مؤسِّسة أستشفّها شخصيا من خلال هذه التجربة الألمانية :

أولا : السعادة ليست غُنمًا شخصيا بل هي نسيج من الوشائج ذات البُعد الاجتماعي والعلائقي قبل كل شيء.

ثانيا : البهجة والسعادة ومتعة التعلّم وجودة الحياة المدرسية… مصطلحات وقيمٌ لا أثر لها مُطلقا في نصوصنا القانونية والتوجيهية للتربية، بل أكثر ما يشدّ انتباهنا فيها هو “التصدي لظواهر العنف والإدمان والتنمّر والغشّ وسوء الأخلاق والسلوك…” أي كل ما هو سلبي وباعث على الإحباط.

ثالثا : العالم ليس بحاجة إلى أدلّة إضافية لتأكيد أن النجاح المدرسي مرتبط في جزء كبير منه بطبيعة العلاقات الاجتماعية مع العائلة والأقران والمُدرّسين، وكذلك بالصحة النفسية وحقيقة المشاعر التي تمتلئ بها الناشئة حيال الطرق المؤدّية إلى المدرسة والإحساس بالانتماء إليها. فالاقتدارات المعرفية مهمّة ولكن نجاح التلاميذ مرتهن أيضا بمنسوب رفاههم وراحتهم النفسية داخل الفضاء المدرسي. 

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار