“عندما يسُوء كل شيء، يرتقي التفاؤل إلى درجة الواجب الوطني”
جدول الأوقات في مئات المدارس الألمانية قد يكون على النحو التالي : الاثنين 24 أكتوبر، الثامنة صباحا : درس في الحساب يليه درس في الألمانية ثمّ درس ثالث في السعادة… وهو درس نظامي إجباري يدوم ساعة كل أسبوع في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.
منصف الخميري
أليست سعادة حقيقية هذه أن ترى ابنتك أو ابنك يحضُر درسا إجباريا يُؤمّنه معلّم أو أستاذ تلقّى تكوينا خصوصيّا لمدة سنة كاملة بالإضافة إلى تكوينه الأساسي في مجال التدريس، ويتعلّم خلاله كيف يكون مُتصالحا مع ذاته ومع أقرانه وكيف يكون قويّا في وجه الاحباطات التي تعترضه ؟
أؤكّد بشكل متعمّد على التكوين الأكاديمي والعلمي المختصّ لمن يتولّى تدريس هذه المادّة في ألمانيا والنمسا للتفريق منذ البداية بين “تنمية الذات” كمفهوم علمي أسّس له عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو مُطلِقا عليه “تحقيق الذات” في أعلى هرم الحاجيات البشرية (وهو حاجة الفرد إلى تحقيق ذاته مُوظّفا كل مُقدّراته) وبين “التفكير الإيجابي” و “علم النفس الإيجابي” اللذين تدعو لهما الخيمات الدعويّة للتنمية البشرية التي تؤسّس لتيار فكري كوني يلقى رواجا كبيرا اليوم خاصة بين النفوس المرتجّة يسمّونه “السعادوقراطية” happycratie أي أن تكون سعيدا رغما عنك ورغم ظروفك.
يقول الصحفي الفرنسي جان لوران كاسيلي الذي ألّف كتابا حول موضوع مغالطات التنمية البشرية: “خلال الفترة التي تلت أزمة 2008 والتي تعمّقت فيها الفوارق وتقلصت فيها حظوظ الحركية الاجتماعية وانكمش فيها سوق العمل، أصبحت الدعوة إلى التحلي بالحماس والإيجابية والاستقلالية عبارة عن تحميل الأفراد مسؤولية كل التوازنات المختلة”.
وُلدت فكرة بعث دروس نظامية في السعادة بمدينة هايدلبرغ (عاصمة الرومانسية في ألمانيا التي ألهمت الشاعر الكبير هولدرلين وحيث توجد أعرق الجامعات التي يؤمّها بعض المتفوّقين التونسيين من شعبة الرياضيات) على يد إرنست فريتز شوبرت الذي مارس مهنة التدريس لمدة ثلاثين عاما قبل أن يؤسس معهدا متخصّصا يُكوّن المدرسين في مجال تقنيات تدريس السعادة .
وهذا نص الحوار الذي أُجري مع مؤسّس هذا الدرس في أحد المواقع الرسمية الألمانية :
سؤال : كيف خطرت ببالك هذه الفكرة ؟ وهل من الضروري أن نُعلّم تلاميذنا في ألمانيا كيف يتحسّسون السعادة ؟
جواب فريتز شوبيرت :
كنت حينها (بدايات القرن الحالي) مدرّسا منذ ثلاثين عاما وكان واضحا لديّ أن التلاميذ لا يتمثّلون المدرسة كفضاء يهِبُهم بعض السعادة بالرغم من أن دور المدرسة بالنسبة إليّ ليس محمولا فقط على بلوغ أهداف أكاديمية، بل كذلك على إيقاظ بهجة التعلم وجعل شُعلة الإقبال على التعلّم متّقدة بشكل مستمرّ…. أعتقد أن المدرسة غالبا ما تُجرّدنا من الفضول والاندهاش. وعكس كل تأكيدات المعارف في علم النفس، كثيرون هم المدرّسون الذين يعاملون تلامذتهم باعتبارهم “آلات للتعلّم” تُعيد إنتاج محتويات معيّنة. بينما لو اعتبر المعلّمون أنه يتعين عليهم البحث عن الكنوز بدلا من البحث عن الأخطاء لاستفاد الطرفان. كنت منشغلا خاصة بالتلاميذ القادمين من أوساط اجتماعية متواضعة والمتأثرين بشكل سلبي جدا على مستوى علاقتهم بالمدرسة حتى فقدوا تماما متعة التعلم. دروس السعادة تصلح لتأكيد الشخصية وإحكامها وعديد الدراسات تُظهر أن الأشخاص الفرحين والمُبتهجين يتخاصمون أقل ويكونون في حالة صحية ونفسية أفضل ويستوعبون أكثر ويبدعون أحسن.
سؤال : ما هو برنامج دروس السّعادة ؟
جواب : أن تكون مسرورا ومتملّكا للكفايات الاجتماعية الأساسية، هذه هي غاية دروس السعادة. ويتضمن ذلك، البحث الدائم عن المعنى وحرية الفعل وأن تُحسّ بالأمان وأن تبني علاقات اجتماعية نقية وأن تتعلّم كيف تتآلف مع ذاتك وتسيطر على المحيط وتُنمّي شخصيتك.
ويمكن تنظيم كل هذا ضمن أربع أسئلة : من أنا ؟ ما هي حاجياتي ؟ ما الذي أقدر على فعله ؟ ماذا أريد ؟ يتعلم التلاميذ كيف يكونون واعين بأحلامهم وحاجياتهم، وكيف يبلورون أهدافا انطلاقا من ذلك والبحث عن الوسائل والإمكانيات الكفيلة ببلوغها. لكنهم يتناولون أيضا الفشل ومواطن القصور في ما يأتونه من أفعال وتمارين. فمن المهم التدريب بشكل مُبكّر على التصرف في الفشل واعتباره فرصة ثمينة حتى يكون الفرد قادرا على مواجهة تحديات اللاحقة.
سؤال : كيف تُشبّه ساعة درس في السعادة ؟
جواب : تبيّن أنه من المُجدي المزج بين المعارف النفسية والتمارين التطبيقية التي تستهدف نقاطا حساسة من أجل ترسيخها بشكل أفضل في الذهن. أحد تلاميذي يُعرّف الدرس على النحو التالي : “ما يُعلّموننا إياه في درس القيم والأخلاق، نتدرّب عليه في درس السعادة“. بالنسبة إلى تلاميذ الابتدائي، هنالك تمرين جيد لتكريس قيمة تثمين الذات: طفل جالس والآخرون يمرّون ويهْمِسون بكلام عذب وطيب في أذنه. وتكون النتيجة أن الأغلبية المطلقة من التلاميذ يشعرون بمتعة كبيرة في تلقّي المجاملات أو إرسالها ويكتشفون أن الانسان يشعر بالقرف عندما يوجّه ملاحظات مُهينة نحو الآخرين. أما بالنسبة إلى الإعدادي، فقد ابتكرت لعبة “معبد الفضائل” التي تتأسس على تعليم الفضيلة على طريقة أرسطو (حلّ المشكلات والصعوبات المتأتية من الاعتقادات السائدة حول موضوع ما) يقوم خلالها التلاميذ بتحديد ملمحهم الشخصي ويحاولون تحسّس مواطن القوة في مزاجهم.
البروفيسور إ. ف.شوبرت
سؤال : ما هو أثر دروس السعادة على الناشئة ؟
جواب : المتابعة العلمية تؤكد أن التلاميذ يُطوّرون تثمينا أفضل للذات ويُعبّرون عن تفهّم وانفتاح أكبر على بعضهم البعض ويجرؤون بشكل أوضح ويتابعون أهدافهم بتفاؤل بيّن. واللافت أيضا أن التلاميذ يكتشفون خصالا في شخصيتهم هم غير واعين بها.
سؤال : كم من مدرسة تبنّت هذا المنوال ؟
جواب : مئات المدارس في ألمانيا ومثلها في النمسا وكونّا منذ 2009 أكثر من 700 من المدرّسين المختصّين في معهد فريتز شوبيرت.
ثلاث حقائق ذات دلالة مؤسِّسة أستشفّها شخصيا من خلال هذه التجربة الألمانية :
أولا : السعادة ليست غُنمًا شخصيا بل هي نسيج من الوشائج ذات البُعد الاجتماعي والعلائقي قبل كل شيء.
ثانيا : البهجة والسعادة ومتعة التعلّم وجودة الحياة المدرسية… مصطلحات وقيمٌ لا أثر لها مُطلقا في نصوصنا القانونية والتوجيهية للتربية، بل أكثر ما يشدّ انتباهنا فيها هو “التصدي لظواهر العنف والإدمان والتنمّر والغشّ وسوء الأخلاق والسلوك…” أي كل ما هو سلبي وباعث على الإحباط.
ثالثا : العالم ليس بحاجة إلى أدلّة إضافية لتأكيد أن النجاح المدرسي مرتبط في جزء كبير منه بطبيعة العلاقات الاجتماعية مع العائلة والأقران والمُدرّسين، وكذلك بالصحة النفسية وحقيقة المشاعر التي تمتلئ بها الناشئة حيال الطرق المؤدّية إلى المدرسة والإحساس بالانتماء إليها. فالاقتدارات المعرفية مهمّة ولكن نجاح التلاميذ مرتهن أيضا بمنسوب رفاههم وراحتهم النفسية داخل الفضاء المدرسي.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟