لم أجد أفضل من الشاعر والرئيس السينيغالي سنغور من بين كلّ الذين كتبوا عن علاقة الأفارقة أو بعض العرب باللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية وخاصة من بين السياسيين والكتّاب والمُبدعين بصورة عامة. كان يقول “نحن السياسيين والأدباء الأفارقة نشعر بنفس درجة الحرية في اللغة الفرنسية كما في لغاتنا الأم تماما… لأن الحرية تُقاس بمدى قوّة الأداة التي نستعملها وتقاس أيضا بدرجة العمق الذي يكون عليه خطابنا وإبداعاتنا”.
<strong>منصف الخميري<strong>
ومن المُفارقات في مسيرة ليوبولد سنغور السياسية والثقافية عموما أنه عندما أنتُخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية (سنة 1983 في الكرسي السادس عشر/40) مثله مثل كبار اللغة الفرنسية وفرسانها كمونتسكيو ودوما وكليمنسو ويورسنار وآسيا جبّار ولامارتين ودورميسّون وراسين وهوغو وكورناي وسيمون فايل… قُوبل بشيء من الاستهزاء في بعض الأوساط الشبابية السينيغالية التي اعتبرته “طوبابا” أبيض مُلوّنا بالأسود وفي أحيان أخرى طوبابا أسود ملوّنا بالأبيض. لكنّه بصورة عامة عرف ـ مثله مثل المرحوم الحبيب بورقيبة الذي ساهم هو الآخر بشكل نشيط في بعث تيّار الفرنكوفونية-ـ كيف ينزع فتيل هذا الصراع الزائف بين اللغة الأم واللغات الأجنبية ويُوظّف إشعاعه ومكانته وحظوته في الدوائر العالمية لخدمة قضيّة بلاده واستقلالها وتطوّرها… إلى جانب دفاعه التاريخي غير المسبوق (هو والكاتب المارتينيكي إيمي سيزار) عن قضية إخوتنا ذوي البشرة السوداء.
أعود مُرغما مرة أخرى إلى مسألة الفرنكوفونية المنعقدة قمّتها هذه الأيام تحت سمائنا نظرا لتفاقم ظاهرة ازدراء هذا المشترك اللغوي والثقافي الذي يجمع عديد شعوب العالم والتي بلغت حدّ السّباب والشتيمة والتخوين واعتبار كل من يبحث عن بعض مواطن “التوظيف الإيجابي” للفرنكوفونية في اقتصادنا وتنميتنا وتعليمنا وثقافتنا… هو بالضرورة من أنصار التبعيّة والاستعمار والانبتات الثقافي والحضاري.
تنتابني رغبة جامحة إزاء كل هذا في تدوين بعض الملاحظات الهادئة التي أضعها على طاولة النقاش السّاخن :
أولا : العربية الأمّ مُرضعة وحاضنة وملجأ ومنبع عطاء لا ينتهي
من لا لغة أمّ له، لا يمكن أن ينفتح على لغات أخرى لأنه لا يكفي أن تُقبِلَ على لغة ما وتلجأ إليها وتطلب ودّها حتى تحتضِنَكَ، لا بدّ مقابل ذلك أن تستشعر رغبة صادقة لديك واستعدادا عفويا لتقبّل لون بشرتها والشذى المنبعث منها وتقلّب مزاجها وقساوتها أحيانا …حتى تُقبِل عليك هي أيضا، كما الجياد الأصيلة لا تلينُ لراكبها إلا إذا كان يُتقن فن الطيران دون أجنحة ويقدر على التعامل معها بما يلزم من الليونة والاحترام والتّوقير.
قد لا نكون ـ نحن أو أبناؤنا ـ من المُجيدين الكبار للغة العربية الفُصحى لأسباب موضوعية تاريخية، منها ما يتصل بسطوة العاميّة في خطابنا اليومي ومنها ما يتعلق بمناهج التدريس وبرامجه وسياسات الدولة في المجال الخ… ولكن لا أعتقد شخصيا أن حضور الفرنسية أو اللغات الأجنبية الأخرى هو السبب في جعلنا نواجه كل هذه الصعوبات في تعاطي العربية نطقا وكتابة وتوظيفا بحثيا ودراسيا في شتى المجالات. يبدو لك أحيانا أمام طريقة تدريس العربية لأبنائنا وتفاعل هؤلاء مع ما يُقدّم لهم من دروس ومضامين أنك إزاء تعلّم لغة أجنبية صارمة… نظرا للضيق المتزايد والمتعاظم في إيجاد السياقات اليومية التي نستعمل فيها قواعد اللغة العربية وأحكامها. فلا أعرف مجالا واقعيا يوميا واحدا نضطر فيه لاستعمال العدد والمعدود و”المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح” والحروف العاملة والحروف المهملة… بحيث يُفرض علينا اليوم تبسيط اللغة العربية في مناهجنا وربطها بسياقات العصر ومقتضياته والعمل على إضفاء كل الأبعاد اللعبيّة عليها وجعلها مفضّلة لدى الأطفال وتنظيم التظاهرات الكبرى (كما حدث مؤخرا في البطولة الوطنية للمطالعة بالقاعة المغطاة برادس) التي تُحفّز على القراءة وإعادة بناء الجسور مع لغة أمّ أصبحت مهدّدة في كيانها. فالعربية ليست أقلّ شأنا ولا أقل جدارة بالبقاء والتطور من اللغات الصينيّة أو اليابانية أو الهندية التي يتكلّمها أهلها بشكل طبيعي وخلاّق دون ترذيل أو ذوبان في اللغات الاجنبية وأيضا دون ازدراء أو تحقير للّغات الأخرى.
ثانيا : اللغة الأجنبية كنّة وليست ضرّة
نكتة قبل البدء :“الفرنسيون يُفاخرون بأنهم يتعاطون اللغة الفرنسية بشكل جيّد…لأنهم لا يتكلمون أية لغة أجنبية !“
لديّ تقدير بأن اللغات الأجنبية بنات جميلات تزوّجهنّ أبناؤنا (أو شبّانا على درجة من الوسامة تزوّجتهم بناتنا) فأنجبن أو أنجبوا وِلدانًا باهرين هم اليوم بمثابة انفتاح شبابنا على ثقافات العالم وقدرتهم الفائقة على اقتحام سوق العمل العالمية لا فقط بفضل مهاراتهم العلمية والتكنولوجية بل وأيضا بفضل إتقانهم للّغات الأجنبية وتكلّمها بطلاقة.
صادف مرّة أن تمّ تقديم مهندسة تونسية في إحدى الشركات السويديّة على أنها كفأة في مجالها وتحذق اللغتين الفرنسية والانكليزية… فأجاب مسؤول الانتدابات السويدي بذلك المجمع المهني بأن صاحب التقديم اقترف حشوا مضاعفا (بمعنى تكرّر معنى لا موجب له pléonasme ) لأن كلمة مهندس تونسي لوحدها تؤدّي المعنى كاملا دون إضافات زائدة !
فاللغات الأجنبية إذن هي فرصة وامتياز… وليست عائقا واغترابا. ولم يتأتّ هذا الرصيد الثمين من القدرة على تعاطي لغات العالم بأسره صدفة بل هو نتيجة مسار تعليمي طويل آمن بخطر الانغلاق وعمل على ترسيخ قيمة حضارية لم تُتَح لغيرنا من الشعوب تمثّلت في إنفاذ شعار عزيز على مدرستنا التونسية عبر كل الحقبات وهو “العمل علىتأصيل الناشئة في لغتها الوطنية مع الانفتاح على لغات العالم“. قليلة جدا هي الشعوب التي تنطق لغات أخرى إلى جانب لغاتها الوطنية كما يفعل الشباب التونسي إزاء الفرنسية أو الانكليزية أو الألمانية… جرّبوا التحدث إلى ألماني في غير الألمانية أو تركيّ في غير التركية أو أمريكي في غير الانكليزية (الأمريكية) ! وبالعودة إلى صورة الأم التي تُزوّج ابنها فيصبح لديها كنّة، فأعتقد أن درجة تعلّقها بهذه الوافدة الجديدة تكون بنفس قدر السعادة التي ستترعرع بين الزوجين.
ثالثا : يٌندّدون بالفرنكوفونية ويسجّلون أبناءهم في أرقى المدارس الأجنبية
يُحزنني كثيرا أن أرى نفس الذين ينادون بمقاطعة الفرنسية بل وإدانتها باعتبارها لغة المستعمر الغاصب (أنظروا دعوة الاتحاد الإسلامي الدولي للمحامين – فرع تونس مؤخرا إلى وقفة احتجاجية للتنديد بانعقاد القمة الفرنكوفونية في جربة باعتباره “تبعية واستعمارا”) هم أنفسهم من يُسارعون إلى تسجيل أبنائهم وبناتهم بالمدارس الخاصة (حيث يتمّ التركيز على اللغات الأجنبية منذ المستويات الدراسية الأولى) والمؤسسات التربوية الأجنبية بتونس وبالجامعات الفرنسية والبريطانية بعد الباكالوريا… لأنهم يدركون جيدا (في غفلة من شعاراتهم السياسية والإيديولوجية) أن اللغات الأجنبية هي مفاتيح لمعالجة أبواب المستقبل ونوافذ مُطلّة على نفائس الثقافة والأدب والسينما والشعر في القارّات الخمس، وأدوات فاعلة تُلوّن شهائدنا الوطنية وتُقدر أبناءنا لكي يكونوا من مواطني العالم.
وأختم في علاقة بآخر جملة في هذه الورقة بمقولة للكاتب اللبناني أمين معلوف في روايته الرائعة “التائهون” (باللغة الفرنسية) : أنا وُلدتُ في كوكب الأرض ولم أولد في بلد بعينه” … وحتى لا تُخرج هذه الجملة من سياقها الأصلي الذي كُتبت فيه، سأُترجم المقولة بأكملها :
“…أنا وُلدتُ في كوكب الأرض ولم أولد في بلد بعينه. لكن بكل تأكيد، أنا وُلدتُ أيضا في بلد، في مدينة، في طائفة، في عائلة، في قسم ولادة، في سرير… لكن الشيء الوحيد الذي يكتسي أهمية بالنسبة لي كما بالنسبة إلى كل الناس هو أن نكون أتينا إلى العالم. إلى العالم ! الولادة، هي أن تأتي إلى العالم لا أن تأتي إلى هذا البلد أو ذاك، في هذا البيت أو ذاك”.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.