تابعنا على

جور نار

عندما يتزامن احتفال اللباس التقليدي مع اليوم العالمي للرياضيات… يفوز الكبّوس وينتكس “السّينوس” !

نشرت

في

14 مارس هو اليوم العالمي للرياضيات، و 16 مارس اليوم الوطني للّباس التقليدي التونسي : حدثان مهمّان عشناهما خلال الفترة الأخيرة ولكن ليس بنفس النكهة ولا بنفس الرّوح وذات درجة الإقبال.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

ازدانت جميع ساحات مدارسنا خلال الأسبوع الماضي بجميع أنواع الحُليّ والجبّة والبرنوس والشاشيّة فوق الرؤوس والسّراويل المطرّزة والصدريّات المبرقشة في سياق الاحتفال باليوم الوطني للّباس التقليدي، وهو تقليد محمود لأنه يُعزّز الشعور بالانتماء ويُبرز عناصر بديعة في هويّتنا الوطنية وموروثنا الثقافي، ولكن عندما يتزامن الاحتفال واسع النطاق رسميا وإعلاميا ومدرسيّا بزينة المظهر وزخارف الملبس مع غياب مطلق وصمت مُطبق إزاء حدث جلل خصّص له المجتمع الدولي يوما عالميا وهو اليوم العالمي للرياضيات (وما أدراك ما الرياضيات) … يُصبح الأمر مدعاة للحيرة والتساؤل عمّا يجعل وزارة في حجم ومكانة ورمزيّة وزارة التربية في وجدان جميع التونسيين، لا تعير اهتماما لهذا الحدث الكوني وخاصة في تونس بالذات المُشرفة مدارسها على تطليق الرياضيات بالثلاث.

إن كان الأمر عفويا ومن قبيل السّهو، فعذرا حقا لأن البلدان لا يسيّرها العفويون والمزاجيون والانفعاليون، وإن كان التعتيم مقصودا فتلك مصيبة أكبر وأبشع.

أية قيمة للرياضيات ولماذا اليوم العالمي للرياضيات ؟

لا يمكن الاجتهاد في باب الوقوف على مكانة الرياضيات وأهميتها، لأن فوائدها ودورها في بناء العقل وتطوير جميع مجالات العلوم الأخرى أضحت من المسلّمات والحقائق العلمية البديهية التي أكّدها مسار الانسانية الطويل في اكتشاف ما به، تطوّر الطب والفلك والصناعة والفلاحة والملاحة وصولا إلى الحوْسبة والاتصالات والحروب الالكترونية والقذائف المسيّرة … والقدرة على كتابة نصوص أدبية وشعرية في نفس مستوى ما كتبه المتنبي وبودلير و”إدغار آلان بُو” بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي الجهنّمية الجديدة.

فالرياضيات تُدرّب على التفكير وحلّ المشاكل، والرياضيات تغذّي التفكير النقدي وتصقله أي تنمية القدرة على تطوير شكّ عقلاني يسمح بالتثبّت من أية معلومة، والتمييز بين ما هو خاطئ وما هو صحيح بناءً على برهنة موضوعية وعلمية دقيقة، والتدريب على التصرف في وضعيات مركّبة وإكساب القدرة على إجراء تحليل جيد قبل اتخاذ أي قرار أو القيام بأي ردّ فعل…

والرياضيات تسمح كذلك بتطوير المهارات المنطقية وإضفاء مرونة حيويّة على الخلايا الدماغيّة. كما تُفيد الرياضيات في حلّ عدد لا محدود من مشاكل الحياة اليومية، مثل إجراء الحسابات المالية والعمليات التجارية وتقييم هوامش الربح والخسارة وعمليات القيْس وإعداد الأطعمة حسب مقادير مدروسة، وأشغال الزراعة والنّجارة والحِدادة والبناء والتبليط وقيس الأراضي ومدّ الجسور وتوزيع المواريث…  فكلها أنشطة بشرية تستدعي منطقا وعقلا حاسِبًا وفق قواعد رياضية مضبوطة.

لماذا نبكي واقع الرياضيات في تونس ؟

لا يخفى على أحد اليوم التراجع المأساوي الذي يشهده واقع دراسة الرياضيات وتدريسها في تونس اليوم، خاصة في ضوء المؤشّرات التالية :

___الانكماش المُريع لشعبة الرياضيات كمسلك تخصّصي في التعليم الثانوي في كل المؤسسات التربوية دون استثناء، وبصفة خاصة في الجهات الداخلية التي ترتفع فيها نسبة المدرّسين غير المختصين والمدرّسين النوّاب والمعوّضين، والجهات التي لا تتوفّر فيها ظروفا موضوعية مُشجّعة على استقرار إطار التدريس وبالتالي تشكّل نواة صلبة ضامنة لعناصر جودة التكوين وبهجته (والنواة الصّلبة أو الكُتلة الحاسمة في الاقتصاد هي العتبة أو الحجم الذي معه تتحقق وفرة المردود والإنتاجية).

___المعاناة الحقيقية التي تواجهها مجالس الأقسام في نهاية كل سنة دراسية، من أجل إيجاد الحدّ الأدنى الذي يسمح ببناء قسم أو قسميْ رياضيات على أقصى تقدير في كل معهد، مما يؤدّي حتما إلى ضعف شديد في نسبة التوجيه خصوصا نحو شعبة الرياضيات ونحو الشعب العلميّة بصورة عامة.

___ثبوت العلاقة الطرديّة بين ضعف نسب التوجيه نحو الرياضيات والشعب العلمية بصورة عامة وبين نسب النجاح في الباكالوريا.  فكلما زادت نسبة المُقبلين على التوجيه نحو هذه الشعب زادت نسبة النجاح في الباكالوريا، وكلما تقلّصت (مقابل ارتفاع التوجيه نحو الآداب والاقتصاد) تدنّت نسب النجاح في الباكالوريا. (تذكر الأرقام سنويا في هذا السياق أن الجهات الأعلى ترتيبا في الباكالوريا هي الجهات الحائزة على أعلى نسب التوجيه في الرياضيات والشعب العلمية والعكس بالعكس).

___الالتحاق بالشعب الجامعية المُثمّنة اجتماعيا وشُغليّا مثل الطب والهندسة واختصاصات المحاسبة والمالية والتصرف (في مؤسسات أكاديمية بعينها) والاختصاصات حول الإعلامية وتطوير التطبيقات والبرمجة… أصبح حِكرا على جهات ومؤسسات تربوية معيّنة حيث تزدهر نسبيا شعبة الرياضيات. خاصة أن “سوق الدروس الخصوصية” تنتعش بشكل كبير جدا في الجهات التي يكون فيها مستوى العيش والقدرة على الاستثمار في دراسة الأبناء أكبر، مقارنة مع غير ها من الجهات.

___ترسّخ فكرة “غول الرياضيات المُخيف” في أوساطنا المدرسية لأن مناهج تدريسها مُنفّرة وملمح مدرّسيها بصفة عامة في خصومة أبديّة مع منهج التّيسير وإضفاء أبعاد لعبيّة وتطبيقية من الحياة اليومية… إضافة إلى أن مقياس الرياضيات مُعتمَد في منظومة توجيهنا المدرسي “العتيدة” في كل الشعب باستثناء الاداب… بمعنى أن التلميذ الذي يبلغ السنة الثانية من التعليم الثانوي بمؤهلات محدودة في الرياضيات توصد في وجهه كل الأبواب باستثناء واحد فقط… لا يؤدّي حقيقة إلى آفاق واعدة.  

ماذا كان بوسع وزارة التربية أن تفعل ؟

أقول بدءًا إنني لا أطالب وزارة التربية بأن تُطلق العنان لاحتفالات وفعاليّات فكرية وبحثيّة ودراسية (وترفيهيّة لِم لا ؟!) حول الحِساب والرياضيات تكون موجّهة إلى كل الأعمار وكل الفئات، في محاولة لنزع رداء الوحش عن مادّة من أمتع المواد وأذكاها لو نعرف كيف نقدّمها للناس وكيف نفكّ رموزها وكيف ننزع عنها قِناع الغلظة والقساوة … بل أطالبها فقط بأن تتوقّف ولو قليلا عند هذا الحدث الكوْني، وتُشعرنا بأن للتونسيين دولة تواكب نسق تطور العالم وتولي أهمية لما يحدّد اليوم درجة نموّ المجتمعات وما سيحدد مستقبلا المستوى الذي سيكون عليه رفاه الشعوب.

كان بوسع وزارة التربية :

أن توجّه تحيّة لمعلّمي الحِساب وأساتذة الرياضيات ومتفقّديها تُثني فيها على مجهوداتهم المبذولة في سبيل الذّود عن هذا الجواد المدرسي الأصيل والحفاظ عمّا تبقّى من جذوة مهدّدة بالانطفاء والاضمحلال النهائي، وتُلفت انتباههم فيها كذلك إلى المخاطر التي تتهدّد عرينهم بحكم مناخ النفور العام إزاء الرياضيات وتداعيات صورتها القاتمة على نفسية أبنائنا خاصة خلال فترة الامتحانات.

 وأن تُطلق خطة وطنية من أجل تجويد تدريس الرياضيات وإعادة الاعتبار لشعبة الرياضيات في تونس التي كانت تستوعب إلى حدّ وقت غير بعيد خُمُس الموجّهين في التعليم الثانوي (في حين لا تسجّل اليوم أكثر من ثُمُن أو عُشُر ما يُوجّه نحو الاداب أو الاقتصاد والتصرف في جهات كثيرة).

وأن تدعو متفقدي المادّة وأساتذتها ومُعلّميها إلى تنظيم ورشات جهوية وإقليمية ووطنية لتدارس معضلة الرياضيات، وتشخيص العوامل التي حوّلتها عبر السنين إلى حاجز مُعيق وسببا من أسباب الفشل والانقطاع المدرسيين.

وأن تُطلق شعارا وطنيّا على هذا اليوم العالمي يكون نابعا من خصوصياتنا المحلية ويتم الاشتغال عليه وتقديم المقترحات بخصوصه مثل (الفتيات والرياضيات) أو (الرياضيات والعلوم التجريبية : هل يمكن إدماجهما؟) أو كذلك (الرياضيات في شعبة الاقتصاد أية أهمية؟) أو الرياضيات عند العرب القُدامى، الخ…

وأن يتمّ تنظيم أولمبياد وطنية للرياضيات تُرصد لها جوائز مُحفّزة بشكل حقيقي لا تستهدف التلاميذ “النوابغ” في الرياضيات فحسب، بل خاصة أولئك التلاميذ الذين يُبدون نفورا وتوجّسا وخوفا تجاه هذه المادّة.

ملاحظة أخيرة : يتّفق عديد الدّارسين حول العالم أن دراسة الرياضيات تكون أنفع وذات مساهمة أكبر في بناء شخصية متوازنة ورياديّة للتلميذ والطالب عندما تقترن بدراسة الفنون و/أو الرياضة… لأن ذلك يجعله يكتشف أبعادا أخرى لم يكن ليعرفها لو ظل حبيسا في عالم العلامات والرموز المجرّدة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار