يجدر التنبيه في مستهلّ هذه الورقة إلى أن المستجدّ الأكبر في “عاصفة التشات جي بي تي” Chat GPTهو الرسالة التي تمّ نشرها مؤخرا والتي أمضاها حوالي 1000 خبير متخصص في مجال الذكاء الاصطناعي (ومنهم إيلون موسك صاحب شركات سبايس إكس وأوبن آي وسيارات تيسلا…) تُطالب بإقرار استراحة بستّة أشهر في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، وذلك على خلفيّة المخاطر المحتملة التي قد تلحق المجتمع والانسانية… في انتظار وضع بروتوكولات مشتركة للسلامة يقع إنفاذها ومراقبتها من قِبل خبراء مستقلّين.
<strong>منصف الخميري<strong>
تقول الرسالة “لا يجب تطوير أنظمة قوية جدا للذكاء الاصطناعي إلا متى تأكّدنا أن تأثيراتها إيجابية وأن مخاطرها يمكن التصرّف فيها”. وتأتي هذه الهواجس في وقت نشرت فيه الوكالة الأوروبية للشرطة (أوروبول) تقريرا تحذّر فيه من الاستعمال المفرط لأنظمة شبيهة بـ“تشات جي بي تي” في عمليات القرصنة ونشر الأخبار الزائفة والإجرام السيبرني وسائرعمليات الاختراق التي تستهدف الأفراد والمؤسسات. هذا بالإضافة إلى بعض المختصين الذين يتوقّعون فقدان حوالي 300 مليون مركز عمل في العالم لو بلغت هذه التطبيقة أوج عطائها.
حاولتُ شخصيا محاولة فهم أسرار هذه الزّوبعة الكونية غير المسبوقة التي أثارها إطلاق آخر مُنتجات الذكاء الاصطناعي و السعي إلى رصد أهم خصائصه انطلاقا من عدد كبير من الأسئلة العملية طرحتها عليه وتلقّيت حولها إجابات محدّدة.
الخاصيّة الأولى : تشات جي بي تي (المحوّل التّوليدي المدرّب مسبقا للدردشة) يسعى إلى محاكاة البشر بكفاءة عالية
يُعرّف تشات جي بي تي نفسه بكونه نوع من الذكاء الاصطناعي المعروف باسم النماذج اللغوية العميقة (Deep Language Models) التي تمّ تدريبها على مليارات النصوص والبيانات اللغوية، وتستخدم هذه النماذج اللغوية تقنيات مثل تحليل اللغة الطبيعية وتعلم الآلة والتعلم العميق والشبكات العصبية للتعلم والتفاعل مع المستخدمين بشكل ذكي وفعّال.
يشترك شات جي بي تي مع محرّك غوغل على سبيل المثال في إتاحة البحث عن معلومات أو مراجع أو أرقام والحصول عليها. لكن تشات يتميز بثلاث خصائص أساسية :
معالجة الخطاب الطبيعي (أي الخطاب البشري، لذلك هو قادر على إنتاج نصوص قريبة جدا من اللغة التي يستخدمها البشر في حياتهم اليومية) بحيث يكون تشات قادرا على فهم الأسئلة أو الشتائم أو المجاملات التي توجّه إليه والتفاعل معها حينيّا على عكس البرمجيات التقليدية التي لها فهم محدود لما يقوله المستخدمون.
يتميّز تشات بالتنوّع والشمولية لكونه أداة قادرة على فعل أكثر من البحث عن المعلومات، فهو قادر على إجراء محادثات والإجابة عن أسئلة دقيقة أو حتى إطلاق بعض المزاح أحيانا بما يجعل منه أداة متنوعة الاستخدام.
تشات سهل الاستخدام إذ يكفي أن تطرح سؤالك (كما هو مطروح في ذهنك) ليبدأ البرنامج في التفاعل، على عكس محركات البحث التقليدية التي تستدعي دقة في وضع الكلمات المفاتيح المناسبة للحصول على صفحات الويب المتضمّنة لتلك الكلمات.
الخاصيةّ الثانية : تشات يقترف أخطاء بدائية
لم يمضِ على إطلاق تشات أكثر من خمسة أشهر بما يؤكد أن هذا “العون التحادثي” مازال في خطواته الأولى والمشرفون على تطويره يعترفون أن أداءه مازال متعثّرا في الكثير من المسائل، لذا هو يتطوّر كل يوم بحكم الردود والتفاعلات التي تعود إليه من ملايين المستعملين عبر العالم وعبر كل اللغات.
في سياق الحديث عن اللغات، حصلت لي طرفة مع هذا المولود والمولّد، سألته “هل تستطيع التخاطب مع الناس في كل اللغات ؟“، فأجابني “نعم في العديد من اللغات : الانكليزية والفرنسية والاسبانية والألمانية والايطالية والبرتغالية واليابانية والصينية والكورية وعديد اللغات الأخرى…”
فسألته : ولماذا تناسَيْتَ اللغة العربية والحال أنني سألتك سابقا بالعربية وأجبتني ؟
قال : “أعتذر عن هذا السّهو في ذكر اللغة العربية في إجابتي السابقة وأؤكد أن شات قادر على فهم وتوليد نصوص باللغة العربية…”، فكدتُ أقول له “ميسالش يا راجل لا حرج عليك” !
قلتُ إذن أن تشات مازال يقترف العديد من الأخطاء وحتى البدائية منها لأنه لم يسبق أن تمّ تدريبه عليها كفاية بما يفرض ضرورة التحرّي والحذر فيما يقدمه من معلومات ومقترحات ونصوص.
سألته مرّتين “ماذا تعرف عن منصف الخميري ؟” أجابني في المرة الأولى على أنه رجل دين وفقيه تونسي وعمل كإمام وخطيب وأستاذ للفقه والأصول في عدة جامعات ومؤسسات دينية” وفي الثانية بــ “أنه رجل سياسة تونسي ترأس البرلمان من 1999 إلى 2001 ” … والحال أنني لا أعرف مطلقا أحدا من “الخمايرية” بهذه المواصفات ǃ
المثال الثاني : سألته عن القواعد اللغوية التي تحكم رسم “العدد” في اللغة الفرنسية فكانت إجابته جديرة بأن يُسند لها صفرٌ لو أتاها تلميذ في فرض كتابي.
الخاصيّة الثالثة : تشات يحاول أن يكون محايدا وغير مصطفّ سياسيا
سألتُه “هل كان من حق الأمريكيين تدمير العراق بدعوى امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل” ؟
أجابني : “لا، لم يكن للأمريكيين الحق في تدمير العراق بدعوى امتلاك أسلحة دمار شامل. فقد تم إدانة العراق دوليًا في الماضي بسبب برامجه النووية والكيميائية والبيولوجية، وتم فرض عقوبات عليه بسبب ذلك. ولكن، فرض العقوبات لا يعني أن الأمريكيين كان لديهم الحق في الدخول إلى العراق وتدميرها. بالإضافة إلى ذلك، تبيّن فيما بعد أنه لم يكن هناك أسلحة دمار شامل في العراق، وأن الدعوى التي استندت إليها الحرب كانت خاطئة”.
المثال الثاني :
سألته عن ” مدى رمزية احتفال الفلسطينيين بيوم الأرض يوم 30 مار س من كل سنة“، فكانت إجابته كالتالي :
“يعتبر يوم الأرض في الذاكرة الفلسطينية يوما مشحونا بالدم والمعاناة والصمود. حيث يعود تاريخ الاحتفال بهذا اليوم الى عام 1976 عندما نظمت السلطات الاسرائيلية مخططا للمصادرة القسرية للأراضي الزراعية في منطقة الجليل الأسفل والنقب الشمالي والجنوبي مما أدى الى اضراب عام واسع النطاق واحتجاجات ومظاهرات في جميع انحاء الاراضي الفلسطينية المحتلة في ذلك الوقت، وأسفرت هذه الاحداث عن مقتل وجرح العديد من الفلسطينيين … حيث يستذكر الفلسطينيون معاناتهم ومحنتهم ويؤكدون على حقهم في الحياة الكريمة والعيش بحرية وسلام في أرضهم المحتلة”
وهكذا يتضح أن تشات لا ينهل فقط من النصوص المعادية للعراق وللقضية الفلسطينية على سبيل المثال، بل يتدرّب عليها وعلى نقيضها ويُفرز نصوصا تتوافق مع التوجهات الدولية العامة التي تحاول التزام الموضوعية والحياد.
الخاصيّة الرابعة : مازال تشات لا يُجيد كتابة الشعر … بل لا يفرّق أصلا بين الشّعر والشّعور
سألت تشات إن كان بإمكانه ترجمة هذا البيت الشعري لألفريد دو فينيي من قصيدة موت الذئب
A voir ce que l’on fut sur terre et ce qu’on laisse Seul le silence est grand ; tout le reste est faiblesse.
فكانت إجابته :
عندما ننظر الى ما كنا عليه على الارض وما نتركه خلفنا
انما الصمت هو العظمة فكل شيء آخر ضعف (لاحظوا ركاكة الأسلوب)
ثم أضاف “وهذا البيت الشعري من قصيدة “المؤقت” للشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين… (ليته لم يُضف شيئا لم يُطالبه أحد به !)
الاختبار الثاني كان على النحو التالي :
سألته : “هل باستطاعتك كتابة قصيدة شعرية عن تونس في أربعة أبيات ؟”
أجاب :
“نعم بالطبع :
تونس الحميمة الجميلة
أرض أهل كرام يحملون الود والعرف
تاريخ مجيد وتراث مشرق
تستحق الفخر والإشادة في الشعر“
تعليقي : هذا شعر ضعيف بالتأكيد، لكن عديد أدعياء الشعر والأدب في بلادي يكتبون بهذا الأسلوب أو أدنى ǃ
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.