عرضت الجمعية التونسية للإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي والمهني في الآونة الأخيرة تقريرها السنوي الرابع حول تقييم مُجريات التوجيه المدرسي والتوجيه الجامعي ونتائجهما للسنة الدراسية الماضية (2022/2023).
منصف الخميري
وقد تقدّمت الجمعية بتقريرها إلى الرأي العام أوّلا وإلى الوزارات والهياكل المعنيّة ثانيا، إيمانا عميقا من القائمين عليها بأنه لا إصلاح حقيقيّا لأي مرفق كان، دون تفاعل جدّي بين من يُقرّر ومن يتابع، ودون رجع للصّدى تأخذه هياكل الاشراف بعين الاعتبار في تعديل سياساتها وإصلاح وهن اختياراتها، والتّقليص من الضرر الذي يلحقُ سنويّا بأجيال من الشباب إلى أدنى درجاته.
وتعميما للفائدة، سأخصّص ورقة هذا الأسبوع لحوصلة أهم الهِنات المسجّلة هنا وهناك وكبرى التوصيات التي تُرفع لوزارة التربية من ناحية ووزارة التعليم العالي من ناحية أخرى (وللدولة بصورة عامة)، علّهما يستفيقان فيستعجلان الإصلاحات المستوجبة أو يركبان رأسيهما ويستمرّان في انتهاج نفس الخيارات الوطنية “الباسلة” التي لا تضاهيها خيارات.
في التوجيه المدرسي :
يُسجّل في هذا الخصوص وبكل أسف أن وزارة التربية لا رؤية استراتيجية وطنية لها في مجال التوجيه المدرسي، ولا سياسة واضحة بالنسبة إلى خارطة الشُعب والاختصاصات والتوازن بين المسالك وبين الجهات. وممّا يدلّل بوضوح على أن بلادنا تُبحر بشكل أعمى في هذا المجال أن الوزارة تفتقر اليوم إلى الأرقام الوطنية الموضّحة للكيفية التي يتوزّع بها تلاميذ “الثانية ثانوي” على مختلف الشعب المدرسية… حتى يتمّ إجراء التعديلات اللازمة والمراجعات الضرورية قبل فوات الأوان، إن لم يكن قد فات بعدُ !
قراءة في توزّع الناجحين في باكالوريا 2023 على مختلف الشعب المدرسية،أهم الاستنتاجات :
أولا : التضخّم غير المسبوق في عدد الناجحين بشعبة الاقتصاد والتصرف، إذ يمثّلون لوحدهم ثلث العدد الجملي للمُحرزين على شهادة الباكالوريا (30.60% ) في وضع يتميز خاصة بالعجز الذي عبّرت عنه وزارة الاستقبال عديد المناسبات، في توزيع كل هذه الأدفاق المكثّفة من الطلبة الجدد المُحرزين على الباكالوريا بمؤهلات متوسّطة عموما. فعلى سبيل المثال :
نجح 2380 تلميذا في شعبة الاقتصاد والتصرف بمعدلات أقل من 10 في الدورة الرئيسية (بين 9 و 9.75) مقابل 26 فقط في شعبة الرياضيات.
§ 933 بين 9.75 و 10 في الاقتصاد مقابل 18 فحسب في شعبة الرياضيات.
§ 6134 تلميذا من باكالوريا اقتصاد وتصرف نجحوا بمعدل بين 10 و 12، مقابل 1565 فقط في الرياضيات
§ 2014 تلميذا في شعبة الرياضيات نجحوا بمعدلات بين 15 و 20 مقابل 432 تلميذا فقط من شعبة الاقتصاد استطاعوا بلوغ هذا المستوى من المعدّلات…
بما يؤشر على أن أغلبية الناجحين في شعبة الاقتصاد والتصرف يجتازون عتبة الباكالوريا بمعدلات متدنّية أو متوسطة جدا، تؤثّثها أعداد غير متميّزة عموما في المواد الأساسية (الرياضيات واللغات والتصرف والإعلامية) التي تتطلبها شعب التميّز في التعليم العالي في مؤسسات جامعية بعينها مثل معهد تونس للأعمال أو معهد الدراسات التجارية العليا بقرطاج أو المعهد الأعلى للتصرف بتونس … التي ظلّت على امتداد سنوات طويلة حِكرا على ذلك العدد الصغير من المتميزين (432 تلميذا في هذه الحالة… من جملة عدد غفير من الناجحين : حوالي 20 ألفا بالنسبة إلى سنة 2023).
ثانيا : الباكالوريا “آداب” تقلّص حجمها نسبيّا ولكن لفائدة الاقتصاد والتصرف وليس لفائدة الباكالوريات العلمية !
يبدو عدد الناجحين في الباكالوريا آداب (حوالي 10 آلاف… وهو نفس المستوى تقريبا في العلوم التقنية (9211) أو في العلوم التجريبية (13602) ) غير مرتفع بشكل يبعث على الانشغال لكنه يدعو إلى التوقّف النّقدي عنده لأن :
إضافته إلى عدد الناجحين في شعبة الاقتصاد (30267 بين الشعبتين أي حوالي نصف عدد الناجحين في كل شعب الباكالوريا الأخرى هذه السنة) يجعل من الكتلة الجملية للناجحين في هاتين الشعبتين محيّرة إلى حد كبير وتستدعي إجراء مُراجعات جوهرية عاجلة على مستوى مُدخلات التعليم الثانوي، لأن التدنّي الحادّ في تشغيليّة خرّيجي المسالك الجامعية المفتوحة أمام حاملي هاتين الباكالوريتين وعدم توصّل التعليم العالي إلى تجديد المسالك التقليدية وإخصابها في “اللغات والعلوم الانسانية والاجتماعية وباقي الشعب القريبة منها مثل الثقافة والتراث والتوثيق …” حوّلا هذه المسالك إلى شعب مهجورة وغير جذّابة مقارنة بالشعب المعروضة على باقي الباكالوريات وخاصة العلمية منها.
هذا بالإضافة إلى استقرار مضامين التكوين في التعليم الثانوي لمدة عقود وعدم التركيز على مهارات واقتدارات تطلبها الجامعات مثل الثقافة العامة والتواصل الشفوي والكتابي ومقاربة المشروع الخ… بما لا يسمح بولوج التعليم الأكاديمي بفعالية ودُربة وقدرة على الاستمرار. وهو أمر يُسهّل تعويم هذه الإخلالات الهيكلية وإلقاء كل طرف بالمسؤولية على الطرف الآخر، فالتعليم العالي يعتبر أن ملمح الباكالوريات الوافدة عليه لا يفي بالغرض، والتربية تطالب التعليم العالي بإعادة هيكلة مسالكه وتعديل برامجه لتُناسب الناجحين المُرسلين إليه، وتظل أجيال بكاملها تدفع ضريبة تقاذف الكرة والتردّد واللامبالاة الرسميّين !!!
يُذكر في هذا الخصوص بأن 1634 تلميذا في باكالوريا آداب نجحوا بمعدلات دون الـ 10 (17% ) و 3014 بمعدلات بين 10 و 12. وبالتالي فإن مجموع 4648 تلميذا أي حوالي نصف الناجحين من باكالوريا آداب معدلاتهم أقل من 12/20، وهو ما يعكس ملمح الأغلبية الساحقة من المحرزين على باكالوريا آداب في بلادنا. (علما بأن هذه الأرقام تهمّ نتائج الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا 2023 فقط، ولا تشمل نتائج دورة المراقبة التي تتكثّف فيها الأعداد المتوسطة والمتدنية بالرغم من الطريقة المُجزية التي تُحتسب بها أعداد المواد بين الدّورتين بالنسبة إلى وزارة التربية) .
هذا، فضلا عن أن عدد المترشحين لاجتياز باكالوريا آداب واقتصاد من الجهات الداخلية (التي تتدنى فيها النتائج النهائية للباكالوريا) يعتبر مرتفعا جدا مقارنة بنظرائهم في الجهات الأخرى.
ثالثا : شعبة الرياضياتفي انكماش متواصل
تُبيّن نتائج السنة الماضية أن 10% فقط من الناجحين في الباكالوريا سنة 2023 (7007 تلاميذ) ينتمون إلى شعبة الرياضيات المُزوِّدة الرئيسية لشعب التميّز في التعليم العالي (الهندسة والإعلامية والتصرف والطب…) … وهو رقم يتضاءل من سنة إلى أخرى إذ لا تتجاوز نسبة التوجيه المدرسي نحو شعبة الرياضيات الـ 6 % وطنيا ونسبة أدنى من ذلك بكثير في عديد الجهات وخاصة الداخلية منها.
كما تبيّن الأرقام أن العلاقة الطرديّة القائمة منذ عديد السنوات بين ضعف التوجيه نحو الشعب العلمية بصورة عامة مقابل توجيه مكثّف نحو شعبتي الآداب وشعبة الاقتصاد والتصرف من ناحية وتدنّي المستوى العام لنتائج الباكالوريا في الجهات الداخلية، آخذة في التعمّق ومزيد إلحاق الضرر بأجيال بأكملها من تلاميذ الثانوي وكذلك مزيد اختلال التوازن صلب خارطة المسالك والشعب المدرسية، سواء كان ذلك بين الولايات أو حتى بين معتمديات الولاية الواحدة.
فعلى سبيل المثال، يمثّل عدد الناجحين في شعبة الآداب من جهة القصرين (322 ناجحا في الدورة الرئيسية للباكالوريا) أي أكثر من ضعف الناجحين في هذه الباكالوريا في صفاقس 2 (145 ناجحا في الدورة الرئيسية) بينما لا يتجاوز عدد الناجحين في هذه الولاية من شعبة الرياضيات 88 تلميذا مقابل 313 تلميذا من صفاقس 2 و 536 تلميذا من صفاقس 1.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
نجاح
20 نوفمبر 2023 في 09:58
تحليل عميق لمن يسمع ويعي