تحدّثنا في الجزء الأول من هذه الورقة عن أهمّ ما ورد في التقرير السّنوي الرّابع للجمعية التونسية للإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي والمهني، في ما يتصل بمحور التوجيه المدرسي وأهم الإشكاليات التي يعاني منها هذا المفترق المدرسي الهام من حيثُ خارطة المسالك والشعب الدراسية والاختلال الحاصل بين هذه المسالك في ما بينها وبين الجهات، وتأثير ذلك على مُخرجات التعليم الثانوي وعلى وُلوج الجامعات بالنسبة إلى الحائزين على شهادة الباكالوريا.
<strong>منصف الخميري<strong>
أما الجزء الثاني والأخير فنُخصّصهُ لمحور التوجيه الجامعي وأهم ما يميّزه كجسر حاسم يؤمّن مرور آلاف التلاميذ سنويّا من مرحلة دقيقة إلى مرحلة أخرى أكثر دقّة، وكآلية يتوزّع بواسطتها هؤلاء على مئات المسارات الأكاديمية في التعليم العالي حسب كل شيء إلا حسب ما يرغبون فيه… إذ يتمّ انتقاؤهم حسب معدّلاتهم وحسبباكالورياتهم وحسب طاقة الاستيعاب المحدّدة سلفا وحسب السنّ أحيانا أو حسب دراسة مواد اختيارية بعينها من عدمها أحيانا أخرى… أمّا انتقاؤهم حسب رغباتهم وما يؤثّث حُلمهم فهو اعتبار لا أهمية له في أذهان من يقومون على هذا المرفق، إلا متى اقترن باشتراطات كميّة تحتسبها التطبيقات الإعلامية بدقة متناهية تصل إلى أربعة أرقام بعد الفاصل !
الملاحظات في هذا الباب عديدة ومتنوعة والمؤاخذات كثيرة والنقائص تتفاقم من سنة إلى أخرى، لكنني سأتوقّف عند أهمّها وحسب ما يقتضيه هذا السّياق التعبيري الضيّق :
أولا :
العائلة التونسية مستعدّة مُكرَهةً لدفع كُلفة طبع دليل التوجيه الجامعي في نسخة ورقيّة… ولكنهم يستميتون في رقمنة ما لا يُرقمن !
يُسجّل بكل أسف في هذا المجال استماتة وزارة التعليم العالي في حجب كُتيّب التوجيه الجامعي، مُكتفية بالنسخة الرقمية دون تقديم أي تفسير مقنع لهذا الإجراء غير الشعبي وغير العادل. وينبع تمسّكنا بالإبقاء على النسخة الورقية انطلاقا من اقتناعنا العميق – ومن خلال معايشتنا اليومية للناجحين الجدد في الباكالوريا وأوليائهم كل سنة – بأن المترشح للتوجيه الجامعي لا يُمكنه حسم اختياراته المصيرية بناءً على مساءلة 220 صفحة مكثّفة، والتدقيق في مئات المسالك الدراسية والمؤسسات الجامعية وآلاف المعلومات والمعطيات والضوابط والملاحظات والإحالات … كل ذلك على شاشة الهاتف الجوّال ! نحن متأكدون أن مضامين مهمة جدا طيّ هذا الدليل يتمّ إهمالها والقفز عليها نتيجة صعوبة الولوج إليها، وفي ذلك هدْرٌ غير مبرّر لفرص ثمينة تُتاح أمام الناجحين في الباكالوريا والحال أن العائلة التونسية مستعدّة تماما لدفع دينار أو دينارين لتسديد كُلفة هذا القنديل غير المُكلف.
ثانيا :
آن أوان القطع مع الاعتباطية ومنطق “ملء الفراغات” في تحديد طاقة استيعاب الشعب الجامعية
نتفهّم تماما إكراه “ضرورة إيجاد مقعد جامعي لكل ناجح في الباكالوريا”، كما نُدرك في نفس الوقت عدم تحكّم وزارة الاستيعاب (أي التعليم العالي) بأعداد من ينجحون في هذه الباكالوريا أو تلك وضرورة توزيعها وفق منطق مَا على المؤسسات الجامعية القائمة في مختلف الجهات… لكن ما نأسف له كمُتابعين عن قرب لهذه المسألة، أن لا تتلازم هذه الإكراهات مع السّعي إلى ضمان حدّ أدنى من الوظيفية والنجاعة في ارتباط بالملمح الخصوصي لكل نوع من أنواع الباكالوريا ومقتضيات التشغيلية والانتظارات المُجتمعية بصورة عامة.
ويمكن أن يتحقّق هذا الانسجام المنظومي النسبي عبر ثلاث آليّات تنسيقيّة رئيسيّة هي :
التنسيق مع وزارة التربية للاطلاع بدقّة على مضامين التكوين في التعليم الثانوي (وهو أمر مفقود تماما في اللحظة الراهنة) وضمان التواؤم والاتّساق مع ما ينتظر الناجحين في الباكالوريا من دراسات ومضامين تكوينية في مختلف المسالك التي تُفتح أمامهم جامعيّا.
التنسيق مع الهياكل ذات العلاقة مع تشغيل أصحاب الشهائد الجامعية العليا (الوكالة الوطنية للتشغيل والمعهد الوطني للإحصاء ومعهد الدراسات الاستراتيجية والبنوك المموّلة لمشاريع المتخرّجين الشبّان والجمعيات المدنية المشتغلة في المجال…) من أجل أن تكون طاقة الاستيعاب المفتوحة هنا وهناك بمقادير مدروسة تراعي اتجاهات سوق الشغل المحلية والعالمية وكذلك طول بطالة المتخرّجين من تخصّصات معيّنة أصبح يعرفها الجميع.
التنسيق مع التكوين المهني الذي يستوعب سنويا عددا من الحائزين على الباكالوريا في مستوى مؤهل تقني سام (وهو رقم تتعدد التساؤلات حول منسوبه لكن لا أحد باستطاعته الإجابة عنها) حتى تُؤخذ هذه الأعداد بعين الاعتبار في تحديد طاقة الاستيعاب النهائية، وحتى لا توصد أبواب بعض المجالات التكوينية بشكل مغلوط لا يراعي العدد الكبير ممّن لا يلتحقون بالتعليم العالي العمومي لأسباب مختلفة.
توقّف تقرير الجمعية عند بعض الإجراءات التي سنّتها وزارة التعليم العالي خلال السنة الماضية (بشكل يكاد يكون سريّا… مثلما تمّ الترفيع في طاقة استيعاب المعهد الوطني للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا أمام شعبة الرياضيات تحت الضغط دون إبلاغ الناجحين بذلك) والتي كان لها كبير الأثر السلبي على شريحة واسعة من الناجحين في الباكالوريا، والذين حاولوا جاهدين تعديل النتائج الأولى للتوجيه الجامعي بما يتناسب أكثر مع طموحاتهم وميولهم الدراسية أو بما يُقرّبهم أكثر ما يمكن من جهة سكن عائلاتهم دون جدوى.
من هذه الإجراءات :
– التخلي عن الحق التاريخي للناجحين في الباكالوريا القاضي بتمكينهم من إعادة التوجيه إلى الشعب المطلوبة التي يترشحون إليها بمجموع نقاط يساوي أو يفوق مجموع نقاط آخر موجّه خلال الدورة الرئيسية.
– الامتناع عن الموافقة على إعادة التوجيه أو النقلة نحو شعب معيّنة لتلاميذ يعيشون أوضاعا صحية أو اجتماعية حادّة جدا رغم موافقة اللجان المختصّة.
– الحجب غير المبرّر للشعب التي تتطلّب اختبارات وبعض الشعب الأخرى خلال الدورة المخصّصة للنّقل وإعادة التوجيه، بما حرم أعدادا كبيرة من الناجحين في الباكالوريا من الالتحاق بهذه الشعب رغم توفّر شرط مجموع النقاط وشرط “المهارة الخصوصية”.
– التذرّع باعتبارات واهية في قرارات عدم الموافقة على عديد مطالب إعادة التوجيه والنقلة مثل الاكتظاظ الذي تعاني منه بعض المبيتات الجامعية، والحال أن العديد من التلاميذ المعنيين يرغبون في العودة إلى جهاتهم الأصلية بحيث لا يحتاجون فيها إلى الإيواء الجامعي.
– عدم أخذ عدد المُلتحقين بالتكوين المهني في مستوى مؤهل تقني سام والمهاجرين للدراسة بالخارج (وهم بالآلاف سنويا) بعين الاعتبار، في تحديد طاقة الاستيعاب المتبقية بما جعل عديد المؤسسات الجامعية تبلغ مستوى تعبئتها القصوى بشكل صوري لا يعكس حقيقة نسب الامتلاء التي تشهدها هذه المؤسسات عند انطلاق كل سنة جامعية.
ويظل السّؤال قائما :
متى يقتنعون أننا سنُسائلهم يوما لا محالة : ماذا فعلتم لفائدة أبناء تونس حتى تكونوا جديرين بالامتيازات التي تمتّعتم بها من قوت التونسيين والكراسي التي جلستم عليها تحت يافطة الارتقاء بخدمات المرفق العام وتيسير سبل الوصول والتميّز، أمام من نجح تحت سياط كُلفة الدروس الخصوصية والعرق والدموع ؟
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.