تابعنا على

جور نار

التَيمُّم … وسياسة ترشيد استهلاك الماء !

نشرت

في

مراحل التيمم | المرسال

كنت خارجا لتوي من حبث دفعت ما جاء في أثقل فاتورة استهلاك ماء غير صالح للشرب، عكس ما يقال … فالحقيقة هي أن اغلب المياه التي توزعها الدولة لم تعد صالحة للشرب كما كانت وكنّا نعرفها، هي فقط وفي بعض المدن والجهات بالذات صالحة للاستحمام وغسل الأواني ومآرب أخرى...

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

أقول كنت خارجا بعد أن دفعت “دمّ قلبي” كما يقال حين اعترضني أحد أصدقائي من الدُعاة المدافعين والمنظرين الشرسين لتحوّل الخامس والعشرين من شهر جويلية، وهو أمر لا يهمني كثيرا فانا مع حرية الانتماء والاختلاف والتصفيق… قصفني هذا الأخير قصفا عشوائيا بابتسامة عريضة ناسفة قبل أن يقترب منّي وكأنه يدعوني إلى جلسة حول فنجان قهوة يحاول خلالها تحويل وجهتي إلى فرقة “الله واحد الله واحد” التي يديرها صحبة بعض المصفقين…والمطبلين…الافذاذ…البررة…

اقترب منّي وفتح ذراعيه مرحّبا ومحتضنا وكأني غبت عنه لسنوات، وقال “ما بك وكأنك خارج من معركة اليرموك يا صديقي؟” نظرت إليه وقلت له “حياتنا كلها أصبحت معارك يا (سعيد الصحاف)…واليوم كانت لي مشاركة في معركة القادسية”

{أسميته بالصحّاف منذ عرفت أنه من المصفقين المطبلين المدافعين دون حجة ولا برهان وبكل الطرق عن التحوّل المبارك الثاني الموافق للخامس والعشرين من جويلية، فالصحاف كان يلمّع صورة صدام وجيشه ويبالغ في نشر الاخبار الزائفة عن هزائم الأمريكان والحقيقة أنه لا يعلم شيئا عما يحدث على بعد أمتار منه… }

 قلت له: حياتنا أصبحت كلها معارك، ففي اليوم الواحد نقضي أكثر من ساعة ونصف ونحن في معارك رصّ الصفوف طمعا في الظفر والفوز برطل من السكر أو بعض المواد المفقودة التي أصبحت مواعيد وصولها وبيعها تُرصد برؤية الهلال كرمضان والعيد أو من خلال ردّ خبر من أحد الذين يعملون في الفضاءات الكبرى… وأضفت: كنت قبل قليل أدفع ما لم أدفعه منذ ولدت خلاصا لفاتورة استهلاك الماء فسعر المتر مكعب من الماء الآتي من الأرض والسماء ارتفع ولم ترتفع قوّة تدفقه، رغم أني ومنذ أكثر من شهر أعاني من قطع في التزويد لا أحد نبهني عن حدوثه مسبقا لمدّة تقارب الأربع ساعات يوميا، إضافة إلى ضعف قوة التدفّق التي نعانيها منذ اشهر الأمر الذي أعادنا إلى أكثر من أربعين سنة إلى الوراء فــ”الطنجرة” عادت للظهور في منازلنا لتسخين الماء للاستحمام وغيره…فضعف قوّة التدفق لا تسمح للسخان المنزلي بالعمل ويضطرنا للعودة إلى العادات التي تركناها حين تصورنا اننا ارتقينا وتطورنا وتقدمنا كبعض الدول الأخرى التي سبقتنا…

قال وهو يستعد لدخول المقهى “حكاية الصفّ يا صديقي هي منفعة لا مثيل لها لشعبنا اليوم…فالصفّ هو أفضل مكان لإعادة العلاقات والودّ بين الأصدقاء والأحباب، فالصفّ للظفر برطل من السكر يجمع الجميع رغم اختلافاتهم، وهو المكان الأنسب اليوم للالتقاء والتقارب وتبادل الآراء بعد أن تمّ القضاء على الأحزاب التي فرقتنا، وشتتت أهدافنا، فالهدف الذي يجمعنا أصبح واحدا وهو رطل السكر أو أي مادة ضرورية مفقودة…وحين نُوحّد أهدافنا ذلك هو الكسب الكبير لهذه البلاد…” كاد يغمى علي مما سمعته من “الصحّاف” والتزمت الصمت خوفا من أن أغضبه وأتسبب في خلاف لا موجب له…

جلس “الصحّاف” أمامي حول طاولة في مقهى “عمّ احمد العطشان” وقال وهو يبتسم ابتسامة لا أعرف معناها “ولكم في ذلك منافع كثيرة وأنتم لا تعلمون”، ضحكت ملء شدقي وقلت ” أأصبحت منظرا وتحاكي في قولك ما جاء بالقرآن الكريم يا صحّاف الكذّاب؟؟” قال”والله لا لكن سأكون واضحا معك فأنا أقرب منك فهما وتحليلا لما يريده الحكام بأمرهم في هذه البلاد وفي ما يفكرون …” قلت “وما هذه المنافع يا صحّاف…؟؟” قال “أولا لانقطاع وضعف تدفق الماء واضطراركم للعودة إلى عادة تسخين الماء في “الطنجرة” منفعتان أولاهما تعويض سياسة تحديد النسل التي نجحت تونس فيها وتركناها منذ سنوات، فحين تدرك انك لن تكون قادرا على الاستحمام بالماء الساخن دون ان ترهق نفسك بالتسخين وما إلى ذلك من معاناة ومشقّة “الطنجرة” ستضطرّ إلى النوم باكرا وستؤجل برنامج معاشرة زوجتك حتى اشعار آخر، وبذلك قد تنخفض نسبة الولادات بحوالي عشرة آلاف مولود سنويا وهو أمر قد يفيد الدولة والعائلات في إطار ترشيد مصاريف الدولة، وتحديد نسب الاستهلاك عموما…

 كما يساهم ذلك في بلورة الميزانية العامة للدولة ومنوال تنموي جديد تؤخذ فيه بعين الاعتبار نسبة التطوّر السكاني السنوي في البلاد، وأنت تعلم جيدا حجم تكاليف مولود جديد ومصاريفه اليومية في زماننا هذا، وما ستدفعه الدولة غدا حين يصل إلى سن الدراسة وصولا إلى التخرّج من الجامعة…كما يساعد ذلك الأمر على استشراف سياسة التخفيض من نسب البطالة والحدّ منها في الأجيال القادمة…أما ثاني المنافع فهي العودة إلى وسيلة شرعية في الوضوء وهي “التيمّم” فالتيمّم من الوسائل الشرعية في ترشيد استهلاك الماء والحفاظ على الثروة المائية، كما أن التيمّم والتخفيض من عدد مرّات الاستحمام شهريا سيساعد على الحفاظ على مخزوننا من المياه في المائدة المائية وسيحدّ من أزمة الماء التي بدأت تلقي بظلالها على أغلب دول العالم… وفي كلتا المنفعتين قد توفّر الدولة لخزينتها سنويا حوالي مليار من الدنانير …أظنّك فهمت ما أقصد يا صديقي؟؟؟ “

استغربت قوله ولم أصدّق ما سمعته منه ونظرت إليه قائلا “لا تقل لي أيضا إن فقدان بعض المواد الأخرى له منافع بعدد شعر الرأس…؟؟” أجابني “لا…لا… تلك مسألة أخرى، مؤامرة خارجية من بعض الدول العظمى بمساعدة بعض العملاء من الداخل… فبعض الدول لا تريدنا أن ننعم بهذا الاستقرار وهذا التحديث الذي تعيشه اغلب مناحي الحياة في بلادنا، كما أن ديمقراطيتنا الاستثنائية التي أصبحت حديث الدنيا لم تعجب بعض الذين يريدون زرع الفتنة في صفوف هذا الشعب…” قلت “حديث الدنيا… دنيا اشكون؟ أهذه قراءتك لما يقع بالبلاد يا صحّاف ؟؟” قال “نعم طبعا وهي قراءة سليمة خالية من كل مغالاة ومن كل عاطفة، هي قراءة محايدة وعقلانية…يا صديقي” قلت “بكم كيلوغرام من العلف اليوم في سوق الأعلاف يا صحّاف؟؟” قال “سل الحمير فأنا لست منهم…”

نظرت إليه وغادرت المكان وأنا أقول في خاطري… أين النخبة المثقفة في هذه البلاد لماذا تركت مكانها لأمثال “الصحّاف” ليكذب على الشعب ويغالط أصحاب القرار ويهدم كل ما بنيناه سذاجة وحقدا وانتقاما؟؟ أليست النخبة هي من يتحمّل هموم المجتمع وتوجيهه الوجهة الصحيحة…أليست هي الاقدر على تسليط الضوء على ما هو كائن، وما يمكن أن يكون؟؟ أين إعلامنا الذي نعرفه سابقا ؟؟ ماذا يمكن أن نغيّر في ظل الصمت المُريب للمُثقف، وخوف السياسي الغريب، وواقع الإعلام المُفزع والمبكي والمخزي…

أليس الاعلام هو من ينير السبيل لمؤسسات الدولة لتعرف ما يجب ان تفعله لصالح هذا الشعب؟؟ لماذا نترك إعلام الباطل يُسكت إعلام الحقّ… لماذا فسحنا المجال ليتوهّم أصحاب الباطل انهم على حقّ؟؟ ماذا جلب لنا التصفيق والتأليه والتطبيل سابقا أأفادنا في إصلاح حالنا وأحوالنا وحال الوطن؟؟ لا… فلم يصرّ بعضنا على مواصلة التصفيق؟؟ لماذا يقبل بعضنا بأن يكبّل الباطل ألسنتهم ويلجم افواههم ويخدّر ضمائرهم؟؟ أين الأحزاب من كل هذا الذي يجري، لماذا أخفت رؤوسها في التراب؟؟ ألم يحن الوقت لتنظّم نفسها وتبتعد عن الانتهازية السياسية واغتيال الضمائر بمفاهيم ضيقة خانقة، ومدمرة لمستقبل البلاد والعباد…أليس هذا دورها التوعوي الذي كثيرا ما فاخرت به؟؟

ابتعدت عن المكان وأنا أقول “الله يرحمك يا بورقيبة…برنامجك للتنظيم العائلي يتواصل بالتيمّم وهجر زوجاتنا في الفراش بسبب انقطاع التزود بالماء الصالح للاستحمام وضعف تدفقه عبر الشبكة… فانقطاع الماء الصالح للاستحمام يعوّض وسائل منع الحمل الأخرى … نم هانئا… نم هانئا فنحن أصبحنا نعيش مهزلة ومأساة (الطنجرة) التي رافقتنا حين كنّا صغارا…مأساة تتكرر كل يوم في حياتنا ابتداء من لحظة قيامنا من النوم وخروجنا من المنزل إلى عودتنا إلى منزلنا وفراشنا للنوم ليلا…مع رفع زوجاتنا ليافطة كتب عليها “ممنوع الانتصاب…ولا تسألني عن الأسباب”…

فجأة شعرت بصوت يقول: “تي اشبيك دخت والا اشبيك…خلصت فاتورة الماء وإلا لا…” …كانت زوجتي، وجدتني نائما بعد أن أرهقني ثقل ما جاء في فاتورة استهلاك الماء… نظرت إليها وقلت “اشبيك يا صحّاف…اشبيك؟؟” قالت: “اشكون الصحّاف …؟؟؟ خلصت الماء وإلا لا…ترصيلناش يقصوه زادة …”…نظرت إليها وقلت: “الماء قوي زعمة…السخّان يمشي والا لا…”…ورويت لها كل ما وقع معي مع الصحّاف في حلم كنت اظنّه حقيقة…ضحكت وقالت: ” الماء ضعيف…يبطى شوية”…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار