ذاكرة الواحد منا علميا هي اشبه بزجاجة ..كلما تقدمنا في السن الا وكانت ذاكرتنا منتعشة للغاية مع قاع القارورة (اي فترة الطفولة والشباب) وعكس ذلك ذاكرتنا يصيبها الهزال مع بقايا القارورة وخاصة اعلاها وبالتالي آخر ما نعيشه لذلك نقول “تي الواحد نسى حتى عشاء البارح اشنوة”…
عبد الكريم قطاطة
ومن نفس هذا المنطلق العلمي نفهم الان ذلك المثل الشعبي القائل (العزوزة خرفت قامت تحكي على ليلة دخولها) من هذه الزاوية وقبل البدء في علاقتي بالمذياع في السنة الخامسة ابتدائي (ساعود معكم الى ذكريات تلك السن في المناسبات الخاصة )…علاقتي بالبحر بدأت مثلا في تلك السن قبلها كنا نكتفي بالبيسين …وهي بيسين دياري (السباحة في جفنة) هذه الجفنة متعددة الاختصاصات فهي طوال السنة لغسل الادباش بالصابون العربي وهي في فصل الصيف للـ”فتلان” اي اعداد الكسكسي والمحمص والتشيش والملثوث اي العولة … وهنا لابد من الاشارة الى الام رحمها الله ودورها في معالجة الملفات الاقتصادية في مملكتها كانت حقيقة صيدا باتم معنى الكلمة لم تخضع يوما للمحاصصة ولشطحات الدهر … هي تلعب بلاد على اصبع ساقها الصغير عليسة زمانها كعديد الامهات …
فرغم الفاقة التي لازمتنا دهورا الا ان عولتنا لا تنقطع واعيادنا تكاد تكون في احتياجاتها الرئيسية كسائر الناس … رحماك يا عيادة يا للة النساء واحكمهن …..الجفنة هي ايضا تلك التي نملؤها ماء ونسبح في بعض صنتميتراتها عمقا …المهم عومة …في السنة الخامسة ابتدائية كانت لنا اول زيارة للبحر ..ومن لنا غير شاطئ سيدي منصور وبالتحديد قرب الولي الصالح الذي سمي باسمه … كانت السفرة تتم ليلا على عربة مجرورة (كريطة) حيث نحمل زادنا وزوادنا، وهذا يعني ما خف حمله ورخص ثمنه لان ما غلا ثمنه لا نملكه … دون نسيان جلد الكبش وصوفه لغسلهما في البحر …قلت تكون السفرة ليلا حتى نبتعد عن اعين المتحرشين، خاصة ان الوالد شعراوي (اي عندو شعرة سيدنا علي) او حزار.والويل كل الويل لمن يقترب منه اذا طلعتلو الكلبة بنت الكلب …
وهنا تروي لي الوالدة انها ذات مرة بينما كانت راجعة من زيارة اهلها في البرنوص (محطة بطريق منزل شاكر) وكان والدي قد اقترض كريطة للعودة بها معززة مكرمة من هنالك (وفي الحقيقة حرصا منه على ان لا يقترب منها طامع ما) ..اثناء تلك العودة كان هناك رجل يمشي الهوينا وراء الكريطة و”عينيك ما ترى النور” … نزل سي محمد (هكذا كنت اسميه دوما حتى مماته) وانهال على ذلك المسكين ركلا وضربا وسبّا …وامي مندهشة من صنيعه وتقسم لي باغلظ القسم انه “خاطيه وكلاها في عظمو ورقد مسيكن” … اذن تفهمون الان لماذا الزيارة لسيدي منصور تكون ليليا ذهابا وايابا …
السفرة تنطلق الساعة العاشرة ليلا وسيدي منصور يبعد عنا حوالي 15 كلم ..اي ان الوصول الى الطائرة لباريس اسرع من الوصول الى سيدي منصور على “الآرباس” الكريطية …حال وصولنا تهرع امي الى مقام الولي تبركا به لتشعل شمعة …(والحمد لله اني كنت كل سنة حتى وفاتها البّي رغبتها وامتعها بنفس الزيارة لتناول العشاء على “سطحة” مقامه …اما انا فكنت اهرع الى البحر اجلس على الشاطئ) ….يااااااااااه تصوروا المشهد الليلي …السماء تغطينا بنجومها والبحر يعزف في خريره سمفونية الوجود …مشهد حفر منذ اول زيارة لي للبحر ومازلت لحد الان افضل ما اعشقه في البحر (الليل وسماه ونجومو وقمرو) وزد على ذلك البحر وهديرو ….يا الله ما اعظمك ….في الاثناء كان الوالد مع البنتين الاكبر مني سنا ابقاهما الله، يبني قصرنا على الساحل الازوردي: “كيب” مصنوع من اعواد خشب مشدودة بشكل متقن ومغطاة بـ “طرف عربي” او كليم او بعض الملاحف … قلت متقنا لان الوالد كان اسطى بناء …. ومما اذكره في هذا الباب كان لا يعمر كثيرا مع من يعمل معهم سواء في البناء او في موسم الزيتون في المعصرة، او في (المرادم ) وهي لصنع الفحم … هو فعلا “ذريع” وعليه الكلام، ولكنه “بلابزي” بشكل فادح ولهذا السبب كان عاطلا عن العمل اغلب الوقت …
لا علينا في سيدي منصور نقضي ثلاثة ايام بطولها وعرضها بالنسبة للوالدة واخوتي لا سباحة خارج منظومة الليل …والصباح باكرا كتب عليهن ان يكون حبهن للبحر.. للحياة.. للجمال ..للوجود من نوع ذلك الفيلم المصري (حب لا يرى الشمس) … بالنسبة لابي يكتفي بـ”عومة الصباح” لان دوره في سيدي منصور ان يكون عونا ممتازا في الجوسسة والاستخبارات على حريمه …اما انا فكنت لا اخرج من البحر الا نادرا … ادخله اسمر واخرج منه فحمة في خاتمة المصيف… اخرج منه ربما لاخذ لمجة (ڨدمة خبز يابسة بشكشوكة بايتة) … وكنت الوكها وانا اردد القول ‘مرجتونا كبيدتنا بالشكشوكة) فترد الوالدة بكل حدة (احمد ربي غيرك ما طالهاش) … يا لسخرية القدر …هل هنالك اليوم افضل منها تلك الشكشوكة وهي مزدانة بكريكشة او بعصبانة القديد …او بكعيبات سردينة مقلية ..؟؟؟؟..
البحر في بداية اكتشافي له هو عالم آخر عالم لم نكتف فيه بالسباحة والام تلاحقني بندائها الذي لا ينقطع (ما تفوتش الحزام البحر غدار ) ربما لان والدها رحمه الله مات غريقا …وعبثا حاولت دوما ان “اصب لها بالقمع” ان السباحة في سيدي منصور قد تصل في بحره الى الكوت دازور دون وصول مائه الى الحزام …لانه فعلا من البحار غير العميقة (هو على فكرة بالحق شيّط في هذه النقطة، نازح حتى وهو مليان) ….البحر ايضا كان التقاط صدفات حلزونه على الشاطئ بانواعها في مرحلة اولى ثم التدرب على صيد سرطان البحر وحفظ التكتيك اللازم حتى لا يلدغنا بمنقاريه الحادين …والبحر انذاك لم تقف اختصاصاته عند هذا الحد بل تجاوزها الى بيت كبييييييير للراحة (مرحاض) وما لم نفهمه وقتها ونحن نعمل العملة ونبتعد عنها …انها تصر الحاحا على ان تتبعنا …وكم هربنا منها تاركينها تتبختر على سطح الماء حتى لا يتفطن الينا المصطافون (ويا لها من فضيحة) رغم اننا عرفنا في ما بعد انه مأوى لكل الفائض منا جميعا …
من المناسبات الاخرى التي لها نكهة خاصة امحت تماما: شهر رمضان …وهنا لا اقصد النكهة المعنوية بل النكهة التي نشتمّها بانوفنا …نعم والله اعي ما اقول دون مبالغة تماما كالمطر عند نزوله كنا نستنشق رائحة الغيث النافع ..الان وعند نزول القطرات الاولى من المطر نشتم رائحة قنوات التطهير العطرة …رمضان كان بسيطا جدا لا جواجم ولا تجوجيم …كنا في تلك السن نتسلق طابيتنا القبلاوية اي المتجهة الى القبلة، حيث هنالك فجوة بين ظلفة هندي واخرى ننتظر عندما تبدأ الشمس بالمغيب نور ثريا الجامع، بل قل طراطيش ثريا فوق صومعة جامع ساقية الدائر الوحيد …وذلك النور الذي يشتعل فجأة يعني …حان وقت الافطار حسب التوقيت المحلي جدا للطابية القبلاوية وما جاورها …
انذاك لا وجود لمذياع عندنا ولا وجود لمكبر صوت في الجوامع …وتعلو صيحاتنا ونحن اطفال (افطروا يا صايمين كسكسي بلحم ابهيم) ولم افهم لحد الان ما السر في هذه المعزوفة ….. كما لم افهم ما السر في مشاكستنا نحن الفتيان للفتيات في سننا بالتهكم عليهن (يا بنية شحمة نية) فيكون ردهن (يا وليد عود جويد) وكما لم افهم عند نزول المطر تلك الاغنية التي نرددها (يامطر صبي صبي والليلة عرس القبي، والقبي بسلامتو ضربة على قنباعتو ؟؟؟) … وكما لم افهم مجموعة من الامثال التي فيها نبز بالالقاب من نوع (كان لقيت الارض حايرة مشاو عليها الشطايرة) … او (كان لقيت الارض كالة مشاو عليها القلالة) …او (عرة الزنوس المعالج والفلوس) …او (غربال المليح فيهم مالطي ياكل الستاكة ويبات معلق) … مع اعتذاري لكل اصحاب هذه الالقاب … انا انقل فقط دون قصد اهانة اي كان …
حلمكم اذن واعود لرمضان …رمضان يتميز بخاصيات اخرى ايضا ليلة السابع والعشرين …هي ليلة مقدسة عند الوالد ليلة ختم القرآن والختم عنده يبدأ من سورة الضحى حتى المعوذتين … كنت واياه نتداول على السور وهنيئا له بمن ينهي الختم سيتمتع بهدية رمضان (نظريا زلابية ومخارق، وعمليا هي للجميع لانها من الفرص القليلة التي نتمتع بها بفاكهة رمضان: زلابية السيالة) … رمضان بالنسبة للوالد هو 30 على 30 مع احترام رؤية المفتي باااااااازين في السحور ولا شيء غيره وكان يأكله بكل نهم متغنيا بمعزوفته المعهودة (التشيشة ماهي عيشة من هم الزمان، والبازين هو الرزين اه يا لو كان) ر… مضان ايضا هو مرطبات العيد ( المقروض) … و”مرطبات” هذه كلمة بورجوازية جدا امام ما كنا نحضره والذي يتلخص في ابسطها واقلها ثمنا: الدرع ..الڨاطو …واكا هو ….لكن بتقدم الزمن وحسب محصول الجنان في محاصيل اللوز …مقروض اسمر وهو محشو باللوز وبعض كعك اللوز والڨيزاطة (كعبات) اغلبها لضيوف العيد ونحن من حقنا ان نتذوق ما يتبقى …حتى مقروض العيد على بساطته كانت له ونحن نحمل صوانيه ودائما ليلا الى الكوشة، نكهة تغني وتسمن من جوع …اقولها وانا الذي لم اكن يوما اكولا طيلة عمري ….
آخر مناسبة لها خاصيتها هو يوم العيد …هو اليوم الوحيد الذي اصاحب فيه ابي الى المسجد لصلاة العيد …لا كسلا او تكاسلا مني ولا الحادا او اهمالا مني … ولكن لان الوالد رحمه الله وكغيره من اغلب الناس في تلك السنوات الصلاة كانت بالنسبة لهم هي بمناسبة العيد لا غير …غفر الله لهم…. نعود من صلاة العيد التي لا نفهم فيها سوى تلك الترانيم التي نترنم بها قبل مجيئ الامام -(لا الاه الا الله، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله) …نعود بعد الصلاة الى المنزل فرحين مسرورين والشمس بازغة والعصافيرتزقزق ….نعم فرحون مسرورون بلباس العيد الذي تنتهي مهمته في ثالث ايام العيد في انتظار العيد المقبل …
نعم الشمس بازغة لانه يوم مشرق بزيارة ضيوفنا وخاصة منهم خالي الطيب والد زوجتي رحمه الله، الذي كان الوحيد في قمة الكرم حيث بناول الصغار منا 5 مليمات لكل واحد و10 مليمات للكبار فينا …اما بقية الزوار فكثيرا ما يتحلقون للعب الكارطة (روندة وشكبة) وللوالد فيها باع كبير من جهة لحذقه للعبة ومن جهة ثانية لحرصه على الربح مما يجعله احيانا يقوم بتقطيع اوراق اللعبة حين تبدو له الخسارة في الافق (بلباز من طراز رفيع ) … رحمة الله عليه كنت وقتها اتصور ان الالعاب الورقية تنحصر في ذينك النوعين، وبعدها اكتشفت ان تلك الالعاب لا تعدو ان تكون بدائية امام البليڨو .. و التريسيتي .. والبيلوت وخاصة الكونتريه …اما الرامي… انت والجواكر …
اختم بالعصافير التي تزقزق وهذه مرتبطة بعصافير بطني .. بالمأكول يوم العيد… الخاصية في عيد الفطر لدينا تتمثل في (الحوت المالح) و(الشرمولة) … وانا كل همي الحوت المالح ..لان السمك عموما مالحا كان او حلوا هو اكلتي المفضلة …ولاننا قليلا ما ناكله ايام السنة فان العيد بالنسبة لي هو زردة عظيمة …اما الشرمولة وعلى عكس اغلب الصفاقسية لا تعنيني (لا آكلها بتاتا) …
يااااااااااااه الم اقل لكم ان رمضان له نكهة خاصة … كم افتقدناها .وهذا يتم من نوع آخر …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟