لم يطُل مُقامي في تونس … ثلاثة اشهر ووجدتني اُجهّز حقائبي للعودة الى باريس … للمعهد الوطني للعلوم السمعية البصرية وهذه المرّة للحصول على ديبلوم درجة ثالثة في العلوم السمعيّة البصريّة، اختصاص مونتاج، وهو المعادل بفرنسا لستّ سنوات تعليم عال…
سفرة هذه المرّة لم تكن كسابقاتها … فباريس لم تعد هاجسا بالنسبة لي لأني اصبحت اعرفها (شكلة شكلة) باحيائها الراقية فرساي والشانزيليزيه ..وباحيائها المُريبة … بيغال وسان دينيس … الا انّ ما اختلف كان وجود خطيبتي معي يوم التوديع في المطار… انّها منية ابنة خالي وزوجتي حاليا والتي لها أفضال عديدة عليّ في حياتنا المشتركة وحتما ساعود اليها في قادم الورقات …اذ بعد ان خرجت من دائرة حب مراهق تيقّنت فيما بعد انّ الله حباني واحبّني عندما لم يُكتب له الدوام فخطبت ابنة خالي .. تمّت الخطوبة في 30 جويلية 75 .. وعمرها 15 سنة ….لم تكن انذاك تعي كثيرا ماهية الحب وعمقه بل كانت فقط تتباهى بخطوبتها بعبدالكريم الذي يظهر اسمه احيانا على شاشة التلفزة كمركّب للافلام او كريبورتار في بعض البرامج (الحياة الثقافية لخليفة شاطر او ساعة مع …لخالد التلاتلي او همزة وصل لعبدالقادر الجربي)…
تتساءلون حتما …. عمرها 15 سنة ..؟؟؟… نعم 15 سنة .. الدافع انذاك كان الخوف عليها من ان يختطفها آخر منّي لذلك عجّلت بالخطوبة… هكذا هو تفكير جُلّ ابناء جيلي (قرطس عليها خير مللّي يقفزولك بيها)… الاّ انه وبمرور الايّام كبرت البنيّة وتحرّكت بداخلها المشاعر متدفقة منهمرة واصبحت “مدغرقة” في عبدالكريم …لذلك كانت يوم السفر من مشيّعيّ إلى المطار… هي ليست من المثرثرات… بالكاد يُسمع صوتها … الاّ ان ثقتها فيّ لا حدود لها ..ربّما صدقي في احاسيسي .. واقعيّتي معها …وشفافيّتي تجاهها في كلّ شيء حتى في علاقاتي بالعالم النسائي انذاك، غرست فيها تلك الثقة العميقة … ان تكون واضحا شفّافا مع ذاتك اوّلا ومع الآخر ثانيا فذلك يعني انّك متناغم مع نفسك … ليس مهما جدا ان اختلفت مع الآخر … ليس مهما جدا ان غضب منك الاخر لانّه حتما سيتفهّمك يوما وان طال الزمن او على الاقلّ سيحترم قناعاتك ..الاهمّ ان لا تخسر ذاتك …
بالمعهد بباريس وجدتُني مع مجموعة جديدة من الافارقة… كنت العربيّ الوحيد فيها … ووجدتُني مع مجموعة جديدة ايضا من الاساتذة وعلى رأسهم واحد من اكبر رجال التليفزيون الفرنسي انذاك (كلود اوتزن برجيه) قامة علميّة رهيبة وكاريزما تشبه الى حد كبير الجنرال ديغول كمّا وكيفا …الاّ ان تواضع الاساتذة الفرنسيين رفع كل حاجز بيننا وبينهم… كان الواحد منهم يدعونا لقهوة معه، لعشاء معه، لدردشة معه، دون حواجز … وعلى ذكر القهوة في فرنسا تعلّمت ان شرب القهوة لا يعني قضاء ساعات بالمقهى بل يعني قضاء دقيقة لا اكثر اذ لا معنى عندهم للترشّف .. احتساؤها يعني تقسيمها على “جغمتين” او ثلاث… لذلك بُهتُّ في البداية من هذا السلوك ثمّ اُُجبرتُ على مجاراتهم في اخذ الكابيسان على طريقتهم… جغمتان او ثلاث ونعود الى مقاعد دراستنا سالمين … وهكذا انا لحد اليوم اتّبع نفس الاسلوب .. فهمت ان القهوة لا تعني (ترحريحة) على المقاعد و”خوذ فيّ ناخذ فيك” وحديث في السياسة والكورة والاقتصاد وعلوم الجيولوجيا والبيولوجيا والسوسيولوجيا والانتروبولوجيا والدينولوجيا ..حيث يتحوّل كل واحد من المتدخلين ليصبح السيد غوغل عرّيف زمانه… وتنفضّ الجلسة ولا يخرج الواحد منّا الاّ بالكلامولوجيا … والعنترولوجيا .. ولا حول ولا قوة الا بكلّ مشتقات الّلوجيا …. بما في ذلك التُخُلُوفولوجيا …
في الثلاثة اشهر الاولى بعد عودتي الى الدراسة لاحظت اهتماما متزايدا بي من مدير الدورة السيد اوتزن بيرجيه ..كان كثيرا ما يدعوني لشرب قهوة معه بعد الغداء ويستدرجني للحديث في امور عديدة … احسست باستدراجه نظرا إلى انه كان كل مرّةيطرح موضوعا مختلفا عن سابقه ثم (شلّقت) انه يريد الاستماع اكثر من الحديث ..وكان يحسن جدّا الاستماع ..كانت نظراته لي ثاقبة جدا وكأنه يريد الولوج الى مُخيّخي ليكشف اغواره ..ومعه تحدثنا عن تونس… بكل مفاصلها عن صفاقس مدينتي الحبيبة ..عن فرنسا ..عن تاريخها .. وعن حاضرها … عن افريقيا والافارقة …عن امريكا المتسلطة الصلفة ..عن الصين هذا التنّين المجهول ..عن العرب وعن الاسلام ..عن الكرة ..عن الحرية ..عن العلم ..عن العمل.. عن الفن شعرا وموسيقى ومسرحا وسينما ….عن آفاقي … وعن آفاقي كان يضاعف التركيز ..
وكان يصطحبنا احيانا استاذ اخر شاب عمريّا من مواليد الجزائر ايام الاستعمار الفرنسي يدرّسنا تقنيات الكتابة السينمائية… غاية في البشاشة والروح المرحة… وثالث وهو عجوز رائع يدرّسنا تقنيات الاتصال في السمعي البصري .. كنت احس بافتخار وانا المحظوظ بالجلوس الى هذه القامات الكبيرة علميا وهم يخُصونني بهذا الاهتمام ….وحتى زملائي في الدراسة كانوا يغبطونني على هذه الجلسات الانفرادية ..الا ان علاقتي الجميلة بهم لم تصل يوما الى حد الحسد او التنبير كما هو سائد في جل علاقاتنا هنا …
انتهيت بعد ستة اشهر من الفترة المقررة للتكوين العام في كل تفاصيل العلوم السمعية البصرية وبمعدل سبع ساعات يوميا، خمسة ايام في الاسبوع، وجاء وقت المرور الى التخصص ..اي دراسة المادة المختص فيها كل طالب منّا… بالنسبة إليّ المونتاج… في آخر يوم من تلك الفترة دعاني مدير المعهد الى مكتبه (السيد فرومنتان) وها أنا ادقّ على بابه … فتحت الباب فوجدت معه السيد اوتزن بيرجيه ..دعاني للجلوس والبشر يعلو وجهه.. لم يعترني اي شعور بالخوف او القلق فانا كنت ومازلت لا اخاف من اي شيء ..حتى الله احبه ولا يراودني ابدا الشعور بالخوف منه ..كيف نخاف ممن نحب ..؟؟؟ انا لا افهم معنى ذلك ..فخالقي احبّه اوّلا وأثق في عدله دون ادنى شكّ… اذن هو لن يظلمني يوم الحساب وسأنال ما استحقه فممّ الخوف اذن ..؟؟
ان أكون خائفا معنى ذلك انّي لم اتحمّل مسؤوليّتي في ما افعل ..معنى ذلك انّني جبان ..وما احقر الانسان وهو جبان ..حتما اخطئ كسائر البشر ولكن اتحمّل مسؤوليتي في اخطائي واعتذر دون تردد ..هذا مع سائر عباد الله فكيف لي ان اخاف من رب عادل احبّه واومن به ؟؟؟ كيف ان اخاف ذلك الخوف المرضي من ربّ كريم اختار ان يبدأ كل سور القرآن باستثناء التوبة بـ”بسم الله الرحمان الرحيم”؟… الم يكن ممكنا ان يختار باسم الله المنتقم الجبار … هل يمكن ان يتصوّر الواحد منّا اختيار لفظتي (الرحمن الرحيم) اعتباطيا .. او مجانيا ..؟؟ انا مؤمن بأن الله هو الرحمان الرحيم ..هلاّ عدتم الى سورة النساء والله يُعيد على عباده ثلاث مرّات (ان الله لا يغفر ان يُشرك به ويغفر دون ذلك لمن يشاء ) .. هذه ليست خاصة بايّة فصيلة من البشر، هي للبشرية قاطبة دون استثناء ..نهضاوي جبهاوي ندائي تجمّعي دستوري مستقلّ (مثلي) يساري يميني مسلم يهودي مسيحي..
الاساس ان يكون مُوحّدا… الله يغفر دون ذلك لمن يشاء لا اسثناء في (لمن يشاء)… قد يقول البعض: هل نسيت انّ الله شديد العقاب ..؟؟ لم انس يا من تنظرون الى وجهه الكريم من كوّة السواد والتجهّم والتكشير ..ولكن اقرؤوا القرآن بتمعّن وستكتشفون ان رحمته سبقت غضبه وان كل عبارات العقاب والشدة تأتي في القرآن بمعدل 10 بالمائة مقارنة بعبارات الرحمة والمغفرة (قُل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ـ الزمر آية 53)… وصدقا لست من الذين يعودون الى تأويل وتفسير بعض الآيات فهي واضحة وضوح الشمس ولا احتاج الى المفسرين الذين هم في حد ذاتهم مختلفون… جوجمة زايدة لا اكثر ولا اقلّ …
جلست بكل وثوق واحترام لمدير المعهد ومدير الدورة ..طلب لي قهوة وبادرني بالسؤال ..اه كيف وجدت الدراسة بالدرجة الثالثة ؟؟ اجبته: بخير من جانبي والتقييم هو من مشمولات اساتذتي ومدير الدورة طبعا ..اعجبه منطقي وقال: هذا من لطفك ..المهم بالنسبة لنا في المعهد ان يحسّ الطالب بنجاعة واهميّة ما يدرس حتى يعود لبلده محققا الاضافة …رددت بتهيّب: انا سعيد بكل ما تعلمّت وبكل من عرفت ..نظر بابتسامة خفيفة الى مدير الدورة وقال: وهم سعداء بكريم ايضا ولذلك وبعد تشاوري في امرك مع السيد كلود بيرجيه، رأينا انه عليك ان تحوّل اهتمامك من اختصاص المونتاج الى اختصاص الاخراج لأنك جدير به …اندهشت جدا من المقترح ولم تطُل دهشتي حينما اسعفني السيد كلود بالقول: كريم انا من موقعي وبعد التشاور مع جميع مدرّسيك اجمعنا على انّك ستضيع وقتك في دراسة المونتاج… انت ممتاز جدا في ذلك الاختصاص ولن تكون لك اضافة كبرى فيما تبقى من فترة دراستك… لذلك ارتأينا ان تحوّل اهتمامك الى عالم الاخراج ..انا تحدثت معك طويلا وكثيرا في مواضيع شتّى ومخزونك الفكري والثقافي يؤهلك لتنتقل الى الاخراج ما رأيك ..؟؟
شكرت له ومن خلاله جميع اساتذتي هذه الثقة الموضوعة فيّ وفي امكانياتي وقلت: الامر ليس متعلّقا بي وحدي يجب ان احظى بموافقة ادراتي في تونس ..تدخّل مدير المعهد وقال: “نحن من سيتكفّل بذلك وعبر قنواتنا الرسمية… ننتظر فقط موافقتك حتى نرسل للتو الفاكس لادارتك”… كنت سعيدا جدا بالمقترح بل كانت الارض لا تسعني ..تذكّرت في تلك اللحظة ما دوّنته يوما على صورة من صوري (انا اطمح الى هيمالايا لانّ الشعانبي لا يقنعني( … وتذكّرت طبعا عائلتي خطيبتي اصدقائي في العمل وفي الساقية وحتما عيّادة ..ساعود اليهم بديبلوم عال اختصاص اخراج …
ياااااااااااااه… ما اضيق الاماكن التي لا يمكنها ابدا ان تحتوينا في لحظات سعادة قصوى غامرة ..ما اتعسنا بانفسنا ونحن لا نستطيع حتى تخيّل ماذا علينا ان نصنع او كيف نتصرّف او ماذا نقول عندما تتدفّق شلالات السعادة … خرجت وقتها من مكتب المدير بعد ان تركته يرسل الفاكس لادارتي (مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية) مقترحا عليها الامر… ولم يدم ذلك غير ساعة واحدة حتى جاء الرد ومدير الدورة يزف لي الخبر…بالموافقة ! … اندهشت جدا لا فقط لسرعة الرد بل للموافقة … اذ كيف لادارة مؤسسة أن توافق بهذه السرعة على تحويل وجهة موظّف من قطاع الى قطاع دون اعمال رأي ..؟؟ دون دراسة وتمحيص واشراك الستاف الاداري بحاجيات المؤسسة (ناقصين مخرجين يخخي ؟؟)… اعتقدت يومها ومازلت لحد الان ان الموافقة جاءت بشكل متخلّف جدا ينمّ اساسا على مركّب نقص تجاه الاوروبي ..اذ انه بالنسبة للعديد ما يراه الاوروبي صوابا لا حاجة لنا في نقاشه او التروّي في امره ..استفدت قطعا من قرار الموافقة ولكن حتما لو كنت مكان صاحب القرار في المؤسسة لما كنت اتصرّف مثله ..حتما سابحث في الامر بكل ايجابياته وسلبياته وساتحرّى كثيرا في اخذ القرار … انذاك فقط اُجبر الاوروبي على احترامي لأني بذلك الاسلوب ابرهن له ولنفسي انّي انا ايضا صاحب قرار صاحب موقف ومسؤول بما في كلمة مسؤولية من ثقل …
وبدأت مرحلة دراسية جديدة في حياتي …كنا خمسة طلاب في اختصاص الاخراج: ايفواريان وكونغوليان وتونسي، العبد لله … وكعادتي واصلت اسلوبي في التعامل مع الدراسة لم استطع يوما ان اكون محراث قراية… الله وهبني نعمة التركيز والذاكرة التي هرمت الان …وفقط .. أما خارج المعهد فواصلت حياتي و”عملت بعمايلي” ولكن وفي نفس الوقت لم اكن منافقا في علاقاتي.. لم اكذب .. لم اغشّ .. احترمت قناعاتي وعشت بها …كنت مثلا من الرافضين قطعا لأن احوّل فتاة الى امراة .. ورغم كل الاغراءات والتوسلات …لم افعلها.. رغم انّه امر عادي في المجتمعات الاوروبية …كنت من الرافضين ايضا ان تُنجب منّي ايّة امرأة باستثناء زوجتي ورغم كل الاغراءات والتوسلات ..لم افعلها … هل فهمتم ما معنى ان يكون الانسان متناغما مع ذاته …سعادة قصوى ان تعيش هذا التناغم …واعيد القول قد يغضب منك البعض بل قد يكفر بك ..ليس هاما في نظري ..المهم ان اعيش وانا محلّق الى ما بعد حدود السماء راحة وامانا في كل ما افعل … ما اسعدني بي وانا هكذا مجنّح الى ابعد من حدود السماء …
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…