تابعنا على

جور نار

اِلتقيتُ صديقًا

نشرت

في

حمدتُ الله أنني التقيتُه بعد نهاية جلسة عمل جمعت بين ممثلين عن جمعيتنا (التوجيه المدرسي والجامعي) وممثلين عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في ما يخصّ متابعة مضمون التقرير السنوي الرابع للجمعية الصّادر خلال شهر نوفمبر الماضي، والبحث في إمكانية تعديل ما يمكن تعديله في منظومة التوجيه الجامعي دون انتظار الإصلاح الشامل الذي سيأتي حتما لكن لا أحد يعرف متى وكيف… التقيتُه بعد الجلسة وليس قبلها. وبالرغم من كونه كان لقاءً إنسانيا راقيا لكنه كان مؤثّرا ومُربكا ومُثيرا لانفعالات قوية كانت ستهزمني حتما لو قُدّر لهذا اللقاء البرقي أن يجري قُبيل انطلاق الجلسة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

اخترتُ أن أكتب عن صديقي هذا لإشباع رغبة ذاتية أولا (لأنني لا أكتب بصفة عامة إلا في ما أحبّه ويمسّني من قريب ويُهيّج بعض سواكني) وللتعريف ثانيا بمثال نجاح حيّ من الشباب التونسي الذي يتقاضى راتبا شهريا خجولا ككل الموظفين التونسيين، لكنه لا يفكّر أبدا بالإقامة خارج ديارنا التونسية الوبريّة الدافئة (مهما ساءت أحوالنا) ولا تستهويه المسالك التي تدُرّ نقودا مُزيّفة، ويظل متشبّثا بقيم كنا نخالُها حِكرا على جيل “قدماء الذّهن”  مثل المروءة والاستقامة والأصالة وطُهر الطويّة والوجدان. وثالثا لأنني رُمتُ من خلال هذه الورقة أن أردّ ولو قليلا من نُبل دموع التأثر التي دثّرني بها، ولم أهتدِ في تلك اللحظة إلى الردّ عليها بما يعادلها سوى اختصار اللقاء والتواعد باللقاء قبل المغادرة التي تشبه الهروب.

صديقي هذا أيها الأصدقاء وُلد بالعاصمة وترعرع في شوارعها وأزقّتها وبطاحها الشعبية وكذلك في ضواحيها وكل مربعات البهجة فيها.

ولكن قبل محاولة تلخيص ملمح صديقي، لا بدّ لي أن أكشف منذ البداية عن طبيعة العمل الذي كان مكلّفا به رسميا حتى يتمثّل القارئ بقية ما سيردُ لاحقا، إذ كان منتدبا بوزارة التعليم العالي بصفته موظفا يؤدّي مهام السياقة التي يتطلبها عمل إدارة معيّنة يتمّ تعيينه عليها.

كان يُبهرني بخاصيّة لم أرها عند غيره من الموظفين بمن فيهم أولئك الذي مضوا بعيدا في دراساتهم الجامعية والهندسية الرقمية تحديدا، وهي تنمية قدرته على تفكيك الحواسيب وإعادة برمجتها وتحميل أنظمة التشغيل وتركيب الفيديوهات ومواكبة آخر التطويرات التي تحدث في العالم…بما جعله يُشكّل ملاذا لقوافل الأميين الرقميين خاصة مع بدايات القرن الحالي عندما بدأت سلحفاة الإنترنت تشق طريقها إلى معابر الإدارة قبل أن تتأرنب وتشرع تدريجيا في إزاحة قسط كبير من آليات التراسل بالبريد والفاكس والهاتف والتيليغراف… والأمية الرقميّة التي أتحدث عنها هنا ليست خاصة بالفضاء العام وإنما بصورة أساسية داخل الفضاء الإداري نفسه المحمول على تولّي رفع الأمية.

الخاصية الأساسية الثانية لدى صديقي هذا أنه لم يكن رافضا لوظيفته الأساسية التي انتُدب من أجلها أو متعفّفا عنها بل كان يُجلّها ويؤدّيها باقتدار نادر…حتى أنني كنت أُمازحه مناديا إيّاه بمايكل شوماخر (بطل العالم 7 مرات في سياقة سيارات الفورمولا 1) بالإضافة إلى أن مهمته عادة لم تكن تقتصر على مهام “سُعاة البريد” بل تتعدّاها إلى المُفاوضة الندّية التي تقتضيها المهمة الخصوصية التي كُلف بها، مثل التأكد قبل العودة من مقر المطبعة الرسمية من توصّل التقنيين (بمساعدته هو) إلى فتح مضمون القرص المضغوط المُرسل إليهم قصد طبع دليل التوجيه الجامعي في حيّز زمني ضيق. أو كذلك تجاوز عتبة مكاتب الضبط داخل الوزارات والهياكل المعنية كلما اعترضته صعوبة ما، نحو  مسؤولين في مستويات أخرى لحل الإشكال والعودة بإجابات يمكن البناء عليها (بدلا من الاكتفاء بــ “ماحبّوش يقبلوه عليّ في مكتب الضبط ” التي يعتمدها الكثيرون من نظرائه)…بحيث كان مُجتهدا في فتح آفاق لا ماكرا في تبرير التقصير.

السّمة الأخرى اللافتة أن صديقي هذا كان يقوم ببعض الأعمال الرقمية خارج أوقات عمله في غرفته بمنزل والديه التي حوّلها إلى أستوديو حقيقي يمارس فيه هوايته إلى ساعات متأخرة من الليل إن كان تصويرا أو تسجيلا أو تركيبا … ويتقاضى مقابل ذلك بعض المال الذي يوظفه كليا في شيئين : بيع جهاز الهاتف القديم مثلا واقتناء أحدث ما تُصنّعه كبرى الشركات في المجال، والسّعي دائما من ناحية ثانية للحضور إلى عمله في هيئة لائقة ونظافة فائقة في غير تصنّع أو كبرياء.

كذلك صديقي “مكشّخ” حدّ النخاع (وكيف لا يكون ترجيّا وهو الذي نبَتَ في باب سويقة ومارس كل شقاوات الطفولة والشباب فيها ؟!) يحضر كل مباريات الدّربي بصورة خاصة وكانت صداقاته في الطرف المقابل أقوى وأكثر طرافة من الصداقات التي يُتيحها انتماؤه إلى فريق “الحومة”. وربّما ذلك ما ربّى لديه كل تلك القدرات على حسن التواصل مع الناس وتثمين التفوّق والتميّز عندما يكونان نتيجة عمل وجهد جبّارين على الميدان.

لكن ما سرّ تأثّره يومها ؟

لاحظ يومها أن الزملاء الذين كانوا برفقتي أدهشهم أن تحصل مثل تلك المشاهد الانسانية المؤثرة في معابر وزارة يكاد حجم الانزياح فيها يُلامس الصفر، والتي لا نرى مثلها عادة إلا في “الزّردة” وحفلات الأعراس…فراح يحاول تبرير سُمك العلاقة التي تجمعنا مُعتبرا أنني كنت بالنسبة إليه أكثر من أخ وأكثر من صديق وأكثر من مجرد “عَرف” (كما يقول هو دائما على سبيل الدّعابة). ومن القصص الكثيرة التي تقاسمناها توقّف عند واحدة تحديدا… قال :

“ذات مرة رافقتُه إلى مناسبة مّا لا أتذكّرها تحديدا وكان هو من يمثل وزارتنا في ذلك الحدث. دخلنا وكانت القاعة غاصّة بالضيوف المحليين والأجانب وبينما كنت أُحاول الاختفاء قليلا والابتعاد عن أنظار “الرسميين”، ألحّ عليّ أن أرافقة ومحاولة استراق نصيبنا من “المملّحات والمُحليّات” التي كانت معروضة بسخاء في بهو القاعة في حذر وحياء… غفلتُ عنه لبعض اللحظات لكنه كان دائما في مرمى نظري لمّا رأيته فجأة يتحادث مع وزير الصناعة آنذاك فأومأ إلي طالبا مني الالتحاق بهما. وكان ذلك، سلّمتُ على الوزير (الذي كان لطيفا ومؤدّبا جدا) ثم تولّى تقديمي للوزير قائلا : هذا فلان، زميلي في التعليم العالي… دون أي إضافة أخرى ! كانت لحظة حاسمة في حياتي جعلتني أقارن بين من يُقدّمني كزميل ولا يتردّد في إظهار اعتزازه أمام سامي المسؤولين برفقتي وزمالتي، ومن مِن صغار الموظفين المتنافخين الذين لا يتردّدون في تقديمي – عندما لا يجدون بدّا من ذلك- كــ “شيفور” …متوهّمين أن ذلك قد يزيد من شأنهم في عيون الآخرين، ويُغذّي ربما حلما مريضا يسكن قلوبهم يُشبّهون تحت ظلاله أنفسهم بأسياد قوم لهم من الجاه والنفوذ ما يجعل لهم سائقين وخدم وحشم في خدمتهم وخدمة عشيرتهم.”

هكذا تكلّم صديقبي وليد الشنّوفي (وأخيرا !) الذي أرجو أن يعذرني على هذا البوْح الذي لم أستشره فيه، وقناعتي أنه سيفعل لمعرفته العميقة بما أكنّه له من مودّة تساوي في صدقها ما كان يحبوه بها والده عمّ الوردي رحمه الله.

ولكن عليّ أن أقول كلمة أخيرة لا يمكن أن تستقيم نهاية هذا المقال بدونها، وهي أن “الغارة العاطفية” التي مارسها ضدّي وليد يومها لم تُمهلني لا الوقت ولا حضور الذهن لأذكّره بكل الوقفات النبيلة التي كان لا يتردّد في القيام بها معي بصورة تلقائية، والتي تفوق في معانيها الحافّة ما كان يعتقده طيبة خارقة مني.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار