كنتُ بصدد مطالعة بعض ما كُتب في وظيفة المصعد الاجتماعي التي تضطلع بها المدرسة في شتّى بلدان العالم والاطلاع على ما قيل في العطب الهيكلي الذي أصاب هذه الآلية الارتقائية خلال العقود الأخيرة، وكيف يمكن إصلاحها من أجل عدم ترك مزيد من الناشئة على قارعة الأميّة (البدائية منها والرقميّة) والعجز على كسب ما به تحقّق سعادتها وحقّها في العيش الكريم… حتى تاه بي التفكير ورُحتُ أعُدّ النماذج المُمكنة للتلاميذ في مدرستنا، فتوصّلتُ – بشيء من المرح الطّارد للتوتّر المُميت- إلى رصد ثلاث مجموعات كبرى :
الفئة الأولى : التلاميذ الذين يمتطون المصعد الآلي وهم العدّاؤون الرّاكضون بسرعة قصوى Les sprinters
منصف الخميري
هم مجموعة غير وفيرة العدد من التلاميذ المقتدرين القادمين إلى المدرسة برصيد متنوع ومُثمر دراسيا متكوّن من مهارات أساسية في الحساب والقراءة والكتابة وحُمولة تعبيريّة شفوية وكتابية هائلة، وأولياء يُجِلّون الكتاب وعائلات لها شبكة علاقات مُرسملة وقصص نجاح عائلية مؤسِّسة ونماذج مهنية يمكن التماثل معها (حيث يوجد في العائلات الميسورة المختصُّ في الطب النووي وصانع المحتوى والمختصّة في التغذية والتّنحيف وصاحبة الخبرة في التأثير الرقمي… بينما لا يتعرف سليل الأوساط الاجتماعية المتواضعة الا على المُعلّم وخدّام الحزام وعامل الحظائر ومُقدّمة أخبار الثامنة مساءً). ..
هؤلاء تنفتح أمامهم المصاعد تلقائيا بفعل اللاقطات الإلكترونية المجهّزة بها وبإمكانهم الضغط على أيّ زرّ يريدونه ليبلغوا أي طابق يستهويهم حتى وإن كان في أعلى ساطعات السّحاب. مسارهم مُحدّد بدقّة قبل الانطلاق، يعرفون تماما أية الباكالوريات يختارون وأية مواد أو لغات إضافية يدرسون وأية دروس خصوصيّة يرتادون وبأية معدلات ينجحون وأية جامعات يؤمّون… وفق منطق يشبه القدريّة التي تهزأ من الإكراهات والكوابح المختلفة.
الفئة الثانية : التلاميذ الذين يسْلُكون السّلالم Les grimpeurs
هذه المجموعة عددها كبير نسبيا وأهم ما يميّزها أن المدرسة معبر أساسي بالنسبة إليهم ولا بديل لهم عنها بحكم نُدرة إمكانيات عائلاتهم ومحدودية مداخيلها. تزدحم بهم السلالم وتتنوّع سلوكاتهم وأشكال تعاطيهم مع المضامين التي تُعرض عليهم. يكثر هرجهم ومرجهم أيضا لأنهم لم يتعوّدوا على الممرّات الضيقة والقواعد المقيّسة التي تحكم حركاتهم وسكناتهم ويصعب التكيّف السّريع معها، خاصة إذا اقترن ذلك مع هبوب رياح المراهقة والمصادقة… فتكثر زلاّتهم وهفواتهم وتستأسد المدرسة في ممارسة سلطانها حتى يجد العديد منهم نفسه في مسالك موازية يصعب توقّعها، أو في أحسن الحالات، يبتدعون ردود فعل “فنية” يردّون بها على هذا الاستعلاء الذي تمارسه المدرسة ضدّهم من قبيل شعار “ملاّ راحة من الدراسة” وهو وريث شرعي لشعار “إليك يا مدرستي قنبلة ذريّة”…بدلا من “تحيّة زكيّة”.
هذا الحشد من التلاميذ لا تتساوى حظوظه وقدراته على الصّعود والصّمود، فمنهم من تبرُكُ جِماله في الطوابق الأولى ومنهم من يثبت ويستمرّ في مسيرته وصولا إلى بعض الطوابق الأعلى … ولكنّنا نعثر وسط هذه الفئة الثانية على كوْكبة صغيرة من “المقاومين البواسل” المتمتّعين بقدرة فطريّة على تحييد الموانع وعدم التأثّر لا بالبرد ولا بالعطش ولا برداءة الأحوال وقلّة الأموال فيتعبون ويكدّون ويُثابرون ويبلغون نفس المواقع التي أحرزتها عناصر الفئة الأولى المرفوعون إلى أعلى les ascensionnistes وبدون أية منشّطات أو مجلوبات عائلية واجتماعية خاصة.
هذا ويُعتبر تناول هذه الفئة من المتفوّقين بدفع ذاتي محض بالدراسة والتحليل مهمّ جدا لأنه يساعد على فهم ما وراء الدافعية الداخلية القويّة الكفيلة لوحدها بتعويض كل الدافعيات المُساعدة الأخرى، ويساهم في تأكيد الفرضيّة البنّاءة والتي مفادها أن الخلط المتعمّد بين الحتمية والقدريّة لا يخدم استراتيجية الأمل المفتوح على مصراعيه أمام كل القادمين من أوساط غير محمولة على النجاح والتميّز في الذهنية العامة، لأن “الحتميّة” تُعيق التقدم ولكن من الممكن “التعامل معها لتحييدها ودحرها” كما في لغة العسكريين والأمنيين عندما يواجهون فلول الإرهاب، بينما “القدريّة” تُكبّل معتنقها وتجعله يقتنع سريعا بأن “الرضا بالقدر حكمة لا يفهمها الجاهلون”.
الفئة الثالثة : الُمراوحون (وفي العاميّة التونسية هم كذلك مُمَرْوِحون لأنهم يسترخون في وضعيات اللاتعلّم بعد استبطان فشلهم أو مُروّحون أيضا لأنهم سريعا ما يغادرون مقاعد الدراسة)
وتتكوّن من التلاميذ الذين ضاقت بهم السّبل فلم يقدروا لا على امتطاء المصعد الآلي ولا على صعود الدّرج التقليدي، لأسباب مُركّبة فيها المُجتمعي والسياسي والمدرسي الداخلي فظلوا يراوحون مكانهم لا شيء يعجبهم ولا يُعجِبون أحدا، يُقضّون أوقاتهم في التمسك بخيوط أمل رفيعة في الإقلاع يوما ولكن كلما تسارع نسق التعلمات وحمي وطيس المعركة الدراسية تراهم يتناثرون ويتطايرون أفواجا خارج الدواليب الطّاحنة لمدرسة مُنفّرة لا تحتفظ إلا بمن يُذعن لمشيئتها ويتماهى تماما مع قوانينها الرافضة لمن “يُربك السير العادي للدرس ويُشوش على النسق الطبيعي للتعلمات”.
هؤلاء المُراوحون و المُكتفِون بالترويح عن النفس في انتظار قرار الإبعاد غير القابل للطعن، يجدون لأنفسهم كل المبررات التي تجعلهم يحقدون على مجتمع ضالع في تمكينهم من نصف حياة ويكرهون مدرسة لا تسمع صرخات عجزهم ولا تُصغي إلى صدى إخفاقهم ويُعادون نظراء لهم لا ذنب لهم سوى كونهم يبدون متحرّرين من أية وطأة كانت.
يغادرون المدرسة بعشرات الآلاف سنويا (أي بالملايين خلال جيل واحد) ولا يعترض سبيلهم أي إجراء جدّي يحتضنهم ولا أية آلية تأخذ بأياديهم ولا أية ثورة عمياء صمّاء بكماء تلتفت ناحيتهم لتجعل منهم جيشا من الماهرين والبارعين في شتى مناحي الحياة لا جيشا منسيّا من احتياطيّي الجريمة والشتيمة والانخراط السهل في مسالك الجُنوح وتدمير الذات والمجموعة.
نحن إذن أمام مدرسة بثلاثة أنساق سيْر متفاوتة : عدّاؤون متفوّقون، ومتسلّقون متعثرون ومُراوحون متروكون على ذمّة من ينتدب من الشطّار والعيّارين.
المشكل حسب اعتقادي هو في طبيعة المنوال الذي بالإمكان أن تتصوّره مدرستنا لمواجهة هذا المشهد المعتلّ ! ولا أعتقد بالمرة أنه لدينا في الوقت الحاضر تصوّرا لتدعيم الفئة الأولى وإسناد الثانية واحتضان الثالثة لإعادة دمجها في الدورة المدرسية أو تلقّفها بالتكوين والتدريب والتأهيل إن تعذّر ذلك، خاصة بعد اتضاح فشل تجربة النموذجي وارتفاع كُلفة الفصل بين التربية والتكوين المهني والانعكاس المُدمّر للدروس أو المدارس الخصوصية على مستوى عيش العائلات التونسية.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
نجاح
6 يونيو 2022 في 22:00
لابدّ من إعادة إنتاج المدرسة التّونسيّة