تابعنا على

جلـ ... منار

سؤال غزة في ثنائية بايدن وترامب!

نشرت

في

بايدن يستثمر حرب غزة في دعايته الانتخابية أمام منافسه ترامب | ياسر أحمد |  صحيفة العرب

كأن المشهد اقتطع من مسرحيات اللا معقول، حيث تبدو الديمقراطية الأمريكية شبه عاجزة عن إنتاج وجوه وأفكار جديدة في عالم يتغير.

عبد الله السنّاوي
عبد الله السنّاوي

نفس المرشحين “جو بايدن” و”دونالد ترامب”، ونفس أجواء الكراهية ودرجة الاستقطاب، التي سادت انتخابات (2020) تُستأنف الآن.
يوشك ترامب أن يحصد بطاقة الترشح باسم الحزب الجمهوري في ما يشبه الاكتساح.. ولا يوجد اسم بارز في صفوف الحزب الديمقراطي ينازع بايدن على الترشح باسمه.
الأجواء الانتخابية عبرت في المرة الأولى عن صدامات محتدمة في بنية المجتمع واصلة إلى
تساؤلات قلقة عن مستقبل القوة العظمى الوحيدة، وإذا ما كان ممكنا وقف التدهور الحاصل في مكانتها الدولية بأثر سياسات ترامب.
هذه المرة، تعاود الأسئلة القلقة طرح نفسها في انتخابات (2024) في بيئة دولية مختلفة تتعرض فيها الولايات المتحدة بأثر سياسات بايدن لهزيمتين استراتيجيتين بتوقيت واحد في حربي أوكرانيا وغزة.

بدت المواجهة الانتخابية الأولى أقرب إلى استفتاء على ترامب.. فيما تبدو الثانية استفتاء عكسيا على بايدن.
خسر ترامب ذلك الاستفتاء بدواعي الغضب على سياساته وتصرفاته أثناء جائحة “كوفيد 19″، التي تنكرت لما يفترض أنها من واجبات أية قيادة مفترضة.
بذريعة “أمريكا أولا” أفرط في الانسحاب من المنظمات الدولية، أو وقف التمويل عنها كـ”الصحة العالمية” و«اليونسكو» و”الأونروا” ملوحا بانسحاب مماثل من حلف “الناتو” إذا لم تدفع الدول الأوروبية حصصا أكبر في موازنته وتكاليف تسليحه وتدريبه وعملياته.
كما استدعت سياساته وتصرفاته صدامات منذرة مع الحريات الصحفية والإعلامية، وصدامات عرقية كادت تدخل البلد كله في احتراب أهلي.

كان أسوأ ما جرى محاولة بعض أنصاره اقتحام مبنى “الكونجرس” بتحريض ظاهر منه لمنع نقل السلطة إلى الرئيس المنتخب، كما لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة من قبل.
رغم سجله السيئ، الذي أفضى إلى خسارته الانتخابات الرئاسية الماضية، فإن استطلاعات الرأي العام ترجح خسارة بايدن أمامه فى الانتخابات المقبلة.
فشل بايدن العامل الرئيسي في إعادة تعويم ترامب
ماذا قد يحدث إذا ما استبعد دونالد ترامب من السباق الرئاسي بقرار قضائي؟!
إنها الفوضى في بنية النظامين السياسي والقانوني الأمريكيين، ولا أحد بوسعه أن يتكهن بما بعدها.

حسب الاستطلاعات نفسها فإن قطاعا كبيرا من الناخبين الشباب والسود، الذين صوتوا لصالح بايدن قبل حوالي أربع سنوات قد خسرهم هذه المرة.
كانت إدارته لحرب غزة أحد الأسباب الجوهرية في تراجع شعبيته، حيث وفر دعما مطلقا لحرب الإبادة الإسرائيلية التي تجري في القطاع المحاصر.
جرت العادة تقليديا في أية انتخابات أمريكية أن تحسم نتائجها بالأولويات الداخلية، أو ألا تكون للسياسة الخارجية دور كبير في توجهات التصويت.
تختلف الحسابات هذه المرة حيث قد تلعب السياسة الخارجية أدوارا غير معتادة في تقرير مصير الانتخابات المقبلة.
كان خروج مئات الألوف مرة بعد أخرى إلى شوارع المدن الكبرى بالأعلام الفلسطينية داعية إلى وقف إطلاق النار فورا، تطورا جوهريا في الحسابات الانتخابية حيث ينتمي معظمهم إلى قواعد الحزب الديمقراطي، الذي يترشح جو بايدن باسمه.

طاقة الغضب قد تحسم توجهات التصويت بالنظر إلى التوازن الحرج بين الرئيسين المثيرين للجدل، الحالي والسابق.
المثير هنا أن ترامب أقرب إلى إسرائيل من بايدن، وخياراته تميل إلى استبعاد حل الدولتين بمبادرات مثل “صفقة القرن”، التي تولى الإشراف عليها صهره “جاريد كوشنير” قبل إجهاضها بإجماع فلسطيني نادر.
بدت صفقة القرن بأفكارها وتوجهاتها نزعا لأي طموح فلسطيني في سيادته على أرضه المحررة مقابل تحسين أوضاعه المعيشية.
بصياغة أخرى يتبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن تلك الصفقة كانت تعنى “السلام مقابل السلام”، لا انسحاب من أرض ولا كلام عن دولة!

معضلة بايدن في سباقه مع الوقت أنه يبدو شبه مقيد باعتراضات نتنياهو على خططه وتصوراته لليوم التالي من حرب غزة.
لا يقدر على التصعيد ولا يحتمل استمرار الوضع الحالي، الذي قد يكلفه مقعده في البيت الأبيض.
يسعى بايدن بوسائل التواصل مع المكونات الداخلية الإسرائيلية إلى إحداث تغيير ما فى معادلة السلطة بإزاحة نتنياهو.
بالوقت نفسه يسعى نتنياهو إلى إطالة أمد الحرب بأمل أن يحرز ــ أولا ــ اختراقا عسكريا يسوّقه كنصر في غزة، يجنبه فاتورة الحساب بعدها على مسئوليته عما حاق بإسرائيل في (7) أكتوبر وما بعده من فشل عسكري ذريع، بالإضافة إلى إبعاد شبح الزج به خلف قضبان السجون بتهمتي الفساد والرشى.
ثم يأمل أن يحسم ــ ثانيا ــ حليفه الوثيق ترامب، الانتخابات الرئاسية وتتغير الحسابات الدولية بصورة أكبر وأبعد مدى مما ذهبت إليه إدارة بايدن.

يستلفت النظر ــ هناــ الطريقة التي ينتهجها ترامب في استثمار أزمة بايدن لإلحاق الهزيمة الانتخابية به.
“ليس لدينا أحد يقود”.
كان ذلك جوهر انتقاده لأداء بايدن في إدارة حرب غزة.
لم يتصادم مع الحقائق لكنه حاول إعادة صياغتها.
“على إسرائيل أن تفعل شيئا على جبهة العلاقات العامة”.
كان ذلك تلخيصا مخلا لمظاهر الغضب على جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين، كأنها محض مسألة علاقات عامة!
“ما حدث ما كان ينبغى أن يحدث.. إنه أمر فظيع على الجانبين”.

هكذا حاول أن يوازن خطابه بين نقد مخفف لإسرائيل ونقد خشن لـبايدن دون تغيير في بوصلته المعتادة.
إنها الانتخابات وحساباتها، رغم أنه الرئيس الأمريكي الذي قرر على عكس أسلافه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة متبنيا التوسع الاستيطاني إلى أبعد حد والمعاهدات الإبراهيمية دون سلام أو انسحاب من أراض محتلة.
في استثمار مماثل لورطة غريمه بايدن في أوكرانيا قال: “لو كنت موجودا ما حدثت هذه الحرب”.
دعا إلى “أن يتوقف الجميع عن الموت” مركزا على حجم الخسائر الاقتصادية الفادحة جراء التورط فيها.
التفاعلات الداخلية سوف تأخذ مداها قبل أن تحسم صناديق الاقتراع نتائج المواجهة الانتخابية الثانية بين بايدن وترامب.
لا يجدي الرهان على أحدهما، هذه حقيقة سياسية.

ولا يصح أن ننسى أن التضحيات الهائلة التي بذلها الفلسطينيون والتعاطف الإنساني معها هو الذى أحيا أعدل القضايا الإنسانية المعاصرة داخل الولايات المتحدة نفسها.

هذه حقيقة سياسية أخرى، فلا شيء مجانيّ.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار