تنبيه أوّلي: من تُرهقه القراءة، بإمكانه المرور مباشرة إلى مشاهدة الحوار كاملا على الفيديو آخر النص، ففيه متعة وامتلاء.
سأحاول في هذه الورقة تلخيص حوار شيّق وبنّاء ومؤثّر أُجري السنة الماضية مع البروفيسّور الجزائري لطفي بُوبْلاطة المختص في جراحة قاعدة المخ والأعصاب (رئيس قسم جراحة الأعصاب بقسنطينة) بثّته قناة البلاد الجزائريّة ويدوم حوالي ساعة كاملة أتى فيها على منشئه والعوامل الحاسمة في مسيرته وعلاقته بالمرضى وبالوطن وبهجرة الأدمغة.
منصف الخميري
وإن التنويه بكفاءة طبية جزائرية شقيقة لا يُنقِص شيئا من قيمة جرّاحين تونسيين على مستوى عال وعالمي من الكفاءة أمثال الدكاترة الأجلاّء عبد الكريم بالطيّب ومنصف الخالدي (رحمهما الله) ومنذر يدعس وحافظ الجمل (لهما موفور السعادة وطول العمر)… وعديدون آخرون لا أعرف أسماءهم، لكن تقصير الإعلام التونسي في حقّ هؤلاء والتعتيم على مُنجزاتهم وعدم إتاحة الفرصة أمامهم للتحدّث إلى ملايين المشاهدين من ناحية، وطبيعة الحوار الذي دار مع بوبْلاطة وتشديده على البعد الوطني والإنساني في عمله من ناحية أخرى جعلاني أتأثّر كمشاهد بهذا الرجل وأحاول أن أسهم في التعريف به واستخلاص الدروس من تجربته.
أهم لحظات الحوار
أنا من مدينة سوق أهراس، القاعدة الشرقية للمقاومة الجزائرية ومدينة القدّيس أغسطس، مدينة أعطت الكثير من المجاهدين والشهداء، بلاد رجل المسرح مصطفى كاتب (إبن عم كاتب ياسين) ووردة الجزائرية ومحمد الشريف مساعدية (إضافتي: مدينة سوق أهراس لا تبعد أكثر من 100 كلم عن مدينتي الكاف وجندوبة على الحدود الغربية، لذلك يقول أثناء الحوار “جيت مالحدود متاع تونس”)، لي 7 إخوة ووالدي كان معلّما وساعدنا كثيرا هو ووالدتي المقرّبة منا جدا كأنها صديقة لا أمّ فحسب، على النجاح في دراستنا. والدي “دارْ الخير” في أولاد الناس، لذلك ربّي دارْ الخير في أولادو !
نعم، كنت من المتفوّقين في دراستي إلى غاية الباكالوريا ولم أفكر يوما في حياتي أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة الطبّ… كنت أحلم دائما بأن أصبح طيّارا حربيّا. معدلي الحسابي بين الفيزياء والرياضيات والعلوم الطبيعية كان حوالي 18 لكنني لم أرغب مطلقا في دراسة الطب. ذهبتُ إلى عنّابة مع مجموعة من الأقران وأعلمونا هناك بأن كل الذين تحصلوا على معدّلات أرفع من 16/20 يُمكَّنون آليا من اختيارهم الأول. واكتشفت حينها أن طريق الوصول إلى مهنة الطيار الحربي عملية معقّدة جدا وتستوجب المرور بالمؤسسة العسكرية… وبحكم أن أغلب أصدقائي قاموا بتعمير شعبة الطب، فقد اخترت الطب…هكذا بدون اقتناع كبير…ومن هنا بدأت المغامرة.
درست السنوات السبع الأولى في عنّابة، وأذكر أنني تحصلت في الثلاثي الأول على معدل 10.58، وهو أدنى معدّل تحصلت عليه في حياتي. صُدمت كثيرا فحزمت حقيبتي وعدت إلى عائلتي مُعلنا أنني قررت التخلي عن دراسة الطب التي لم أحلم بها يوما بل بدراسة الطيران. في هذه اللحظة الفاصلة من حياتي، يتدخّل أستاذي “سي العوّادي” الذي كان يدرّسنا مادة الفيزياء سنة الباكالوريا، طلب منّي أن أرافقه إلى بيته وأدخلني مكتبته التي وجدتُ بها كل الكتب والمراجع التي كنت أسمع بها في سنتي الأولى طب ولم أعثر عليها، حملتها معي واستثمرت وقتا طويلا في مراجعتها وعدت إلى عنابة لأتحصل على معدل 15 ثم 16 في الثلاثي الثاني والثالث.
أولا : في السنة الرابعة طب عندما بدأنا دراسة “الوحدات”، أول وحدة كانت الجراحة. ذات يوم كنت مُبكِّرا كعادتي، اعترضني مدير الوحدة وأنا أتمشّى في معبر المستشفى فنهرني صائحا وقال لي “تجوب المعابر، إذن تهيّأ لإعادة هذه الوحدة” (إلهي يا فتّاح يا رزّاق… أية عنجهية هذه ؟). في الأسبوع الموالي كان رئيس القسم بروفيسور شرحاوي يؤدي زيارة إلى القسم الذي أتدرّب به، فقمت بتقديم مريض عارضا حالته، أُعجب بي وقال لي “أنت مُعفى من إجراء الامتحان التطبيقي، عددك سيكون 16/20”. وكأنه بذلك يُحقّق نوعا من العدالة السماوية في تلك اللحظة…لأنني كنت صافيا وصادقا فأنصفني الله.
ثانيا : كان اعتنائي الكبير بالدروس النظرية عائقا أمام تعلّم “العلاجات التطبيقية” مثل الحقن وقيس ضغط الدم … فقصدت ممرضة وعرضت عليها الأمر، فقالت لي “حتى تتعلم ذلك لا بدّ من التّبكير” فسألتها “ماذا تقصدين بذلك” فقالت “أن تأتي على الساعة السادسة صباحا” ! في الغد وعلى تمام الساعة السادسة صباحا كنت بباب القسم الاستشفائي الذي تعمل به هذه الممرضة. وبقيتُ أنتظر هناك إلى غاية الساعة الثامنة. أتت الممرضة وفوجئتْ بوجودي هناك فانهمرت ضحكا وتبنّتني من يومها كأنني واحد من أبنائها لأتعلّم على مدى ثلاثة أشهر كل العمليات العلاجية وخدمات التمريض.
كنت مترددا بين جراحة المخ واختصاص الانعاش الذي أعتبره العمود الفقري للطب
استقبلني في هانوفر بألمانيا البروفيسور الإيراني- الألماني مجيد سميع وهو من القامات العالمية في هذا الاختصاص الطبي الجراحي الدقيق. كان تصوّر هذا الطبيب أن التدرب لديه لا يمكن أن يقلّ عن ستّة أشهر لأنه كانت لديه فكرة أن الجزائر لا تقاليد أو تجربة لها في المجال. سافرت الى هناك، لكنني تعلمت كل شيء في أسبوعين فقط لأن سميع مكّنني من الأرشيف المُصوّر الذي يتضمّن كل العمليات التي قام بها. ساعدني كثيرا هذا التربّص والتقنيات المُستخدمة هناك، حتى أنه ولما عدت إلى الجزائر، أجرينا 260 عملية جراحية مجهريّة على مرضى جزائريين وتوصلنا الى نفس النتائج تماما كما في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
4 أو 5 عمليات جراحية في الأسبوع، 250 عملية في السنة على امتداد 21 سنة أي ما يعدل 5000 تدخل جراحي إلى حدّ الآن.
كنت أكرّر أمام طلبتي ومساعديّ دائما أن جراحة المخ والأعصاب فيها سرّ ما، وهو نفس السرّ الذي تتأسّس عليه علاقتك بالمرأة بصفة عامة إن كانت أمك أو أختك أو زوجتك أو ابنتك، إذا حصل لديها الاقتناع التامّ بأنك تحبّها، فهي تعطيك كل شيء. يجب أن تكون علاقتك بالمرضى خاصة جدا بحيث يحدث أن تجد فريقك يبكي مريضا من شدّة الانفعال والحرص على حالته.
هل يحدث أن تبكي أمام حالة مريض ؟
“نعم، موش مرة موش زوج”. سأقول لك سرّا، لماذا لم نغادر البلاد نحو الخارج ؟ علاقتنا بالمرضى هي علاقة وطن وشعب واحد، عندما يأتيك شخص صحبة ابنه أو زوجته أو حتى هو بورم في المخ، هذا المواطن يكون أمامه أنت والله فقط.
لحظة تأثر قصوى يتوقّف بموجبها الحوار.
أمام هكذا وضع، أنت مضطر للبقاء بالجزائر وما عندك فين تروح. أنا أقول “لن تتميز إلا هنا في الجزائر وأتحدى أيّا كان يقول انه باستطاعته الذهاب الى الخارج ويكون بوسعه أن يفعل ما يريد”.
هل تعرف بأن الكفاءات والخبرات في العالم اليوم لم تعد بحاجة إلى إرسال سيرة ذاتية للحصول على مركز عمل في مؤسسة بحثية أو شغليّة ما، بل يكفي التنصيص على العنوان الالكتروني والاختصاص حتى يعرف العالم مباشرة قيمتك ومكانتك “آش تسْوى”، وذلك بواسطة مؤشر “ه” Le h index sur google scholar الذي يقيس أثر المنشورات العلمية لشخص معين ويأخذ بعين الاعتبار عددها ومدى تكرّر الاستشهاد بها كمراجع. وبناءً على هذا المؤشر، يمكنك أن تفاوض أجرك الذي لا يمكن أن يقلّ (في حالتي أنا على سبيل المثال) عن 25000 ألف يورو شهريا. إذن علاقتنا بالمرضى هي علاقة خاصة جدا كما ذكرت آنفا كأنها علاقتك بأمك أو ابنك.
وما هو موقع فلسطين من كل هذا ؟
أنا أمين عام جمعية جراحي الأعصاب لدول البحر الأبيض المتوسط، وفي هذه التسمية قصة كبيرة، لأننا فرضنا ألآ تكون فيديرالية تضم كل جمعيات المتوسط (بما فيها جمعية فلسطين المحتلة التي اسمها إسرائيل) بل أن تكون التمثيلية للأشخاص الجراحين (بأسمائهم الفرديّة) وليس للجمعيات بمسمّيات دولها. ليست لديّ شخصيا أية مشاكل مع اليهود كديانة ولكن عندما يتعلّق الأمر بإسرائيليين، لا يمكن أن لا نستحضر فلسطين.
لطفي بُوبْلاطة، من بين أفضل 10 جراحين في العالم في اختصاص جراحة قاعدة المخ والأعصاب
معي 4 مساعدين شباب في قسنطينة، لو تضعهم في أكبر مركز لجراحة المخ والأعصاب في العالم سيكونون جاهزين تماما للعمل بدون أية عُقد مقارنة بنظرائهم في دول أخرى.
لكن للأسف ليست لدينا أية محفزات غير الإصرار وهذه العلاقة الخاصة بالمريض. في مستشفياتنا، لا مكان للراحة، لا مكان للاستحمام، وأجرة الطبيب لا تكفي لأن تشتري هاتفا لائقا…
الطبيب حسب اعتقادي بحاجة إلى شيئين أساسيين اثنين : الاعتبار والكرامة. يجب أن يعيش بكرامة وأن يكون له اعتبار…فقط.
آخر سؤال : ماذا علّمت الحياة لطفي بوبلاطة ؟ (وهو عنوان البرنامج)
علّمتني الحياة أننا لا نستطيع العيش خارج الجزائر، نجاحنا هنا في الجزائر، مُحال ننجح خارج الجزائر، نطلب فقط تحسين ظروف العمل ولا نطلب شيئا آخر.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.