14 مارس هو اليوم العالمي للرياضيات، و 16 مارس اليوم الوطني للّباس التقليدي التونسي : حدثان مهمّان عشناهما خلال الفترة الأخيرة ولكن ليس بنفس النكهة ولا بنفس الرّوح وذات درجة الإقبال.
منصف الخميري
ازدانت جميع ساحات مدارسنا خلال الأسبوع الماضي بجميع أنواع الحُليّ والجبّة والبرنوس والشاشيّة فوق الرؤوس والسّراويل المطرّزة والصدريّات المبرقشة في سياق الاحتفال باليوم الوطني للّباس التقليدي، وهو تقليد محمود لأنه يُعزّز الشعور بالانتماء ويُبرز عناصر بديعة في هويّتنا الوطنية وموروثنا الثقافي، ولكن عندما يتزامن الاحتفال واسع النطاق رسميا وإعلاميا ومدرسيّا بزينة المظهر وزخارف الملبس مع غياب مطلق وصمت مُطبق إزاء حدث جلل خصّص له المجتمع الدولي يوما عالميا وهو اليوم العالمي للرياضيات (وما أدراك ما الرياضيات) … يُصبح الأمر مدعاة للحيرة والتساؤل عمّا يجعل وزارة في حجم ومكانة ورمزيّة وزارة التربية في وجدان جميع التونسيين، لا تعير اهتماما لهذا الحدث الكوني وخاصة في تونس بالذات المُشرفة مدارسها على تطليق الرياضيات بالثلاث.
إن كان الأمر عفويا ومن قبيل السّهو، فعذرا حقا لأن البلدان لا يسيّرها العفويون والمزاجيون والانفعاليون، وإن كان التعتيم مقصودا فتلك مصيبة أكبر وأبشع.
أية قيمة للرياضيات ولماذا اليوم العالمي للرياضيات ؟
لا يمكن الاجتهاد في باب الوقوف على مكانة الرياضيات وأهميتها، لأن فوائدها ودورها في بناء العقل وتطوير جميع مجالات العلوم الأخرى أضحت من المسلّمات والحقائق العلمية البديهية التي أكّدها مسار الانسانية الطويل في اكتشاف ما به، تطوّر الطب والفلك والصناعة والفلاحة والملاحة وصولا إلى الحوْسبة والاتصالات والحروب الالكترونية والقذائف المسيّرة … والقدرة على كتابة نصوص أدبية وشعرية في نفس مستوى ما كتبه المتنبي وبودلير و”إدغار آلان بُو” بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي الجهنّمية الجديدة.
فالرياضيات تُدرّب على التفكير وحلّ المشاكل، والرياضيات تغذّي التفكير النقدي وتصقله أي تنمية القدرة على تطوير شكّ عقلاني يسمح بالتثبّت من أية معلومة، والتمييز بين ما هو خاطئ وما هو صحيح بناءً على برهنة موضوعية وعلمية دقيقة، والتدريب على التصرف في وضعيات مركّبة وإكساب القدرة على إجراء تحليل جيد قبل اتخاذ أي قرار أو القيام بأي ردّ فعل…
والرياضيات تسمح كذلك بتطوير المهارات المنطقية وإضفاء مرونة حيويّة على الخلايا الدماغيّة. كما تُفيد الرياضيات في حلّ عدد لا محدود من مشاكل الحياة اليومية، مثل إجراء الحسابات المالية والعمليات التجارية وتقييم هوامش الربح والخسارة وعمليات القيْس وإعداد الأطعمة حسب مقادير مدروسة، وأشغال الزراعة والنّجارة والحِدادة والبناء والتبليط وقيس الأراضي ومدّ الجسور وتوزيع المواريث… فكلها أنشطة بشرية تستدعي منطقا وعقلا حاسِبًا وفق قواعد رياضية مضبوطة.
لماذا نبكي واقع الرياضيات في تونس ؟
لا يخفى على أحد اليوم التراجع المأساوي الذي يشهده واقع دراسة الرياضيات وتدريسها في تونس اليوم، خاصة في ضوء المؤشّرات التالية :
___الانكماش المُريع لشعبة الرياضيات كمسلك تخصّصي في التعليم الثانوي في كل المؤسسات التربوية دون استثناء، وبصفة خاصة في الجهات الداخلية التي ترتفع فيها نسبة المدرّسين غير المختصين والمدرّسين النوّاب والمعوّضين، والجهات التي لا تتوفّر فيها ظروفا موضوعية مُشجّعة على استقرار إطار التدريس وبالتالي تشكّل نواة صلبة ضامنة لعناصر جودة التكوين وبهجته (والنواة الصّلبة أو الكُتلة الحاسمة في الاقتصاد هي العتبة أو الحجم الذي معه تتحقق وفرة المردود والإنتاجية).
___المعاناة الحقيقية التي تواجهها مجالس الأقسام في نهاية كل سنة دراسية، من أجل إيجاد الحدّ الأدنى الذي يسمح ببناء قسم أو قسميْ رياضيات على أقصى تقدير في كل معهد، مما يؤدّي حتما إلى ضعف شديد في نسبة التوجيه خصوصا نحو شعبة الرياضيات ونحو الشعب العلميّة بصورة عامة.
___ثبوت العلاقة الطرديّة بين ضعف نسب التوجيه نحو الرياضيات والشعب العلمية بصورة عامة وبين نسب النجاح في الباكالوريا. فكلما زادت نسبة المُقبلين على التوجيه نحو هذه الشعب زادت نسبة النجاح في الباكالوريا، وكلما تقلّصت (مقابل ارتفاع التوجيه نحو الآداب والاقتصاد) تدنّت نسب النجاح في الباكالوريا. (تذكر الأرقام سنويا في هذا السياق أن الجهات الأعلى ترتيبا في الباكالوريا هي الجهات الحائزة على أعلى نسب التوجيه في الرياضيات والشعب العلمية والعكس بالعكس).
___الالتحاق بالشعب الجامعية المُثمّنة اجتماعيا وشُغليّا مثل الطب والهندسة واختصاصات المحاسبة والمالية والتصرف (في مؤسسات أكاديمية بعينها) والاختصاصات حول الإعلامية وتطوير التطبيقات والبرمجة… أصبح حِكرا على جهات ومؤسسات تربوية معيّنة حيث تزدهر نسبيا شعبة الرياضيات. خاصة أن “سوق الدروس الخصوصية” تنتعش بشكل كبير جدا في الجهات التي يكون فيها مستوى العيش والقدرة على الاستثمار في دراسة الأبناء أكبر، مقارنة مع غير ها من الجهات.
___ترسّخ فكرة “غول الرياضيات المُخيف” في أوساطنا المدرسية لأن مناهج تدريسها مُنفّرة وملمح مدرّسيها بصفة عامة في خصومة أبديّة مع منهج التّيسير وإضفاء أبعاد لعبيّة وتطبيقية من الحياة اليومية… إضافة إلى أن مقياس الرياضيات مُعتمَد في منظومة توجيهنا المدرسي “العتيدة” في كل الشعب باستثناء الاداب… بمعنى أن التلميذ الذي يبلغ السنة الثانية من التعليم الثانوي بمؤهلات محدودة في الرياضيات توصد في وجهه كل الأبواب باستثناء واحد فقط… لا يؤدّي حقيقة إلى آفاق واعدة.
ماذا كان بوسع وزارة التربية أن تفعل ؟
أقول بدءًا إنني لا أطالب وزارة التربية بأن تُطلق العنان لاحتفالات وفعاليّات فكرية وبحثيّة ودراسية (وترفيهيّة لِم لا ؟!) حول الحِساب والرياضيات تكون موجّهة إلى كل الأعمار وكل الفئات، في محاولة لنزع رداء الوحش عن مادّة من أمتع المواد وأذكاها لو نعرف كيف نقدّمها للناس وكيف نفكّ رموزها وكيف ننزع عنها قِناع الغلظة والقساوة … بل أطالبها فقط بأن تتوقّف ولو قليلا عند هذا الحدث الكوْني، وتُشعرنا بأن للتونسيين دولة تواكب نسق تطور العالم وتولي أهمية لما يحدّد اليوم درجة نموّ المجتمعات وما سيحدد مستقبلا المستوى الذي سيكون عليه رفاه الشعوب.
كان بوسع وزارة التربية :
أن توجّه تحيّة لمعلّمي الحِساب وأساتذة الرياضيات ومتفقّديها تُثني فيها على مجهوداتهم المبذولة في سبيل الذّود عن هذا الجواد المدرسي الأصيل والحفاظ عمّا تبقّى من جذوة مهدّدة بالانطفاء والاضمحلال النهائي، وتُلفت انتباههم فيها كذلك إلى المخاطر التي تتهدّد عرينهم بحكم مناخ النفور العام إزاء الرياضيات وتداعيات صورتها القاتمة على نفسية أبنائنا خاصة خلال فترة الامتحانات.
وأن تُطلق خطة وطنية من أجل تجويد تدريس الرياضيات وإعادة الاعتبار لشعبة الرياضيات في تونس التي كانت تستوعب إلى حدّ وقت غير بعيد خُمُس الموجّهين في التعليم الثانوي (في حين لا تسجّل اليوم أكثر من ثُمُن أو عُشُر ما يُوجّه نحو الاداب أو الاقتصاد والتصرف في جهات كثيرة).
وأن تدعو متفقدي المادّة وأساتذتها ومُعلّميها إلى تنظيم ورشات جهوية وإقليمية ووطنية لتدارس معضلة الرياضيات، وتشخيص العوامل التي حوّلتها عبر السنين إلى حاجز مُعيق وسببا من أسباب الفشل والانقطاع المدرسيين.
وأن تُطلق شعارا وطنيّا على هذا اليوم العالمي يكون نابعا من خصوصياتنا المحلية ويتم الاشتغال عليه وتقديم المقترحات بخصوصه مثل (الفتيات والرياضيات) أو (الرياضيات والعلوم التجريبية : هل يمكن إدماجهما؟) أو كذلك (الرياضيات في شعبة الاقتصاد أية أهمية؟) أو الرياضيات عند العرب القُدامى، الخ…
وأن يتمّ تنظيم أولمبياد وطنية للرياضيات تُرصد لها جوائز مُحفّزة بشكل حقيقي لا تستهدف التلاميذ “النوابغ” في الرياضيات فحسب، بل خاصة أولئك التلاميذ الذين يُبدون نفورا وتوجّسا وخوفا تجاه هذه المادّة.
ملاحظة أخيرة : يتّفق عديد الدّارسين حول العالم أن دراسة الرياضيات تكون أنفع وذات مساهمة أكبر في بناء شخصية متوازنة ورياديّة للتلميذ والطالب عندما تقترن بدراسة الفنون و/أو الرياضة… لأن ذلك يجعله يكتشف أبعادا أخرى لم يكن ليعرفها لو ظل حبيسا في عالم العلامات والرموز المجرّدة.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟