يبدو أن التحوّلات العميقة الحاصلة اليوم في العالم على مستوى مَلْمَح المهن الجديدة ومناخات الرّقمنة المُعمّمة وأنماط العمل المستحدثة وأنواع المهارات المطلوبة، واستفاقة الانسانية على اكتشاف مكوّنات منسيّة من الذكاء المُخلِّصِ من سَطْوة نموذج الذكاء المدرسي التقليدي، والمُحرِّر من النمذجة القاتلة للبراعم والأجِنّة أحيانا … يبدو أن هذه النُّقلة الحديثة الجارية حاليا هي الآن بصدد نحت ملامح تلميذ المستقبل، وخاصة بلورة تعريف جديد لمفهوم التلميذ المتميز والقادر على اقتحام أبواب المستقبل بأكثر يُسرا وبناء مسار واعد بصورة ذاتية.
منصف الخميري
قد تسمح لي بعض التجربة في علاقة بمدرستنا وجامعاتنا التونسية وبالدراسة والعمل بالخارج بالوقوف على بعض الاستنتاجات، وقد تُتيح لي بعض الأمثلة الحية التي عايشتها الوقوف على واقع متفوّقين درسوا في أكبر الجامعات العالمية وعادوا إلى تونس مُنهَكين نفسيا ودراسيا، ومتوسّطين صمدوا وقاوموا وتدبّروا وثابروا وكان لهم ما يريدون وأحيانا أكثر مما يريدون … قد يسمح لي كل ذلك بوضع تصوّر ولو بصفة سريعة وعامة لمن هوّ التلميذ المتميز مستقبلا في ضوء التحولات المذكورة آنفا :
التلميذ الواعد أوّلا هو التلميذ النّاجي من الابتدائي
لم يعُد سرّا أو مجرّد تخمين كون الطفل يتشكل جزء كبير من شخصيته والنواة الصلبة لديه وتنمو بذور ما سيصبح إمكانيات ومهارات وقدرات فيما بعد… خلال المرحلة التحضيرية (إن وُجدت) والمرحلة الابتدائية. والمطلوب اليوم أصبح عبور الطفل لهذه المرحلة بأخف الأضرار والتشوّهات إن لم تتوفّر البيئة التربوية التي نما فيها (مستوى كفاءة المعلّمين ومضامين البرامج والمناهج الدراسية وجودة الحياة المدرسية…) على ما يجعل سبع سنوات بِكْر ، طبقة سميكة من الفِطنة والشّغف والنّباهة.
التلميذ الألمعي ثانيا هو تلميذ ماسك بناصية التكنولوجيا ولكن ليس سجينا لها
اللوحات الرقمية والحواسيب المتطوّرة والهواتف نافذة الذكاء تُستعمل وسط كثير من العائلات كأدوات إلهاء أو كوسائل إشباع عاطفي أو كذلك كمُحفّزات محفوفة بخطر الإدمان الأبله، ونادرا ما يتمّ توظيفها لتعزيز المناعة الذهنية واكتساب القدرة على تخصيب العقل وحسن استعمال مكنوناته الجبّارة.
التلميذ المتميّز ثالثا هو تلميذ يُطالع كما يأكل
هذا النموذج من التلاميذ يُطالع بنهم وشغف كبيرين ليصبح باحثا عن كتابِه بعيدا عن دفع والديْه وإلحاحهما، لأن القراءة كما يؤكده خبراء العلوم العصبية “تساعد على مقاومة تهرّم القدرات الذهنية وتُنمّي الذاكرة وتُعزّز روح التعاطف والغيْريّة” علاوة على أنها ترتقي بالقدرات التخيُّليّة، وتسمح كذلك بتحقيق هُدنة واسترخاء ضروريّين في زحمة يوم كامل من القصف المركّز الذي تمارسه ملايين المواقع الالكترونية والصفحات المتخصصة في قنص انتباه المتفرّج الرّقمي والتطبيقات المُدجّجة بالكمائن المشهديّة المُغرية.
والمطالعة حسب تجربتي الشخصية، خاصة عندما تكون مُركّزة ومنتبهة لتفاصيل ما يُقال (لا فقط صورا وخيالات لتمضية الوقت) ترفع من منسوب اللغة التي يتملّكها الفرد (كمّا ونوعا) وتُدرّبه على أن يكون مزهوّا حدّ الانتشاء تحت تأثير لغة مُطرّزة ونفائس بلاغيّة قُدّت من ذكاء كبار المُفكّرين وعبقريّتهم… وكل ذلك دون منشّطات خارجية مُدمّرة، والمطالعة أيضا كاسِرة لضيق الأفق وكاسحة لجميع أنواع الحدود التي تفرضها اللغة والدّين والثقافة والجمارك.
التلميذ المُستقبلي رابعا هو تلميذ اتصالي
هو تلميذ لا فقط يُتقن العدّ والقراءة والكتابة بل كذلك يُجيد الكلام ويُحسن الحديث. (انتبهوا قليلا إلى انسيابيّة الحديث لدى تلميذ الـ 15 سنة في تونس مع نظيره الألماني، أو السويدي وستكتشفون أن الطفل أو الشاب التونسي يُجيب عادة بمقاطع لغوية مبتورة مثل “لاباس مريقل” أو “سافا سلّكتها” أو “نحب كيف نكبر نعمل مشروع والا حْكاية” … بينما يقدر نظيره على تأليف جُمل واضحة المعنى والتركيب إلى حدّ كبير كأن يقول “أعتقد أن شباب اليوم يقرأ أقل من جيل الآباء والأمهات ولكن خاصة جيلي أنا يقرأ أقل من أجل المتعة الخالصة” (هذه شهادة واقعية لشاب فرنسي عمره 16 سنة). المهارة الاتصالية كتابة وكلاما شفويا جواز ثمين عابر للقارات دون تأشيرات بائدة وسلاح فعّال أثناء حوارات الانتداب التي يُديرها كبار المختصين في صيد الكفاءات وتخيّر أفضل الموارد البشرية.
التلميذ النّاجح خامسا هو تلميذ مستقلّ بعد عتبة عمريّة معيّنة
أذكر أن صاحب أفضل معدل في باكالوريا إعلامية في جهة من جهات بلادي خلال السنة قبل الماضية تحدثت إليه وكم صدمني عندما أكّد لي أن الكوفيد والدراسة بنظام الأفواج وبعض الضّجر من مضامين بعض المواد وطريقة تدريسها، جعلته لا يحضر سوى ثلاث حصص بالمعهد الذي درس به طيلة سنة دراسية كاملة. مستقلّ هنا بمعنى تلميذ مسؤول، يتدبّر أوقات المراجعة دون ضغط أو ملاحقة ويتخلص بتعقّل من سلطة الأستاذ كمصدر أوحد للمعرفة ويتعلم بصورة ذاتية (37 مليون متعلّم بصفة حرّة في منصّة “كورسيرا” الأمريكية بمساهمة 150 جامعة عبر العالم في 2018).
التلميذ الذي لا خوف عليه سادسا هو تلميذ متوازن
هو فرد متصالح مع جسده ومُطمئنّ دون غُلوّ أو تبخيس إلى أصوله العائلية والاجتماعية، حاملٌ لقيم إيجابية يؤثثها حب الناس وتثمين الذات واحترام الآخر ونبذ الغرور وقلة الحياء. وهي طِباع ممكنة تماما مَوْكولة للأولياء والمربّين … حتى يكون الطفل واليافعون عامة متخلصين من مُعيقات التواصل مع الآخر مهما كان، أقول هذا لأن عددا كبيرا جدا من الصعوبات التي يعانيها التلاميذ مردُّها خجل مبالغ فيه وخوف من الكلام وذعر من الإجابة وتهيّب فتّاك إزاء مفاتحة شخص من الجنس الآخر… هو تلميذ واقف جيّدا في حذائه كما يُقال.
التلميذ ذو الشأن أخيرا هو الذي يستحضر كل هذه الآفاق
العالم لا يعرف أين يمضي تحديدا لكنّه لا يكفّ عن محاولة توقّع ما سيحدث مستقبلا. يُقدّر المتخصصون في رصد توجهات سوق الشغل العالمية أن المهن التي ستنتدِب أكثر من غيرها في المستقبل هي :
مهن الصحة ومهن الخدمات الموجهة للأشخاص ومهن البيئة والتكوين والتدريب وفق معايير جديدة coaching وتقنيو الإعلامية وحماية المعطيات والمختصون في الحماية السيبرنية والذكاء الاصطناعي في كل المجالات الاقتصادية والروبوتيك والمؤثرون ومصمّمو المواقع على الواب والمهن القانونية في المجال الرقمي وصانعو المحتوى. هنا لا بد من الإشارة إلى أن المحتوى الأسهل استهلاكا هو الفيديو (حسب مؤسسة سيسكو الشهيرة في الاعلامية والشبكات 80 بالمائة من المحتويات في المستقبل ستكون عبر الفيديو)، وكذلك مطوّرو البرمجيات المحمولة (258 مليار تحميل لتطبيقات مختلفة خلال 2022).
من يضع صوْب عينيْه هذه الآفاق المتنوّعة والمُثيرة سيتدبّر بالتأكيد أمر مستلزماتها ويمضي إلى مستقبل مُشرق هو سيّدُهُ.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.